الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفضيل الورتلاني
وصلتنا كلمة من الأخ الكريم، الحاج خليل أبو الخدود مندوب وكالة أنباء أندونيسيا - ومعها تصريحات لولدنا الأبر، الفضيل الورتلاني - قبيل الاجتماع العام لجمعية العلماء، وكنا إذ ذلك منهمكين في إعداد الاجتماع، وفي استقبال السنة الدراسية، وشؤون المدارس والمعهد الباريسي، وما يستلزمه ذلك من أدوات، ووسائل، وتجديد في الأجهزة اللازمة، من برامج ومال ورجال؛ ولقد كان إسكان تلامذة المعهد - وعددهم يشارف السبعمائة - كافيا لاستنفاذ الجهد، واستغراق الوقت؛ وقارنت تلك الجهود، تأخر "البصائر" عن مواقيتها، لأسباب داخلية اقتضاها التجديد؛ لذلك كله، تأخر نشر الكلمة وما معها من التصريحات إلى هذا العدد، فمعذرة منا إلى الأستاذين الفاضلين، البعيدين عنا بعد الدار، القريبين منا قرب العمل المشترك والفكرة الجامعة: أبي الخدود والورتلاني.
وقد كنا قرأنا في الجرائد الشرقية، خبر عفو أمير اليمن، عن المتهمين في الحركة الانقلابية، التي كان من آثارها قتل أبيه يحيى حميد الدين، فلم يحرك منا هذا العفو شعرة، لما لم يثر منا ذلك الانقلاب إلا الألم، ولا يستطيع أحد أن يتهمنا في هذا بجفاء الطبع، أو جفاف العاطفة، فنحن من أشد الناس افتتانا بالعروبة والعرب، وأرقهم إحساسا في النوائب التي تنوبهم وأعماقهم أسى للحالة التي هم عليها؛ ولكن رأينا في ملوك العرب معروف، ومن رأينا في الكثير منهم، أن كل ما يصدر منهم من عقد ونقص وعفو ومؤاخذة - فهو ناشئ عن خطرات من الوساوس الفردية، لا عن بواعث من المصلحة العامة، وأنهم عدموا القوانين المقيدة، فاستحكمت فيهم النزعات المطلقة، فأصبحوا في نظرنا يوجدون، فكأنهم عن فراع الحياة ما وجدوا، ويفقدون فكأنهم لهوان الخط ما فقدوا؛ ومن رأينا في ذلك الانقلاب، أنه أحط من بصيرة المتبصرين بدرجات، وأنه متأخر عن وقته بسنوات، وأنه لو صحبته البصيرة، وكاد العلم والعقل من ذرائعه، لكان تطورا لا انقلابا، ولما سال فيه ملء محجم من الدم.
وقالت تلك الأخبار: أن العفو شمل الأستاذ الفضيل الورتلاني، المتهم بتدبير الانقلاب والاغتيال، وتباشر أصدقاؤه وعرفوا فضله بهذا العفو، كأنهم رأوا فيه حدا للحالة التي يعيش فيها، وكأنهم يرون أن تلك التهمة - على بطلانها - عاقت الأستاذ الفضيل عن مواصلة جهاده في سبيل العرب والمسلمين، فالعفو يضمن له متابعة الكفاح.
والأستاذ الورتلاني، ابن بار من أبناء جمعية العلماء، وغصن من دوحتها الفياحة، فتح عينيه على شعاعها، وسار في الحياة من أول خطوة على هداها، وقضى عنفوان شبابه في أحضانها، وتخرج في العلم والعمل على قادتها، وبز الجياد القرح في ميادينها، ورمى الغايات البعيدة بتسديدها، وراض عقله على التفكير الصائب، ولسانه على الحديث الصادق، في الإصلاح الديني الذي هو أساس مبادئها؛ فجذبه استعداده القوي منه، إلى العمل في ميدان الإصلاح الاجتماعي وجرته غيرته المحتدمة على وطنه، إلى العمل للإصلاح السياسي؛ وهذه أنواع من الإصلاح متشابكة الأصول، متشابهة الفروع تفصل بينها فواصل اعتبارية دقيقة، ولكن الجرآء المقدامين يرونها متلازمة، متوقفا بعضها على بعض، فلا يتم جزء منها إلا بتمام جميعها؛ ومن هؤلاء ولدنا الفضيل؛ فلما ضاق عنه وطنه الأصغر طار إلى وطنه الأكبر.
ولمكان الأستاذ الورتلاني منا، ومكانته عندنا، وعدنا إياه من أبنائنا البررة ورجالنا الأفذاذ، ويقيننا بطهارة ذمته من القاذورات، وتسامي همته إلى بناء المأثورات - نرى أن كلمة (العفو عنه) كما تقول الجرائد، سبة لم يسب بأفحش منها، ونظن أن ولدنا الفضيل ارتاح لها، أو وقعت منه موقعا، لما نعرفه فيه من الشمم وكبر النفس، وما زالت كلمة العفو في مثل هذه المواطن، ثقيلة على النفوس الحرة، لا يطرب لها إلا المذنبون الضارعون، كالذي يقول:
"رأيت العفو من تمر الذنوب"؛ وإذا كان العفو لا يكون إلا عن جان، فإقراره إقرار للجناية، ومتى كان الفضيل جانيا حتى يعفى عنه، أو حتى يكون العفو عنه مدعاة للسرور والابتهاج؟ وقد وقع لنا مثل ذلك مع الاستعمار، يظلمنا، ثم يبدو له فيقول: عفوت عنكم، فلا يكون آخر في نفوسنا من ظلمه إلى عفوه.
كل ذنب الفضيل، أنه أراد أن يعالج ناحية من نواحي تلك المملكة الشقيقة، فعالجته الأيدي الخفية، التي لا تريد إصلاحا - بتلك الحادثة.
وبعض ذنبه - إن كان هذا يسمى ذنبا - أن جرأتها على مصارحة الأمير القتيل بلزوم الإصلاح، وتنبيهه إلى مواقع الخطر المترتب على الإهمال - كل ذلك جرأ الطائشين على التعجل بأمر لم يجيلوا فيه روية، ولا تدبروا له عاقبة، والمعاني الكبيرة، لا تحتلها العقول الصغيرة، وأعان على ذلك ظلم طال أمده وتظلم خفت صوته فلم يتردد صداه.
إننا نعلن - نيابة عن الأستاذ الورتلاني، بما لنا عليه من حق الأبوة - أنه يستحق التبرئة والاعتذار إليه، لا العفو، إذا كانت العقول قد ثابت إلى رشدها، وطهر الجو من الروائح الاستعمارية التي أفسدته، أما إذا كان الإمام لا يحسن الإمامة، وكان السيف لا يقطع إلا أوصال جاليه، فخير للفضيل أن تتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، من أن تكتب في تاريخه الحافل "طرة" وهي أنه (مجرم معفو عنه).
إننا قوم لا نرضى من الأخلاق إلا أن تكون عقائد، وأن هذه الاعتبارات هي التي أسكتتنا عن الحديث في هذا العفو، وإن لامنا عن هذا السكوت اللائمون، أما ما جرته تلك التهمة على الأستاذ الفضيل من تنكر الملوك له، وضيق