الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثّالث: حجِّيَّة خبر الآحاد في العقائد
لهذا المبحث صلة وثيقة بموضوع أشراط السّاعة، ذلك أن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد
(1)
، وقد ذهب بعض أهل الكلام
(2)
(1)
ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى متواتر وآحاد.
أ - فالمتواتر: هوما رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة توطؤهم على الكذب من أول السند إلى آخره.
ب - الآحاد: هو ما سوى المتواتر.
انظر: "تقريب النووي"(2/ 176 - مع تدريب الراوي)، و "قواعد التحديث"(ص 146) للقاسمي، و "تيسير مصطلح الحديث"(ص 18 - 21) للدكتور محمود الطحان.
(2)
كالمعتزلة ومَن تابعهم من المتأخرين؛ كالشيخ محمّد عبده، ومحمود شلتوت، وأحمد شلبي، وعبدالكريم عثمان، وغيرهم.
انظر: "الفرق بين الفرق"(ص 180) تحقيق محيي الدين عبدالحميد، و"فتح الباري"(13/ 233)، وكتاب "قاضي القضاة عبدالجبار الهمذاني"(ص 88 - 90) للدكتور عبدالكريم عثمان، و"رسالة التّوحيد"(ص 202) للشيخ محمّد عبده، تصحيح محمّد رشيد رضا. وانظر:"موقف المعتزلة من السنة النبوية"(ص 92 - 93) لأبي لبابة حسين، وكتاب "المسيحية: مقارنة الأديان" (ص 44) للدكتور أحمد شلبي. وانظر: "الفتاوى" للشيخ محمود شلتوت- قال في (ص 62): "وقد أجمع العلماء على أن أحاديث =
والأصوليين
(1)
إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة، وإنّما تثبت بالدَّليل القطعي؛ آية أو حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا القولُ مردودٌ؛ فإن الحديث إذا ثبتت صحَّته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح؛ فإنّه يجب الإِيمان به، وتصديقه، سواء كان خبرًا متواترًا، أو آحادًا، وإنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلفنا الصالح؛ انطلاقًا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)} [الأحزاب: 36].
وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (32)} [آل عمران: 32]:
قال ابن حجر رحمه الله: "قَدْ شاعَ فاشِيًا عملُ الصَّحابة والتَّابعين بخبر الواحد؛ مِن غير نكيرٍ، فاقتضى الاتَّفاق منهم على القَبول"
(2)
.
وقالَ ابن أبي العز: "خبر الواحد إذا تلقَّته الأمة بالقبول، عملًا به، وتصديقًا له؛ يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمَّة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع"
(3)
.
= الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيَّبات"!! -. وأنظر كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" (ص 53). وانظر كتاب "المسيح في: القرآن، التوراة، والإِنجيل" (ص 539) لعبد الكريم الخطيب.
(1)
انظر: "شرح الكوكب المنير في أصول الفقه"(2/ 350 - 352) للعلّامة محمّد بن أحمد بن عبد العزيز الحنبلي، تحقيق د. محمّد الزميلي، ود. نزيه حمَّاد.
(2)
"فتح الباري"(13/ 234).
(3)
"شرح العقيدة الطحاوية"، لعلّي بن علي بن أبي العز الحنفي، (ص 399 - 400)، حققها جماعة من العلماء، وخرَج أحاديثها الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع =
وسأل رجلٌ الإمام الشّافعيّ عن مسألة؟ فقال: "قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا". فقال رجلٌ للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: "سبحان الله! أتراني في بيعة؟! تراني على وسطي زنَّار؟! أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! "
(1)
.
وقال الشّافعيُّ أيضًا: "متى رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا صحيحًا فلم آخذ به؛ فأُشْهِدُكُم أن عقلي قد ذهب"
(2)
.
فلم يفرَّق بين خبر الواحد والخبر المتواتر، ولم يفرِّق بين ما كان إخبارًا بعقيدة وما كان إخبارًا بأمر عمليٍّ، وإنّما المدار كله على صحة الحديث.
وقال الإمام أحمد: "كلّ ما جاء عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بإسناد جيِّد؛ أقررنا به، وإذا لم نقرَّ بما جاء به الرسول، ودفعناه، ورددناهُ؛ رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7)} [الحشر: 7]
(3)
.
= المكتب الإِسلامي، ط. الرّابعة، (1391 هـ)، بيروت.
(1)
"مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطِّلة"(2/ 350)، لابن القيم، اختصره الشّيخ محمّد بن الموصلّي، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء بالرياض.
وانظر: "الرسالة" للإِمام الشّافعيّ (ص 401)، تحقيق: أحمد شاكر، مطابع المختار الإِسلامية، المطبعة الثّانية، (1399 هـ)، وأنظر:"شرح الطحاوية"(ص 399) لابن أبي العز.
(2)
"مختصر الصواعق"(2/ 350).
(3)
"إتحاف الجماعة"(1/ 4).
فلم يشترط الإمام أحمد إِلَّا صحَّة الخبر.
وقال ابن تيمية: "السنة إذا ثبتت؛ فإن المسلمين كلهم متَّفقون على وجوب اتِّباعها"
(1)
.
وقال ابن القيم في ردَّه على من ينكر حجِّية خبر الواحد: "ومن هذا إخبار الصّحابة بعضهم بعضًا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدِّث به أحدُهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل أحدٌ منهم لمَن حدَّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خبرُك خبرُ واحدٍ لا يفيد العلم حتّى يتواتر
…
وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفات؛ تلقَّاه بالقبول، واعتقد تلك الصِّفَة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الّذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، وضحكه، وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له؛ مَنْ سمع هذه الأحاديث ممَّن حدَّث بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرَّد سماعها من العدل الصادق، ولم يَرْتَب فيها.
حتّى إنهم ربَّما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام
…
ولم يطلب احد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات ألبتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها؛ مِن المخبر لهم بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَن له أدنى إلمامٌ بالسُّنَّة والتفات إليها؛ يعلم
(1)
"مجموع الفتاوى"(19/ 85) لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبدالرّحمن بن قاسم العاصمي النجدي، تصوير المطبعة الأولى، (1398 هـ)، مطابع الدَّار العربيّة، بيروت.
ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك؛ لذكرنا أكثر من مئة موضع.
فهذا الذيَ اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقوا به إجماع الصّحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء.
وإلا؛ فلا يُعْرَف لهم سلفٌ من الأئمة بذلك، بل صرَّح الأئمَّة بخلاف قولهم؛ ممَّن نصّ على أن خبر الواحد يفيد العلم- مالك، والشّافعيّ، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه؛ كأبي محمّد بن حزم"
(1)
.
وأمّا ما عَرَض للمنكرين لحجَيَّة خبر الواحد من شبهة
(2)
، وهي أن خبر الآحاد يفيد الظن، ويعنون به الظنَّ الراجح لجواز خطإ الواحد، أو غفلته، أو نسيانه، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتِّفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في المسائل الاعتقادية.
ويستدلُّون على ذلك ببعض الآيات الّتي تنهى عن اتِّباع الظنِّ؛ كَقوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)} [النجم: 28].
فالجواب عن هذه الشبهة أن احتجاجهم بهذه الآية وأمثالها مردودٌ؛
(1)
"مختصر الصواعق"(2/ 361 - 362).
(2)
انظر: رسالة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين"(ص 6 - 7) للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع دار العلم، بنها، مصر.
لأنّ الظنَّ هنا ليس هو الظن الغالب الّذي عنوه، وإنّما هو الشك والكذب والخرص والتخمين؛ فقد جاء في "النهاية" و"اللسان" وغيرهما من كتب اللُّغة:"الظنُّ: الشكُّ يعرض لك في شيء، فتحقَّقهُ، وتحكم به"
(1)
.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ (28)} [النجم: 28]؛ أي: ليس لهم علمٌ صحيح يصدِّق ما قالوه، بل هو كذبٌ وزورٌ وافتراءٌ وكفرٌ شنيعٌ، {لْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)} [النجم:28]؛ أي: لا يُجدي شيئًا، وَلا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصّحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث)
(2)
"
(3)
.
فالشك والكذب هو الظنُّ الّذي ذمَّه الله تعالى، ونعاه على المشركين، ويؤيَّد ذلك قوله تعالى:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام: 116]، فوصفهم بالظنَ والخرص الّذي هو مجرَّد الحزر والتَّخمين، وإذا كان الخرص والتَّخمين هو الظن؛ فإنّه لا يجوز الأخذ به في الأحكام
(4)
؛ لأنّ الأحكام لا تُبنى على الشك والتخمين.
وأمّا ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه؛ فهو مدفوعٌ بما يُشترط في خبر الواحد؛ من كون كلّ من الرواة ثقةً ضابطًا، فمع صحة الحديث
(1)
انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر"(3/ 162 - 163).
(2)
"صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس، (16/ 118 - مع شرح النووي).
(3)
"تفسير ابن كثير"(7/ 434).
(4)
أنظر: "العقيدة في الله"(ص 48 - 49) لعمر سليمان الأشقر، طبع دار النفائس بيروت، نشر مكتبة الفلاح الكويت، الطبعة الثّانية، 1979 م.