الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأخلاق البيضاء التي أعيى الكثير من المتدينين وغير المتدينين حملها .. فتلك الصفات أثقل من الجبل إذا لم يتخلَّ الإنسان عن أنانيته وذاته الكثيفة المعتمة التي لا يرى معها سواها .. أما أولئك الذين يضعون أنفسهم ضمن الجميع ويحكمون عليها كما يحكمون على الجميع ويحبون للجميع ما يحبونه لها فهم تلك النوعية الممتازة من البشر التي تستمع بممارسة الأخلاق وتبدع في إهدائها .. وهذا ما يجيده النبي صلى الله عليه وسلم وبه تمكن من أخذ صفوان بن أمية .. رغم أن صفوان لا يزال حتى الآن في مكة .. أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد حمله الأنصار نحو شعبهم عندما توجه الناس نحو شعابهم .. ومعه المهاجرون الأبرار .. ولم يمض من الوقت غير قليل حتى تمايلت المطايا نحو المدينة فإذا:
صفوان بن أمية في المدينة
حيث تحول الوطن عنده إلى مساحات يرسمها قلب النبي صلى الله عليه وسلم .. ففي مكة ولما "قيل لصفوان: إنه من لم يهاجر هلك فدعا براحلته فركبها فأتى المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك يا أبا وهب؟ قال: بلغني أنه لا دين لمن لا هجرة له قال ارجع إلى أباطح مكة فرجع"(1) لكنه كان متعبًا "فدخل المسجد فتوسد رداء فجاء رجل فسرقه فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم .. فقال: يا رسول الله سرق هذا ردائي فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه.
(1) حديثٌ حسنٌ رواه الإمام مالك عن ومن طريقه الضياء في المختارة 8 - 20 أخبرنا سليمان الطبراني ثنا أبو مسلم الكشي ثنا أبو عاصم عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن صفوان ابن عبد الله بن صفوان عن جده قال ورواه الإمام أحمد أيضًا عن حسين بن محمَّد عن سليمان بن قوم عن سماك عن جعيد ابن أخت صفوان عن صفوان وعن عفان عن وهيب عن ابن طاوس عن أمية عن صفوان بنحوه.
فقلت: يا رسول الله لم يبلغ ردائي ما تقطع فيه يد رجل قد جعلتها صدقة عليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا قبل أن تأتيني به" (1)
فالشفاعة تجوز عندما تكون الشكوى في طريقها إلى الحاكم أما إذا وصلت إليه فإن الشفاعة تتحول إلى جرم خطير يهدد الأمن الداخلي للدولة ويمكن للفساد من التسلل إلى جهاز القضاء والعدالة فيها .. وفي التشريع الإِسلامي حدود خمسة لا تجوز الشفاعة فيها هي:
حد السرقة .. وحد شرب الخمر .. وحد الزنا .. وحد القذف .. وحد الحرابة.
وهي حدود ضرورية لحماية الدماء والأموال والأعراض والعقول والأنساب ولا خير في حياة تمتهن تلك الأشياء التي تعادل الحياة نفسها .. وتميز الإنسان وترفعه عن مرتبة الحيوان .. فليس من المستغرب أن يرتكس الإنسان إلى درجة أسفل من درجة الحيوان في تلك اللحظات التي ينتهك فيها تلك الأشياء .. لأنه قد يفعل ذلك بوعي وإرادة وترتيب .. أما الحيوان فهو يسفك ويفترس بدافع غريزي بحت ودون وعي أو ترتيب مسبق .. تلك الأفعال التي يقوم بها الحيوان هي شرط الحياة الوحيد الذي يملكه وهو شرط مبرمج داخله من الخالق سبحانه .. أي أنه لا يمكن له العيش دون ذلك .. أما الإنسان فله طرق كثيرة جدًا للعيش دون الإضرار
(1) حديثٌ حسنٌ رواه الإِمام مالك عن ومن طريقه الضياء في المختارة 8 - 20 أخبرنا سليمان الطبراني ثنا أبو مسلم الكشي ثنا أبو عاصم عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن صفوان ابن عبد الله بن صفوان عن جده قال ورواه الإِمام أحمد أيضًا عن حسين بن محمَّد عن سليمان بن قوم عن سماك عن جعيد ابن أخت صفوان عن صفوان وعن عفان عن وهيب عن ابن طاوس عن أمية عن صفوان بنحوه.
بالآخرين لكنه يختار أحيانًا طرقًا شديدة الضرر. بمحض إرادته إرضاءً لغروره أو جشعه أو نوازع الحقد في داخله .. أو تحت تأثير العاطفة والشهوة وهي أشياء لا تمت للضرورة أو للصراع من أجل البقاء بصلة .. ومسؤولية الفرد الشخصية أمر جعله الإِسلام من ثوابته .. والنبي صلى الله عليه وسلم يمارس تطبيقه الآن مع هذا السارق على أرض المدينة لا سيما وهو يسرق شيئًا ليس مضطرًا للحصول عليه للبقاء حيًا .. كما أنه مارس ذلك داخل المسجد وباعترافه هو .. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في مثل هذه الحالة يمارس الحبس على ذمة التحقيق أو التعذيب لانتزاع الاعتراف بالقوة القهر .. كان صلى الله عليه وسلم يقرر قاعدة الوقوف مع المتهم حتى تثبت عليه التهمة .. فقد "أتي بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسول الله .. إن هذا سرق .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أخاله سرق فقال السارق: بلى يا رسول الله .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم إيتوني به فقطع .. ثم أتي به فقال: تب إلى الله .. فقال: تبت إلى الله .. فقال: تاب الله عليك"(1) فتطبيق الحد لا يعني أن ينصرف المذنب وهو يحس أنه مراقب من قبل السلطة والمجتمع فقط لأن تلك الرقابة تذوب متى ما أمن العقوبة وتوفرت له سبل الفرار والخروج والتحايل على النظام .. أما الإِسلام فيجذر في أعماق الفرد رقابة الله والخوف منه قبل كل شيء .. فالله لا يغفو ولا ينام ولا تخفى عليه خافية وبذلك يتوفر لدى الشريعة الإِسلامية وحدها رقابتان: من الداخل
(1) حديث صحيح وسنده حسن رواه الحاكم 4 - 422 والبيهقيُّ الكبرى 8 - 271 وغيرهما من طرق عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي أخبرني يزيد بن خصيفة عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا السند صحيح ابن ثوبان تابعي ثقة: التقريب 2 - 182 وتلميذه تابعي من رجال الشيخين: التقريب 2 - 367 أما الدراوردي فحسن الحديث إلا عن عبيد الله العمري فمنكر وهذا ليس منها وللحديث طريق أخرى عند الطبراني: 7 - 157 عن السائب بن يزيد.