الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال صلى الله عليه وسلم: لا فتنة أعظم من فتنة الدَّجَّال"
(1)
.
*
الوقاية من فتنة الدَّجَّال:
أرشد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدَّجَّال، فقد ترك أمَّته على المحجَّة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إِلَّا هالك، فلم يدع صلى الله عليه وسلم خيرًا إِلَّا دلَّ أمَّته عليه، ولا شرًّا إِلَّا حذَّرها منه، ومن جملة ما حذَّر منه فتنة المسيح الدَّجَّال؛ لأنّها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام السّاعة، وكان كلّ نبيٍّ ينذر أمته الأعور الدَّجَّال، واختص محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بزيادة التَّحذير والإِنذار، وقد بيَّن الله له كثيرًا من صفات الدَّجَّال؛ ليحذر أمته؛ فإنَّه خارجُ في هذه الأمة لا محالة؛ لأنّها آخر الأمم، ومحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم خاتم النبيِّين.
وهذه بعض الإِرشادات النبويَّة الّتي أرشد إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمته؛ لتنجو من هذه الفتنة العظيمة الّتي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:
1 -
التمسُّك بالإِسلام، والتسلّح بسلاح الإِيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى الّتي لا يشاركه فيها أحدٌ، فيعلم أنَّ الدَّجَّال بشرٌ يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزَّه عن ذلك، وأن الدَّجَّال أعور، والله ليس بأعور، وأنّه لا أحد يرى ربه حتّى يموت، والدَّجَّال يراه النَّاس عند خروجه؛ مؤمنهم وكافرهم.
2 -
التعوُّذ من فتنة الدَّجَّال، وخاصة في الصّلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة:
(1)
"فتح الباري"(13/ 103).
فمنها ما رواه الشيحان والنسائيُّ عن عائشة زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصّلاة: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال
…
الحديث"
(1)
.
وروى البخاريّ عن مُصْعَب
(2)
؛ قال: كان سعدٌ يأمر بخمس ويذكرهنَّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يأمر بهن
…
(منها:)"وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا (يعني: فتنة الدَّجَّال) "
(3)
.
"وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أن فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن الواقعة في الدُّنيا"
(4)
.
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تشهَّد أحدُكُم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدَّجَّال"
(5)
.
(1)
"صحيح البخاريّ"، كتاب الأذان، باب الدُّعاء قبل السّلام، (2/ 317 - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (5/ 87 - مع شرح النووي).
(2)
هو مُصْعَب بن سعد بن أبي وقّاص. انظر: "فتح الباري"(11/ 175).
(3)
"صحيح البخاريّ"، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر، (11/ 174 - مع الفتح).
(4)
"فتح الباري"(11/ 179).
(5)
"صحيح مسلم"، كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب التعوُّذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (5/ 87 - مع شرح النووي).
وكان الإِمام طاوس
(1)
يأمر ابنه بإعادة الصّلاة إذا لم يقرأ بهذا الدُّعاء في صلاته
(2)
.
وهذا دليلٌ على حرص السلف على تعليم أبنائهم لهذا الدُّعاء العظيم.
قال السفاريني: "ممّا ينبغي لكل عالم أن يبثَّ أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرجال
…
وقد ورد أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر
(3)
".
إلى أن قال: "ولا سيما في زماننا هذا الّذي اشرأبَّت فيه الفتن، وكَثُرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرعٌ يُتَّبع، ولا حول ولا قوَّة إِلَّا بالله العلّي العظيم"
(4)
.
(1)
هو الإِمام طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرّحمن، من كبار التابعين، أدرك خمسين من الصّحابة، وحج أربعين حجة، وكان مستجاب الدّعوة، قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاوس في زمانه، والثوري في زمانه. توفي سنة ست ومئة رحمه الله.
انظر: "تهذيب التهذيب"(5/ 8 - 10).
(2)
انظر: "صحيح مسلم"، كتاب المساجد، باب التعوذ من عذاب القبر، (5/ 89 - مع شرح النووي).
(3)
ورد في ذلك حديث صححه الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن الصعب بن جثامة؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يخرج الدجال حتّى يذهل النَّاس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر".
انظر: "مجمع الزوائد ومنبع الفوائدة (7/ 335).
(4)
"لوامع الأنوار البهية"(2/ 106 - 107).
3 -
حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النوَّاس بن سمعان الطويل
…
(وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:)"من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف"
(1)
.
وروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عُصِمَ من الدَّجال"؛ أي: من فتنته.
قال مسلم: "قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف"
(2)
.
قال النوويّ: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمَن تدبَّرَها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا} [الكهف: 102] "
(3)
.
وهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.
(1)
"صحيح مسلم"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجَّال، (18/ 65 - مع شرح النووي).
(2)
"صحيح مسلم"، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، (6/ 92 - 93 - مع شرح النووي).
(3)
"شرح النووي لمسلم"(6/ 93).
روى الحاكم عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين"
(1)
.
ولا شكَّ أن سورة الكهف لها شأنٌ عظيمٌ، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسدِّ العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصُّور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنّهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.
فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشّمس، وهو يوم الجمعة.
4 -
الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكّة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة الّتي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنّه يأتيه الرَّجل وهو يظن في نفسه الإِيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.
(1)
"مستدرك الحاكم"(2/ 368)، وقال:"هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه".
وقال الذهبي: "نعيم (أي: ابن حماد) ذو مناكير".
وقال الألباني: "صحيح". "صحيح الجامع الصغير"(5/ 340)(ح 6346).