الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فنحن الآن أمام الوقوف تجاه القوانين، فالواجب أن يبقى كل شيء كما كان، لا تغير من أمورنا الماضية شيئا، لا فرق بين الأعمال والأشخاص والقوانين، حتى نتمكن من الظروف الصالحة، ويومئذ يعاد الانتخاب، فهل أنتم موافقون؟
نعم نحن موافقون
…
وختاما أسأل الله أن يشفي العالم من داء الاستعمار، وأن ينزل على بلاده وعباده نعمة الحرية، والعيش في ظلال السلام والحق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
العربي التبسي
كتاب مفتوح من الورتلاني
إلى رئيس حكومة فرنسا "جي موليه
"
جريدة بيروت المساء 26 و27 فيفري 1956 والمنار الدمشقية
دولة الرئيس تحية واحتراما وبعد؛
لعله من حسن حظ فرنسا، قبل مستعمراتها وضحاياها، أن اختارتكم الأقدار لقيادة سفينتها أثناء هذه الأمواج المتلاطمة من بحر سياستها الداخلية والخارجية. وأنكم لتستطيعون أن تسجلوا أكبر كسب لفرنسا، وأخلد نصر لعقلها على شهوتها، إذا استطعتم أن تكونوا أمناء لإشتراكيتكم الإنسانية، ولشبابكم الغض الطري، وإنكم لتعلمون بأن مجيئكم إلى الرياسة في هذه الظروف الدقيقة بالذات، لم يكن من الصدف العابرة، ولكنه كان نتيجة استفتاء استثنائي خاص، قد خاضه الشعب الفرنسي الحر في اندفاع وحماسة، ليعبر فيه عن رأيه وإرادته في أخطر ما تواجهه حكومته المقبلة من البت في عويص الأمور، ودقيق
المشاكل، وقد كان على رأس قائمة المشاكل الخطيرة، التي قصدها الإستفتاء علنا، هي قضية الجزائر ومستقبلها، وحالة الحرب القائمة فيها، وقد تكون هذه القضية هي وحدها السبب الحقيقي والمباشر لحل المجلس القديم والإتيان بالمجلس الجديد، وبأكثريته المعروفة بميولها التحريرية والسليمة، ثم المجيء بكم في التالي لرئاسة الحكومة.
وعليه فإني كجزائري حر، كرس حياته لخدمة هذه الأمة المظلومة، وقضى زهرة شبابه في بناء نهضتها، وكمغربي عارف بما في المغرب العربي كله، ومؤمن بوجوب وحدته المقدسة. ثم إني كإنسان مؤمن بالمثل العليا، ومحب لخير الإنسانية جميعا، التي منها الشعب الإفرنسي العريق، أتقدم من أجل ذلك كله إلى دولتكم بهذا الكتاب المفتوح، راجيا أن يصادف ما فيه من حق ثقيل، كل قبول واهتمام عندكم، لأنكم إنما دعيتم إلى هذا المنصب، خصيصا لأجل إحقاق الحق مهما كان ثقيلا على بعض النفوس المريضة، مرضا مزمنا، ولأنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى إسعاد أمتنا وأمتكم معا. وإني أبين لكم ناصحا ومنذرا ومعذرا، القواعد الأساسية، والحلول الضرورية، التي يمكن أن تحل قضية الجزائر، والمغرب العربي الحل السليم الدائم إلا على ضوئها، وإنه ليغشكم كل من يزعم لكم، بأن نظام الاستعمار، يمكن أن يعيش بعد اليوم في تلك الديار، وأن أسلوب اللف والدوران، أو تسديد حقوق الشعوب بالألفاظ الجميلة، والعبارات المنمقة والوعود المعسولة، هي بضاعة ما يزال يمكن الاعتماد عليها في صرف الناس عن حقوقهم، أو نسيانها، وقد يغشكم بذلك حتى بعض الجزائريين والمغاربة، تحت ضغط أي مؤثر عارض، ومن الزبد سيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وأنه لمن تمام الحزم والجرأة، أن تجعلوا في حسابكم أمرين مهمين جدا.
الأمر الأول - هو أن الشعب الفرنسي الذي طالما غرر به تجار الحروب والدماء، قد أدركه الوعي، ولم يعد مستعدا لبذل العرق والدم في سبيل مئتي أسرة استغلالية في فرنسا ومثلها في الجزائر، وأكبر آية على ذلك، هو بداية تمرد الجنود على القتال ضد طالبي الحرية في المستعمرات عامة، وفي الجزائر بصفة خاصة، ثم انتصار رسالة (بوجاد) الذي يدعو علنا إلى الامتناع عن دفع الضرائب. والمعلوم عند الخاص والعام، أن الدولة التي لا يطيعها جيشها، ويمتنع عن تمويل الخزينة شعبها، لهي دولة مفلسة لا محالة، والشعب الفرنسي الواعي لا يقبل بإفلاس دولته، إرضاء لشهوات طائفة من المستعمرين المجرمين.
الأمر الثاني - هو أن الشعب الجزائري، قد أصابه اليأس نهائيا من استعمال أساليب المنطق والسلم مع المستعمرين، لأنه قد جربهما معهم طيلة قرن وربع، فلم يصدقوا معه مرة واحدة، وأن روح الفداء في هذا الشعب قد أصبحت عامة، فشملت الذكور والإناث من جميع الطبقات، وإن كان مجاهد فيه يقتله رصاص الاستعمار، إنما ينقل فيه العدوى والحمية إلى ألف من الرجال والنساء، وأنه في الوقت نفسه، مستعد ليتعاون مع أسوأ المذاهب في العالم، وأن يتعاهد حتى مع (الشيطان) إذا لم يكن سوى ذلك وسيلة لحريته واستقلاله، وإني قبل أن أعرض لتفاصيل الحلول التي أنوي اقتراحها، أرى من واجبي أن أنصح لكم بسلوك طريق النبل والكرم مع هذه البلاد، وذلك إذا نظرتم بعيدا في مصلحة فرنسا قبل مصلحتها.
لأن الجزائر كغيرها من شعوب الأرض العريقة الواعية، هي واصلة إلى حريتها واستقلالها لا محالة، أحب الناس أم كرهوا، أتم ذلك اليوم، أم بعد أشهر، أم بعد أعوام، وما دامت النهاية واحدة، فمن المصلحة إذن، أن تصطنعوا مع هذه البلاد أجدر الأساليب بإرضائها في تصفية علاقاتكم معها، حتى تكسبوا في المستقبل صداقتها، إذ ليست صداقة ثلاثين مليونا من أعرق الناس في الحضارة، ومن أشهرهم في الشجاعة، ويملكون أوسع مساحة من الأرض وأغناها وأمنعها، وهي أقرب ما يكون بأرضكم في الجوار، ولهم أخوة في الجنس يقدرون بثمانين مليونا، وأخوة في الدين يقدرون بستمائة مليون، ليست صداقة