الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
سدُّ يأجوج ومأجوج:
بني ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج؛ ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم.
كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 94 - 95].
لهذا ما جاء في الكلام علي بناء السد، أمّا مكانه؛ ففي جهة المشرق
(1)
؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [الكهف: 90].
ولا يُعْرَف مكان هذا السد بالتحديد، وقد حاول بعض الملوك
= التّرمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". وسنن ابن ماجه، كتاب الفتن، (2/ 1364 - 1365)(ح 4080)، تحقيق الشّيخ محمّد فؤاد عبد الباقي.
ورواه الحاكم في "المستدرك"(4/ 488)، وقال فيه:"حديث صحيح على شرط الصحيحين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وقال الحافظ في "الفتح"(13/ 109): "رجاله رجال الصّحيح؛ إِلَّا أن قتادة مدلس".
ولكن جاء في رواية ابن ماجه أن قتادة صرح بالسماع من شيخه أبي رافع.
وصححه أيضًا الألباني في "صحيح الجامع الصغير"(2/ 265 - 265)(ح 2272).
(1)
انظر: "تفسير ابن كثير"(5/ 191).
والمؤرخين أن يتعرَّفوا على مكانه، ومن ذلك "أن الخليفة الواثق
(1)
بعث بعض أمرائه يتَّجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد، ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنّهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفالٌ عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعسل في برج هناك، وأن عنده حراسًا من الملوك المتاخمة له، وأنّه منيفٌ شاهقٌ، لا يُستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثمّ رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب"
(2)
.
وهذه القصة ذكرها ابن كثير رحمه الله في التفسير، ولم يذكر لها سندًا، فالله أعلم بصحة ذلك.
والذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بُني بين جبلين؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} ، والسدان: هما جبلان متقابلان. ثمّ قال: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} ؛ أي: حاذى به رؤوس الجبلين
(3)
، وذلك بزبر الحديد، ثمّ أفرغ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدًّا محكمًا.
قال الإِمام البخاريّ: "قال رجلٌ للنبي- صلى الله عليه وسلم: رأيتُ السَّدَّ من البرد
(1)
هو الخليفة العباسي هارون بن محمّد المعتصم بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة سنة ست وعشرين، وتوفي سنة (232 هـ) بطريق مكّة وهو ابن ست وثلاثين سنة.
انظر: "البداية والنهاية"(10/ 308).
(2)
"تفسير ابن كثير"(5/ 193).
(3)
انظر: "تفسير ابن كثير"(5/ 191 - 192).
المحبر. قال: قد رأيته"
(1)
.
وقال سيد قطب: "كُشِف سدٌّ بمقربة من مدينة (ترمذ)
(2)
، عُرف - (باب الحديد)، قد مرَّ به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجَّله في كتابه، وكذلك ذكره المؤرِّخ الأسباني (كلا فيجو) في رحلته سنة (1403 م)، وقال: سد مدينة باب الحديد على الطريق سمرقند والهند
…
وقد يكون هو السد الّذي بناه ذو القرنين"
(3)
.
قلت: ولعلَّ هذا السد هو السور المحيط بمدينة (ترمذ)، الّذي ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وليس هو سد ذي القرنين.
وأيضًا؛ فإنّه لا يعنينا في هذا البحث تحديد مكان السد، بل نقف عند ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو أن سدَّ يأجوج ومأجوج موجودٌ إلى أن يأتي الوقت المحدَّد لدَكِّ هذا السد، وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دُنو السّاعة؛ كما قال تعالى:{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف: 98 - 99]
(1)
رواه البخاريّ معلقًا في "صحيحه"، في باب قصة يأجوج ومأجوج، (6/ 381 - مع الفتح).
(2)
(ترمذ): قال ياقوت "مدينة مشهورة من أمهات المدن، راكبة على نهر جيحون، من جانبه الشرقي، يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وممن ينسب إليها الإِمام أبو عيسى التّرمذيّ صاحب "الجامع الصّحيح" و"العلل". "معجم البلدان" (2/ 26 - 27).
(3)
"تفسير الظلال"(4/ 2293)، وانظر: كتاب "أشراط السّاعة وأسرارها"(ص 75) لمحمد سلامة جبر، طبع شركة الشعاع، الكويت، ط. الأولى، (1401 هـ).
والذي يدلُّ على أن هذا السدَّ موجود لم يندكَّ ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في السد؛ قال: "يحفرونه كلّ يوم حتّى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الّذي عليهم: ارجِعوا، فستخرقونه غدًا. قال: فيعيده الله عز وجل كأشدَّ ما كان، حتّى إذا بلغوا مدَّتَهم، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على النَّاس؛ قال الّذي عليهم: ارْجِعُوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى. قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم"
(1)
.
والذي جاء في حديث "الصحيحين" -كما سبق- أنّه فُتحَ منه جزءٌ يسير، ففزع من ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
ويرى الأستاذ سيد قطب رحمه الله من باب الترجيح لا من باب اليقين أن وعد الله بدكِّ السَّدَّ قد وقع، وأنّه قد خرج يأجوج ومأجوج، وهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، ودمَّروا الممالك الإِسلامية، وعاثوا في الأرض فسادًا
(2)
.
وفي هؤلاء التتار يقول القرطبي: "وقد خرج منهم - أي: الترك - في هذا الوقت أممٌ لا يحصيهم إِلَّا الله تعالى، ولا يردُّهم عن المسلمين إِلَّا الله تعالى، حتّى كأنّهم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمتهم"
(3)
.
وكان ظهور هؤلاء التتار في زمن القرطبي، وسمع عنهم ما سمع من
(1)
رواه التّرمذيّ واين ماجه والحاكم، ومر تخريجه قريبًا، وهو صحيح، انظر (ص 359).
(2)
انظر: "في ظلال القرآن"(4/ 2293 - 2294).
(3)
"تفسير القرطبي"(11/ 58).
الفساد والقتل، فظنَّهُم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمَتَهُم.
والكن الّذي هو من أشراط السّاعة الكبرى - وهو خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان - لم يقع بعد؛ لأنّ الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى عليه السلام، وأنّه هو الّذي يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ يرميهم في البحر، ويريح البلاد والعباد من شرهم.