الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
روى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدَّهماء
(1)
؛ قال: سمعتُ عمران بن حُصين يحدِّث، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأَ عنه، فوالله إن الرَّجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن، فيتبعه ممّا يبعث به من الشُّبهات، أو لما يبعث به من الشبهات"
(2)
.
*
ذكر الدَّجَّال في القرآن:
تساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصّلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة، منها:
1 -
أنّه مذكورٌ ضمن الآيات الّتي ذُكِرَت في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].
وهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.
(1)
هو قرفة بن بهيس العدوي البصري، تابعي، ثقة، روى عن بعض الصّحابة؛ كعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وغيرهما.
انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب"(8/ 369).
(2)
"الفتح الرِّبَاني"(24/ 74)، و"سنن أبي داود"(11/ 242 - مع عون المعبود)، و"مستدرك الحاكم"(4/ 531).
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي.
والحديث صححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير"(5/ 303)(ح 6177).
فقد روى مسلمٌ والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ أوكسبت في إيمانِها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض"
(1)
.
2 -
أن القرآن ذكر نزول عيسى عليه السلام، وعيسى هو الّذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح الهُدى عن ذكر مسيح الضَّلالة، وعادة العرب أنّها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر.
3 -
أنّه مذكورٌ في قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض.
قال أبو العالية
(2)
: "أيَ أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود"
(3)
.
قال ابن حجر: "وهذا -إن ثبت- أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفَّل النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببيانه، والعلّم عند الله"
(4)
.
(1)
"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (2/ 195 - مع الفتح)، و"جامع التّرمذيّ في تحفة الأحوذي"(8/ 449).
(2)
هو رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري من كبار التابعين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وروى عن كثير من الصّحابة رضي الله عنهم، وتوفي سنة (90 هـ).
انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب"(3/ 284 - 285).
(3)
"تفسير القرطبي"(15/ 325).
(4)
"فتح الباري"(13/ 92).
4 -
أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنّه؛ لأنّه يدَّعي الرُّبوبية وهو بشرٌ ينافي حاله جلال الرَّبَّ وعظمته وكماله وكبرياءه وتنزُّهه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يُذْكَرَ، ومع هذا حذَّرت الأنبياء منه، وبيَّنت خطره وفتنته، كما سبق أن كلّ نبيٍّ أنذر أمته منه، وحذَّرها من فتنته.
فإن اعتُرِض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادَّعى الرُّبوبية والألوهيَّة، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذُكِر عبرة للناس وعظمة، وأمّا أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزّمان، فتُرِك ذكره امتحانًا به، مع أن ادِّعاءه الرُّبوبية أظهر من أن يُنَبَّهَ على بطلانه؛ لأنَّ الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذَّم، أحقر وأصغر من المقام الّذي يدَّعيه، فترك الله ذكره؛ لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إِلَّا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الّذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه:"والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم"
(1)
.
وقد يُترَك ذكرُ الشيء لوضوحه؛ كما ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلم في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصدِّيق رضي الله عنه لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصّحابة رضي الله عنهم، ولذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم:"يأبى الله والمؤمنون إِلَّا أبا بكر"
(2)
.
(1)
"صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، (13/ 101 - مع الفتح).
(2)
"صحيح مسلم"، كتاب الفضائل، باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، (15/ 155 - مع شرح النووي).