الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في سبيل استقلال طرابلس الغرب (6)
الجنرال ديغول ينصب نفسه حاميا للاستعمار الدولي
نقلا عن جريدتي الكتلة والإخوان والنذير
حضرة السفير المحترم: هل أتاك نبأ ذلك الحادث الغريب الذي ظهر به جنرالكم العظيم كهدية العالم بمناسبة عيد الميلاد؟ لقد روت الصحف أنه جمع الصحفيين في صالة أنيقة بباريس عاصمة الثورات والحريات في الزمن الذي تم القضاء نهائيا على الرجعية الفاشية وغير الفاشية البغيضة، التي أتى القضاء فيها حتى على مرشال فرنسا الأعظم وجرده من جميع فضائل حياته لأنه تعاون مع الألمان المستبدين المعتدين الظالمين وفي الوقت الذي ظهرت فيه الجمهورية الرابعة الفتية، التي تتكون أكثريتها الساحقة من أهل اليسار المتطرفين في الحرية والعالمية، وفي الوقت الذي تذاع فيه إحصاءات عن ضحايا الحرب الاستعمارية الماضية أو القائمة، وتقدر بحوالي خمسين مليونا من زهرة شباب الدنيا الغض الطري. في هذا الجو الديمقراطي الرابع وفي هذا الوضع الإنساني قام جنرالكم العظيم بالإعلان عن نفسه بواسطة صاحبة الجلالة أنه داعية الاستعمار الدولي، وأنه حامي حمى القوي الطاغي على الضعيف المتواضع الحاني ولو كان ذلك الطاغي شيطانه الرجيم بالأمس ما دام يجتمع معه في مبدأ القهر والاستبداد، قام جنرالكم العظيم يدافع عن من؟ أخشى أن لا يصدقني الناس إذا زعمت أنه يدافع عن إيطاليا ولكن من غير قسم يا حضرة السفير، لقد كان ذلك مع الأسف العميق، ونشرته صحف الدنيا وها أنا ذا أنقل لكم نصه عن جريدة الكتلة الغراء عدد رقم 358 قال الجنرال العظيم غير الموفق:
والإيطاليون ثبتوا أقدامهم في طرابلس وبرقة، قبل الفاشيستية وأصلحوا منها الشيء الكثير، وسنحت لي الفرصة أن أشاهد الأعمال المهمة التي قاموا بها في
هذا القطر فهم عمروا أرضا كان من الصعب جدا تعميرها أو الاستفادة منها ولا أرى من العدالة في شيء حرمانهم منها وخصوصا أمامنا إيطاليا الجديدة التي تحرم حق الإنسان، وخصوصا الحق الطبيعي للسكان، وعليه لا أرى سبب يحرم إيطاليا من طرابلس وبرقة، هذه وجهة نظر الحكومة الفرنسية التي سبق أن أعلنتها، هذه هي باقة الزهور والريحان التي تفضل الجنرال باسم فرنسا الحرة الجديدة فقدمها إلى الإنسانية المعذبة في يوم عيد المسيح عليه السلام الذي قال فيه شاعرنا المسلم:
ولد الرفيق يوم مولد عيسى
…
والمروءات والهدى والحياء
لا وعيد، لا صولة، لا انتقام
…
لا حسام، لا غزوة، لا دماء
ملك جاور الأرض فلما
…
مل نابت عن الأرض الماء
يحاول الجنرال ديغول أن يبعث في الإيطاليين من جديد روح التغلب والاستعمار خشية أن تنسيبهم إياه صدمة الهزيمة، ومن سخرية القدر حقا أن يلتقي نداء الجنرال ديغول الحار المتين إلى الإيطاليين للتمسك بالاستعمار - بنداء أحر وأمتن، لعظم مسؤول من رجال إيطاليا الحاكمين للتخلي نهائيا عن الاستعمار وذلك الإيطالي العظيم هو السنيور بليرو رئيس الحزب الشيوعي ونائب رئيس الوزراء سابقا ووزير العدل الآن، أدلى بتصريح لجريده (بنتا) عن السياسة الاستعمارية جاء فيه:"ما الذي قدمته السياسة الإيطالية القديم منها والحديث، لأجل تحسين حال بلادنا" لا شيء. وما هي النتائج الحسنة التي نتجت عن احتلالنا لبعض هذه الأراضي المستعمرة؟ لا شيء إن فتوح الإمبراطورية الاستعمارية كبدت الشعب الإيطالي خلال ستين عاما مغامرات شاقة حملته قسطا كبيرا من الدخل الوطني كما أنها كبدت الإيطاليين فقد حريتهم مرتين منفصلتين ونحن كإيطاليين نفكر وننظر من الناحية الوطنية وبصفتنا شيوعيين لا نجيز الاستعمار إطلاقا؛ ثم قال الوزير الإيطالي: وتحتم العدالة أن يؤدي انهيار
إمبراطورية موسليني إلى انتقال الأراضي كلها التي خضعت لنير هذه الإمبراطورية إلى نوع من الحكم الذاتي فألبانيا يجب أن تكون للألبانيين والدوديكانيز يجب أن تكون للدولة التي يريدها أهلوها والأراضي الإفريقية يجب أن تحصل على نوع الحكم الذاتي، الذي يرغبه سكانه، ثم قال الوزير: وإيطاليا الديمقراطية تستطيع اليوم أن تكسب كل شيء ولا تخسر شيئا إذا هي أصبحت في طليعة العاملين على تحرير الشعوب المستعمرة هذا هو منطق الوزير الإيطالي ورأيه في مصير مستعمراتهم، وذلك منطق الوزير الفرنسي ورأيه في مصير مستعمرات غيرهم فالأول يقول أن العدالة تقتضي بأن يتخلى عن هذه المستعمرات، والثاني يرد عليه ربما عن غير قصد بأن العدالة تقضي أن يتمسكوا بها وباستعباد أهلها، والأول ينصب نفسه للدفاع عن حرية الشعوب والثاني ينصب نفسه للدعاية إلى استعبادها، والأول يرى أن كل الأسباب قائمة لحرمان إيطاليا منها فما أشقى المنطق المسكين في هذه الأيام.
يا حضرة السفير: لقد عودت نفسي أن أنصح لكم متطوعا أو متطفلا غير واثق كل الوثوق من أن تنال نصائحي منكم قبولا ولكنه خلق نشأت عليه وترعرعت في أحضانه لا أملك العدول عنه فأرجو أن توفق إلى تنبيه حكومتك إلى ما تنطوي عليه هذه الروح الرجعية العتيقة من خطر على سمعة مستقبلكم، لعلها تتدارك الأمر قبل الفوات. وبعد فما الذي دعا الجنرال ديجول إلى خوض هذا الغمار لمصلحة قوم كانوا بالأمس من ألد أعدائه، وضربوا أسوأ الأمثلة في الغدر ضد بلاده، ولم يشذ أحد من ذوي المروءات في الحكم على شناعة جريمة إيطاليا ضد الشعب الفرنسي في أشد محنته؟
ثم ما الذي دعاني أنا بالذات للرد عليه والتشنيع على صنيعه، وكان يكفيني الاحتجاج الصارخ الذي رفعه أعرق الناس في الحق على القيام بذلك، وهو الأمير