الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوطن، وقام إصلاحات زراعية وصحية، وسعى لتقدم الصناعات الأهلية، وتوسيع دائرة التجارة الوطنية، كما نظم مناهج التعليم بجامع الزيتونة، قرين الجامع الأزهر، وأنشأ بجانبه المكتبة الصادقية، والمدرسة الصادقية، لدراسة العلوم العصرية، واللغات الأجنبية، وأطلق على الحكومة اسم الدولة، وأعطى لنفسه لقب الملك
…
يرى الناظر من هذه الشذرات، أن تونس أخذت منذ عهد المشير، أحمد باشا باي، تسير سير الأمم المتيقظة، وأنها قطعت في إصلاح شؤونها السياسية، والعسكرية، والعمرانية، شوطا يشهد بأنها تستطيع القيام بواجبات استقلالها بنفسها، وأنها ليست في حاجة إلى ما يسمونه حماية.
كيف وقع الاحتلال الفرنسي
؟ ..
بعد أن تم لفرنسا، احتلال بلاد الجزائر واغتصاب استقلالها، اتجه نظرها إلى احتلال تونس، فادعت أن بعض العربان التونسيين، الذين يقيمون بالقرب من حدود الجزائر، يعتدون على بعض جيرانهم من الجزائريين، واتخذت هذه الدعوة وسيلة لاحتلال المملكة بأسرها، وجلبت على تونس بخيلها ورجالها، من ناحية الجزائر، وبنزرت إلى أن وصل جندها إلى العاصمة، وأحاط بقصر الملك، وفي هذه الحال، قدمت إليه معاهدة ليضع إمضاءه عليها. فتوقف الباي، وطلب من نائبي فرنسا - قنصلها وقائد عسكرها - أن يمهلاه مدة ليتأمل فيما تضمنته المعاهدة، من الشروط فأتاحا له ذلك، فجمع رجال مجلس الشورى، وكان ممن عارض في إمضاء المعاهدة، السيد العربي زروق، ورئيس البلدية قائلا: إن ما تخشاه من عدم الإمضاء، سيقع لا محالة، فالتمسك بعدم الإمضاء، أشرف وأسلم. ولكن الباي، رأى نفسه مضطرا إلى توقيع المعاهدة، فوقعها وهي في عشرة بنود تذهب باستقلال البلاد وحريتها، وتقضي باحتلالها ..
قابل الوطنيون هذا الاحتلال، بحزن وجزع بالغين، وقامت بعض المدن والقبائل، في وجه جيش الاحتلال، واستمر دفاعهم حينا، ولكنهم لم يجدوا من يمد يده ليساعدهم على إطالة مدة الحرب، فاستطاع جيش الاحتلال بأن يلجئهم بكثرة عدده، وإطلاق مدافعه، إلى التسليم ..
ثم رأت فرنسا، أن المعاهدة السابقة، لا تسمح لها بأن تبسط نفوذها، في كل شأن من الشؤون الداخلية. فعززتها بمعاهدة ثانية، قدمتها للباي، للتوقيع. فتم لها ما أرادت، من فرض حمايتها، على المملكة التونسية. وكان من نتيجة ذلك، أن فرنسا قلدت معظم الوظائف في الدولة من مناصب الوزارة، إلى الوظائف الصغرى للفرنسيين، حتى أن كل الوزارات، تقلدها فرنسيون ما عدا وزارة الداخلية، التى جردتها من النفوذ، على أنها لم تتوف المرتبات، بين الوطنيين والفرنسيين كما كانت ميزانيه تونس، توضع في فرنسا، وترسل إلى تونس للتنفيذ، واحتكرت فرنسا أراضي الدولة، وصارت تبيعها للفرنسيين، وتقسط أثمانها على عشر سنين، وانتهى الأمر، بأن أصبح معظم أملاك الحكومة، وأراضي الأوقاف الإسلامية، ملكا للفرنسيين
…
أما شؤون القضاء، والتعليم الديني، والمدني، واللغة العربية وحرية الصحافة، وما إلى ذلك، فإن السياسة الاستعمارية، حيالها مما يطول الكلام فيه، فليس الوطنيون - في نظر الحكومة المحتلة - بأهل لأن يمنحوا الحرية، التي يتمتع بها الفرنسيون في تونس، ولكنها فتحت باب التجنيس، بالجنسية الفرنسية ترغيبا للوطنيين في الخروج على قوميتهم العربية، إلى الجنسية الفرنسية، ولكن الوطنيين المسلمين، أدركوا أن هذا التجنيس يسلخهم من دينهم، فأحجموا عنه، وسخطوا على من استهوتهم منافعه، وصارت الأمة تنظر إليهم، بإنكار وازدراء، وأصرت على أن لا يدفنوا في مقابرهم، حتى اضطرت الحكومة ورسمت لهم مقبرة خاصة بهم
…