الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجيش الضخم ليس من الممكن هزيمته .. فقد "خرج شبان أصحابه وإخفاؤهم حسرًا ليس بسلاح فأتوا قومًا رماة سمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم .. فرشقوهم رشقًا ما يكادون يخطئون .. فأقبلوا هنالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء .. وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل واستنصر ثم قال:
أنا النبي لا كذب
…
أنا بن عبد المطلب" (1)
.. كان هذا الصوت المتأجج حماسًا وثباتًا مثيرًا .. لكنه لا يجد حوله سوى غبار الطلقاء الذين ولوا وتركوا غبارهم يخنق أرض حنين:
ثم هرب بعدهم الأعراب
يقول أنس رضي الله عنه: "فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس"(2) وقد ساهمت منحدرات الوادي في هزيمه المؤمنين ووقوعهم في الفخ المعد لهم حيث يصف جابر ذلك الوادي وما حدث فيه فيقول:
"كان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد"(3) إلا النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان كما وصفه البراء بن عازب وهو
(1) صحيح البخاري 3 - 1071.
(2)
صحيح مسلم 2 - 736.
(3)
سنده صحيح رواه ابن إسحاق السيرة النبوية 5 - 110 حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر وهذا السند صحيح مر معنا قبل قليل عاصم وعبد الرحمن ثقتان ومعنى: انشمر الناس أي أسرعوا.
يتحدث عن الفرار يوم حنين بقوله: "أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى"(1)"كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم"(2) لقد توجه صلى الله عليه وسلم نحو الكفار بمفرده بعد أن "ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار"(3)
كان مشهد الهروب محزنًا لفارس الإِسلام أبي قتادة رضي الله عنه الذي يقول عن تلك اللحظات "لما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلًا من المشركين علا رجلًا من المسلمين .. فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه .. فأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت .. ثم أدركه الموت فأرسلني .. فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله"(4) ففرار جيش هذا الحجم شيء لا يصدقه عمر .. "وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمن .. ثم قال: أين أيها الناس؟ هلموا إلي أنا رسول الله .. أنا محمَّد بن عبد الله .... فلا شيء حملت الإبل بعضها على بعض .. فانطلق الناس إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار واهل بيته وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد قتل يومئذ .. ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح له طويل أمام هوازن وهوازن خلفه إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه
(1) صحيح مسلم 3 - 1401.
(2)
صحيح مسلم 3 - 1401.
(3)
حديث صحيح رواه مسلم 3 - 1398 والنسائيُّ في السنن الكبرى 5 - 197 واللفظ له.
(4)
صحيح البخاري 3 - 1144.
فاتبعوه وأبو سفيان بن حرب وبعض الناس يشمت بالمسلمين" (1). ويتوقعون بل يتمنون هزيمة ساحقة للمؤمنين .. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك مساحة أكبر من هذه لانشراح قلوب هؤلاء الشامتين .. فمثل هذه الحالات الشديدة والحرجة يصعب تجاوزها بأمثال الطلقاء الذين لم يقضوا فترة تربوية كافية على يد النبي صلى الله عليه وسلم .. ولهذا صاح النبي عليه السلام يستدعي البنائين الأوائل للدولة الإِسلامية الذين شيدوها بدمائهم وعرقهم وإيمانهم .. صاح بهم وناداهم .. "نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يال المهاجرين يال المهاجرين .... ثم قال يال الأنصار يال الأنصار
…
" (2)
قال أنس "قلنا: لبيك يا رسول الله"(3)
وحتى يصل الصوت أقصى مدى استعان النبي صلى الله عليه وسلم بعمه الثابت الشجاع العباس بن عبد المطلب الممسك الآن بلجام بغلته عليه السلام يواجه بها عاصفة هوازن ونبالها ويقول "إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها .. وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصوت .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء .. فقال: يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة .. فأجابوا لبيك لبيك .. فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك .. فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه .. ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى
(1) سنده صحيح رواه ابن إسحاق السيرة النبوية 5 - 110 حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر وهذا السند صحيح مر معنا قبل قليل عاصم وعبد الرحمن ثقتان.
(2)
درجته: حديث صحيح رواه مسلم 2 - 736.
(3)
درجته: حديث صحيح رواه مسلم 2 - 736.
رسول الله صلى الله عليه وسلم .. حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس .. فاقتتلوا وكانت الدعوى أول ما كانت: ياللأنصار .. ثم خلصت أخيرًا ياللخزرج .. وكانوا صبرًا عند الحرب فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: الآن حمي الوطيس" (1) والجلاد والقتال واستعر كالبركان .. وقد كان الصحابة الذين حضروا المعركة ورووا أحداثها قليلين وهم كالغصن وسط تلك الغابة التي تجاوزت العشرين ألف مقاتل من الطرفين .. لذلك كان قرب معظمهم من النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المعركة نادرًا وللحظات .. فكان كل صحابي يروي المشهد الذي رآه والحالة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم أثناء مروره فقط .. أحد هؤلاء الصحابة مر بالنبي صلى الله عليه وسلم أثناء الهزيمة فرأى صحابيًا يدعى زيد مع النبي صلى الله عليه وسلم فوصف ذلك المشهد بقوله "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين انكشف الناس عنه فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد .. آخذ بعنان بغلته الشهباء وهي التي أهداها له النجاشي .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا زيد ادع الناس فنادى: أيها الناس هذا رسول الله يدعوكم فلم يجب أحد عند ذلك فقال: ويحك حض الأوس والخزرج فقال: يا معشر الأوس والخزرج .. هذا رسول الله يدعوكم فلم يجبه أحد عند ذلك .. فقال: ويحك ادع المهاجرين فإن لله في أعناقهم بيعة .. فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون وكسروها تم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح عليهم" (2)
(1) سنده صحيح رواه ابن إسحاق السيرة: 5 - 110 حدثني الزهريّ عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: وهذا السند صحيح الزهريّ تابعي إمام ثقة أشهر من أن يعرف وشيخه صحابي صغير.
(2)
سنده صحيح رواه ابن أبي شيبة 7 - 417 حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة مرسلًا وآخره متصل وليس كما في المطالب حيث وهم =
وأحد الصحابة يقول: "انطلق الناس إلا أن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطًا من المهاجرين والأنصار واهل بيته غير كثير وفيمن ثبت معه صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وابنه الفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن وأسامة بن زيد"(1)
هذا ما يحدث في المقدمة أما في المؤخرة فقد كانت هناك امرأة ثابتة تفوقت على كثير من المحاربين الرجال .. إنها المرأة التي سجلت حضورها لمعظم معارك النبي صلى الله عليه وسلم"أم أنس بن مالك" أو أم سليم أو زوجة أبي طلحة المقدام .. كانت رضي الله عنها تتأهب بخنجر للمشركين بل لمن يولي هاربًا من الطلقاء .. يقول ابنها "أنس: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها فرآها أبو طلحة فقال:
يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر .. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك .. قالت يا رسول الله: اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" (2)
فقد نظم صلى الله عليه وسلم أصحابه من جديد ثم هجم بهم على المشركين وهب علي ابن أبي طالب وشجاع آخر من الأنصار نحو حامل الراية حتى استطاعوا:
= الهيثمي رحمه الله فوصله فالذي وصله هو الروياني 1 - 73 حدثنا محمَّد بن إسحاق حدثنا عبيد الله بن موسى أنا يوسف به موصولًا.
(1)
حديث صحيح مر معنا وهو عند ابن إسحاق.
(2)
صحيح مسلم 3 - 1442.