الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعض فرسان قريش يشعرون بسكون يسبق إعصارًا مدمرًا .. يشعرون بسكون مخيف مقلق وتحركات يجهلون هدفها بعد جريمة ارتكبها بعضهم تستحق انتقامًا فظيعًا مجهول التاريخ .. كان ليل مكة مخيفًا وكأن الجن تطل عليها من رؤوس جبالها وكأن تلك النجوم بريق عيون غيلان ووحوش .. لم يطق بعضهم هذا الجو الخانق فهرب يبحث عن محمَّد الذي لا ينضب عفوه ولا تنقطع أمطار تسامحه.
أبو سفيان يهرب من مكة المختنقة
إلى أجواء أكثر رحابة .. لكنه ليس أبا سفيان بن حرب والد معاوية وزوج هند بنت عتبة .. إنه أبو سفيان بن الحارث وهو ابن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم: الحارث بن عبد المطلب .. وبصحبته ابن له صغير ومعه أيضًا ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم واسمه: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وخرج آخرون لتنقيب الأرض بحثًا عن شيء يريح هذه الأنفس والأرواح المتعبة وكأن حجارة ستهوي عليهم من السماء أو بركانًا ينفجر من تحت أقدامها وذلك عندما "نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ولا يدرون ما هو فاعل خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتحسسون وينتظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به .. وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق .. وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين مكة والمدينة .. فالتمسا الدخول عليه فكلمت أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك .. قال: لا حاجة لي بهما .. أما ابن عمي فهتك عرضي .. وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما
قال. فلما أخرج إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له .. فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا .. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما فدخلا وأسلما" (1) وعفا عنهما صلى الله عليه وسلم تلك القائمة الطويلة من الجرائم بحقه .. فكان ذلك العفو جمرًا قذفه صلى الله عليه وسلم في مجمرة بين أضلع أبي سفيان بن الحارث .. فتعالى الشعر من صدره ذكريات وزفرات ومشاعر حركت مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم فقام بحركة تنضح بالعتاب على ابن عمه وقسوته معه وهو الذي لم يؤذه يومًا ولم يؤذ مشاعره
"فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى فيه فقال
لعمرك أني يوم أحمل راية
…
لتغلب خيل اللات خيل محمَّد
لكالمدلج الحيران أظلم ليلة
…
فهذا أوان الحق أهدي واهتدي
فقل لثقيف لا أريد قتالكم
…
وقيل لثقيف تلك عندي
هداني هاد غير نفسي ودلني
…
إلى الله من طردت كل
"فلما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله من طردت كل مطرد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره فقال أنت طردتني كل مطرد"(2)
تلك الضربة المعاتبة لم توقف نزيف الشعر .. فقد تدفق أبو سفيان ندمًا وحزنًا وقال:
"أفر سريعًا جاهدًا عن محمَّد
…
وادعي ولو لم أنتسب لمحمد
هم عصبة من لم يقل بهواهم
…
وإن كان ذا رأي يلم ويفند
(1) سند صحيح وهو حديث ابن عباس السابق وهذا لفظ الطبراني 8 - 10.
(2)
سنده صحيح وهو سند الحديث السابق لكن اللفظ هنا للحاكم.