الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في مستقبل قريبٍ أو بعيدٍ يعلمه الله عز وجل، وهو الفتح الصّحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الّذي أعرضوا عنه، وأمّا فتح الترك الّذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنّه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثمّ هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنّها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإِسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإِسلامي لها إن شاء الله كما بشَّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم"
(1)
.
53 - خروج القحطاني:
في آخر الزّمان يخرج رجلٌ من قحطان، تدين له النَّاس بالطاعة، وتجتمع عليه، وذلك عند تغيُّر الزّمان، ولهذا ذكره الإِمام البخاريّ في باب تغير الزّمان.
روى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه"
(2)
.
قال القرطبي. "قوله: "يسوق النَّاس بعصاه" كنايةٌ عن استقامة
(1)
حاشية "عمدة التفسير عن ابن كثير"(2/ 256)، اختصار وتحقيق الشّيخ أحمد شاكر.
(2)
"مسند أحمد"(18/ 103)(ح 9395)، شرح احمد شاكر، أتمه وأكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم. و"صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تُعْبَد الأوثان، (13/ 76 - مع الفتح)، و"صحيح مسلم" كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (18/ 36 - مع شرح النووي).
النَّاس، وانعقادهم إليه، واتفاقهم عليه، ولم يُرِد نفس العصا، وإنّما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إِلَّا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم"
(1)
.
قلت: نعم؛ سوقه النَّاس بعصاه كنايةٌ عن طاعة النَّاس له، ورضوخهم لأمره؛ إِلَّا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنّما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجلٌ صالحٌ، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر عن نُعيم بن حماد
(2)
أنّه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنّه ذكر الخلفاء، ثمّ قال:"ورجلٌ من قحطان".
وأيضًا ما أخرجه بسند جيِّد عن ابن عبّاس أنّه قال فيه: "ورجلٌ من قحطان، كلهم صالح"
(3)
.
(1)
"التذكرة"(ص 635).
(2)
نعيم بن حماد الخزاعي، من الحفاظ الكبار، روى عنه البخاريّ مقرونًا، وروى له مسلم في المقدِّمة، وأصحاب السنن إِلَّا النسائي، وثقه الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم:"صدوق"، وضعفه النسائي، وقال الذهبي:"أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه"، وقال ابن حجر:"صدوق يخطىء كثيرا"، ونقل الذهبي عن نعيم أنّه قال:"كنت جهميًّا، فلذلك عرفت كلامهم فلما طلبت الحديث علمتُ أن مآلهم إلى التعطيل"، توفي سنة (228 هـ) رحمه الله.
انظر: "تذكرة الحفاظ"(2/ 418 - 420)، و "ميزان الاعتدال"(4/ 267 - 270)، و "تهذيب التهذيب"(10/ 458 - 463)، و "تقريب التهذيب"(2/ 305)، و "هدي الساري مقدمة فتح الباري"(ص 447)، و "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال"(ص 403).
(3)
"فتح الباري"(6/ 535).
ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية رضي الله عنه، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاريّ
(1)
.
وإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية رضي الله عنه لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله:"ما أقاموا الدين"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم
(2)
.
ولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه
(3)
؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه
(4)
، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.
(1)
"صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، (6/ 532 - 533).
(2)
انظر: "فتح الباري"(13/ 115).
(3)
خلافًا للقرطبي، فإنّه قال في "التذكرة" (ص 636):"ولعلّ هذا الرَّجل القحطاني هو الرَّجل الّذي يقال له الجهجاه".
(4)
انظر: "فتح الباري"(6/ 545 و 13/ 78).