الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفد الطائف (ثقيف)
الذين انحدروا من جبال العناد والطائف نحو المدينة مبايعين .. وكان بصحبتهم رجل شريد أعياه التعب والخوف من النبي صلى الله عليه وسلم وضاق به الطائف بل ضاقت به الأرض .. ضاقت الدنيا بوحشي بن حرب قاتل حمزة لكن رجلًا حكيمًا نصحه بالانحدار معهم والتوجه نحو أبواب الحرية الحقيقة التي أشرعها النبي صلى الله عليه وسلم .. يقول وحشي: "لما قدمت مكة أعتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف .. فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد .. فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وتشهد شهادته .. فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة"(1) مع وفد ثقيف الذين فرضوا على النبي عليه السلام شروطًا غريبة تمنحهم -كما يظنون- تميزًا بين القبائل .. لكن أفق النبي صلى الله عليه وسلم كان كالمدى ونظرته كانت أبعد بكثير .. فما هي قصة وفد ثقيف المملوءة بالكثير والجميل ..
اقتربنا من المدينة فإذا رواحل ثقيف تقف خارجها حيث يقوم بحراستها شاب يقال له عثمان بن العاص .. سألناه ما شأنك يا عثمان ولمَ لم تذهب مع أصحابك لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهم هناك منذ أيام وأنت هنا .. أولم تسلم بعد .. ؟ أجابنا عثمان عن كل تساؤلاتنا فقال:
"قدمت في وفد ثقيف حين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسنا حللنا بباب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: من يمسك لنا رواحلنا؟ وكل القوم أحب الدخول
(1) جزء من الحديث الصحيح الذي مر معنا حول شهادة حمزة وهذا لفظ ابن إسحاق.
على النبي صلى الله عليه وسلم وكره التخلف عنه .. قال عثمان: وكنت أصغر القوم .. فقلت: إن شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم. قالوا: فذلك لك. فدخلوا عليه" (1)
تركنا عثمان لفترة ولحقنا بالوفد الذي يصحبهم الآن رجل مصاب بمرض معدي فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقدم لأمته وللدنيا درسًا في الوقاية من الأمراض المعدية .. يقول أحد الصحابة رضي الله عنه: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك فارجع"(2) فرجع وهو في ذلك يؤكد عمليًا ما قاله من قبل: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد"(3) فهو في هذا الحديث يسقط خرافة العقيدة الجاهلية حول العدوى والتشاؤم والبومة وشهر صفر .. وأن هذه الأشياء وإن كانت موجودة حقيقة لكنها لا تقدم ولا تؤخر ولا تضر ولا تنفع ولا تؤثر بنفسها وأن الأمر بيد الله وحده .. أما عن انتقال المرض فقد خلق الله له أسبابًا وطرقًا حث النبي صلى الله عليه وسلم على قطعها والسلامة منها .. فالجذام قد ينتقل عن طريق اللمس أو استخدام أدوات المريض ولذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم .. وأما الطاعون وهو مرض معدي وفتاك فقد شدد صلى الله عليه وسلم في أمره حتى أوجب أن يكون هناك حجر
(1) سنده صحيح رواه الطبراني في الكبير 9 - 50 حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا محمَّد بن جعفر عن سهيل بن أبي صالح عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن عثمان بن أبي العاص قال فحكيم قال الحافظ في التقريب: صدوق 1 - 194 وتلميذه من رجال الشيخين وهو صدوق: التقريب 1 - 338 ومحمَّد بن جعفر ابن أبي كثير ثقة: التقريب 2 - 150 وسعيد بن أبي مريم ثقة ثبت فقيه التقريب 1 - 293 وشيخ الطبراني صدوق من رجال التقريب 2 - 343.
(2)
صحيح مسلم 4 - 1752.
(3)
صحيح البخاري 5 - 2158.
صحي على المريض والمرض معًا حتى في حالة عدم وجود دولة أو نظام أو أطباء فقال: "إن هذا الطاعون رجز سلط على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه وإذا كان بأرض فلا تدخلوها"(1)
إذًا فقد رجع المريض من حيث أتى أما بقية وفد ثقيف فبايعوا واشترطوا شروطهم .. ولما سألنا "جابرًا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا"(2)
تلك هي نظرة النبي الحكيم الذي يبحث عن القلوب لا عن الجيوب ..
كان صلى الله عليه وسلم يدرك أن هؤلاء القوم الباحثين عن تميز إيجابي لن يرضوا بالنقيصة مستقبلًا فهم وإن امتنعوا عن الجهاد ودفع الزكاة فسيأتي اليوم الذي يشعرون فيه أن امتيازهم هذا تحول إلى نقص في الحقيقة وعيب عندما يرون الأمة كلها تدفع زكاة ربها وتهب كلها للجهاد في سبيل الله ..
ولم يكن النبي يستخدم هذا الأسلوب مع الجماعة فقط بل مع الأفراد أيضًا فقد قدم إلى المدينة رجل يريد الإِسلام ولكن بشرط أعجب من شرط ثقيف: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم على أن يصلي صلاتين فقبل منه"(3) لأن المشكلة هنا
(1) صحيح مسلم 4 - 1738.
(2)
حديث صحيح رواه أبو داود 3 - 163 حدثنا الحسن بن الصباح ثنا إسماعيل يعني ابن عبد الكريم حدثني إبراهيم يعني ابن عقيل بن منبه عن أبيه عن وهب قال سألت
…
وله طريق آخر عند أحمد 3 - 341 وفي الآحاد والمثاني 3 - 188من طريق ابن لهيعة وموسى بن عقبة عن أبي الزبير سألت جابر وهما طريقان الأول قوي والثاني صحيح.
(3)
سنده صحيح رواه أحمد 5 - 363 ثنا وكيع ثنا شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي =
هي الشرك ووحشته .. فإذا خرج من ضيق الشرك إلى فضاءات الإِسلام الرحبة فإنه سوف يرف مع غيره في تلك الأجواء الجميلة والرائعة ولن يرضى لنفسه البقاء في القاع .. لا سيما وأن من يشترطون تلك الشروط يرون لأنفسهم ما لا يرون لغيرهم قبل دخول الإِسلام فإذا دخلوه أدركوا أن غيرهم قد تجاوزهم بمسافات من الوعي والإنجاز ..
لنعد إلى ثقيف التي دخلت الإِسلام فضرب لهم النبي صلى الله عليه وسلم قبة وأقام معهم فيها ترقيقًا لقلوبهم ولمنحهم مزيدًا من الجرعات الإيمانية والعلمية حتى بدأوا يسألون عن فروع الإِسلام .. فتحت تلك القبة تلقت ثقيف دروسًا واشترطت شروطًا .. يقول أحد الأنصار رضي الله عنهم وهو "جابر بن عبد الله إن وفد ثقيف سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن أرضنا أرض باردة فكيف بالغسل؟ فقال: أمَّا أنا فأفرغ على رأسى ثلاثًا"(1)
.. يقول أحدهم واسمه أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه:
"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فكنا في قبة فقام من كان فيها غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فساره فقال اذهب فاقتله ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال: بلى ولكنه يقولها تعوذًا
فقال رده. ثم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها حرمت علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها" (2)
= عن رجل منهم أتى .. ووكيع وشعبة وقتادة أئمة معروفون ونصر تابعى ثقة من رجال مسلم وقتادة عن نصر على شرط مسلم .. انظر صحيح مسلم 1 - 293 حدثني أبو كامل الجحدري حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث.
(1)
صحيح مسلم 1 - 259.
(2)
سنده صحيح رواه أحمد 4 - 8 والدارميُّ 2 - 287 والطبرانيُّ 1 - 217 والنسائيُّ في الكبرى 2 - 283 من طرق عن شعبة عن النعمان قال سمعت أوسًا .. وشعبة بن الحجاج =
درس في الوقاية من الأمراض ودرس في النظافة وثالث في وقاية النفس وحفظ الدماء .. يقدمه النبي صلى الله عليه وسلم للمتهورين الذين سمحوا لأنفسهم بالقفز فوق أسوار المظاهر لاقتحام النوايا والبواطن ..
وخلال تلك الدروس تسلل من تلك الخيمة رجل قد تلفع بالخجل والعار والخوف والرجاء أيضًا .. تسلل وحشي فجأة راميًا بحربة الشرك وحريته ودماء حمزة وكل ذنوبه بين يدي الله ورسوله راضيًا بحكم الله في مصيره .. وحشي يكمل قصته فيقول بعد مقتل حمزة: "فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه والله ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه وتشهد شهادته فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرعه إلا بي قائمًا على رأسه أتشهد بشهادة الحق فلما رآني قال: أوحشي؟ قلت: نعم يا رسول الله .. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة .. قال: فحدثته كما حدثتكما .. فلما فرغت من حديثي قال: ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك .. قال: فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لئلا يراني حتى قبضه الله صلى الله عليه وسلم"(1)
مع بقائه رضي الله عنه في المدينة وسكناه فيها ومشاركته للنبي عليه السلام في غزواته وحضوره لمجالسه وروايته لحديثه .. لكن حجم حمزة رضي
= إمام لقب بأمير المؤمنين في الحديث وشيخه تابعي ثقة من رجال مسلم: التقريب 2 - 304.
(1)
سنده صحيح رواه ابن إسحاق - السيرة النبوية ج: 4 ص: 17.
حدثي عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر ابن عمرو بن أمية الضمري قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار
…
وقد مر معنا تخريجه، فشيخ ابن إسحاق وشيخ شيخه ثقتان.