الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا هو الزلزال الحق
فرنسا تنصب في الجزائر
دكتاتورا وإلها للشر
ما كان أهل لبنان، يتوقعون أن تغضب عليهم الطبيعة مرة ثانية، بعد كارثة الفيضان، بنهر أبو علي، وشأن أهل لبنان، كشأن أكثر الناس حينما تغمرهم الغفلة، حتى يظنوا أنهم في منجاة من ابتلاء الله، والإنسان، من يوم عرف الحياة، وعرفته، مطبوع على الغفلة والنسيان، فلا يكاد يخرص رنين جرس النذير له حتى يأخذ طريقه من جديد، إلى مواطن الهلاك، ولا يكاد يرتفع سوط التأديب، من القدر، فوق ظهره، حتى ينسى السوط، وصاحب السوط، ثم يظن أنه قد أصبح وحده صاحب الأمر، والنهي في هذه المعمورة وأنه باق فيها إلى الأبد غير قابل للانتقال، وقد استفحل هذا الداء العياء، على بني البشر، فأظلمت نفوسهم، وتحجرت قلوبهم، واكتسبوا مناعة ضد كل العلاجات الروحية العادية، من وعظ وتذكير، العادية، وما أشبه الوعظ والإرشاد والتذكير.
لذلك اقتضت حكمة الله البالغة، أن يدخل في الأمر جنود الطبيعة القاتلة، كالفيضانات، والزلازل وغيرها، ومن يدري لعلنا غدا أو بعد غد، سنرى من آثار جنود الله، ما هو فوق الفيضان والزلزال، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وما هي إلا ذكرى للبشر.
ولقد كث من الذين عاصروا هذا الزلزال المتواضع، الذي فاجأ أرض لبنان، في ساعة من الليل والناس ما بين نائم ومتهيء للنوم، وقد أحسست بوطأته كما أحس به الناس، وأشد من الناس.
ومع ذلك فأنا أحس بزلزال آخر، ينزل في أرض عربية أخرى، أخطر وأشنع من زلزال لبنان، بأضعاف مضاعفة، هذا الزلزال الحقيقي الداهم، هو في الجزائر العربية الصابرة المكافحة، تتولاه قوى الشر الفرنسية الحاقدة، المتوحشة، ولا أحب أن أسود هنا بياضا في شرح تلك الزلازل البشرية بالتفصيل، وإنما قصدي اليوم فقط أن أضع بين يدي القارئ الكريم، هذه الصلاحيات، الاستثنائية، التي زودت فرنسا بها، وزيرها المقيم في الجزائر المسيو لاكوست، ولو أردنا أن نختصر الصفة، التي تعطيه له هذه الصلاحيات في كلمة واحدة لقلنا أنه "إله الشر".
لقد أصبح لاكوست، ممثل فرنسا في الجزائر، حاكما بأمره، وإلها للشر وحده، لا شريك له، ولكنه إله حقير، من جنس الذي يبول عليها الثعالب، ولقد ذل من بالت عليه الثعالب.
وهذه هي الصلاحيات، كما نشرتها الجريدة الرسمية، وقدمت لها بعض الصحف بالكلمة الآتية:
نشرت الجريدة الرسمية اليوم 19 - 3 - 56 نص القانون الذي وافق عليه البرلمان أخيرا، وقضى بمنح الحكومة الفرنسية، سلطات استثنائية لمعالجة المشكلة الجزائرية، مما جعل روبير لا كوست الوزير الفرنسي، المقيم في الجزائر، دكتاتورا فعليا، يتمتع بسلطات واسعة، تعطيه حق الحكم بالإعدام، على كل من يهرب من الجيش الفرنسي، وينضم إلى الثوار، ويزودهم بالأسلحة والذخيرة، وقد وصل الوزير إلى الجزائر، قادما من باريس، بهذه السلطات المختلفة:
1 -
الخطر الجزئي أو التام، لتنقل الأشخاص والسيارات والحيوانات في المناطق والأوقات التي تحددها الأوامر.
2 -
مراقبة تداول السلع المختلفة.
3 -
تنظيم أو حظر الصادرات والواردات والمبيعات، ونقل وتخزين السلع والخامات والحيوانات.
4 -
تحديد مناطق تقيد فيها تنقلات الأفراد، أو تمنع كلية.
5 -
إلزام كل من يأوي في منزله أشخاصا من غير أسرته، إبلاغ البوليس عنهم.
6 -
مراقبة كل من يدخل الجزائر، أو يخرج منها أو يقيم فيها، من الفرنسيين أو الأجانب، وإبعاد أي شخص يعرقل أوامر السلطات المختصة وأعمالها.
7 -
تحديد إقامة كل من يقوم بنشاط خطر على النظام، والأمن العام.
8 -
حظر الاجتماعات العامة أو الخاصة التي قد تثير الاضطرابات أو يطيل أمدها.
9 -
إغلاق دور السينما والمسارح والمطاعم والحوانيت وقاعات الاجتماعات إغلاقا مؤقتا.
10 -
التبليغ عن الأسلحة، والذخائر، والمفرقعات، والبحث عنها ومصادرتها.
11 -
تفتيش المنازل في أي وقت من أوقات الليل والنهار.
12 -
مراقبة جميع وسائل التعبير، وبخاصة الصحف وسائر المطبوعات الأخرى والمواصلات التليفونية والإذاعات اللاسلكية والحفلات السينمائية.
13 -
نقل أو وقف أو وضع تحت تصرف السلطات، أي شخص أو موظف رسمي يقوم بنشاط ضار بالنظام والأمن العام.
14 -
حظر وحل أية شركة أو جمعية أو هيئة يعرقل نشاطها النظام والأمن العام.
15 -
القيام بعمليات الاستيلاء والمصادرة.
16 -
تحديد التعويضات عن الخسائر التي تلحق بالممتلكات العامة أو الخاصة، نتيجة لأعمال الذين يساعدون الثوار أو يسهلون العناصر الثورية.
17 -
وقف إلى أجل غير مسمى، أي شخص رسمي منتخب، يعارض أي عمل من أعمال السلطات، وتأجيل أي انتخاب جزئي.
18 -
إنشاء مناطق تسند فيها مسؤواية صيانة الأمن العام إلى السلطات العسكرية التي تتولى بمقتضى ذلك السلطات البوليسية المدنية، وإعلان حالة الطوارئ.
19 -
يعاقب كل من يخالف هذه الإجراءات بالحبس من 8 أيام إلى سنتين، أو بغرامه قدرها يتراوح بين 5 آلاف ومليوني فرنك.
وبعد؛ فأي الكارثتين أعظم؟ وأي الزلزالين أضخم؟ أهذا الذي حصل في لبنان، ودام بضع ثوان معدودات، وكان بالناس رحيما؟ أم ذلك الذي ابتدأت هزاته العنيفة، منذ سنة ونصف في الجزائر، وما تزال وطأته تشتد ساعة بعد ساعة، منذ ذلك اليوم، على أمة بأجمعها ووطن بأكمله، حتى نصبوا له اليوم، إلها، وزودوه بهذه الصلاحيات، ثم أوصوه وأعوانه، بالجرائري المسكين، وقالوا لهم:
خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالإستعمار العظيم، ولا يحض على قتل المسكين، فليس له اليوم هاهنا حميم، ولا طعام إلا من غسلين، ثم ماذا؟
إن زلزال لبنان الذي عاش في أرضه بضع ثوان، قد اهتزت له الدنيا، وقامت له رحمة أهلها - بحمد الله - ولم تقعد حتى الآن، فما تخلف عن مواساته عربي ولا عجمي، ولا أسمر ولا أبيض، ولا مسلم ولا مسيحي، ولا ديمقراطي ولا شيوعي، إلا وساهم بأكرم ما يواسي الإنسان به أخاه الإنسان، ماديا وأدبيا، فلقد مرت على أسماعنا وأبصارنا، أرقام التبرعات، وكان فيها المليون، والمائة ألف، وما دون ذلك، ولقد مرت علينا في الصحف والمجلات، قصائد ومقالات تعد من عيون البيان، ومن أرق ما قيل في الرثاء والعزاء، والتحريض على النجدة، أن هذه الأمواج التي غمرت منكوبي الزلزال في لبنان بالعطف والتقدير، لجديرة بأن تنسيهم هول النكبة، وتخفف عليهم آلامها، ثم