الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قياسا على جواز اختلاف الصّفة والموصوف في الحكم كقولهم: مررت برجل لا صالح ولا طالح (1).
ذكر الاستثناء المفرّغ
(2)
وهو المستثنى الذي لم يذكر المستثنى منه معه، وكان في كلام غير موجب غالبا، ويعرب على حسب العوامل نحو: ما جاءني إلّا زيد، وما ضربت إلّا زيدا وما مررت إلّا بزيد، وإنّما كان في كلام غير موجب ليفيد أنّ المستثنى منه المحذوف عامّ، لأنّ النكرة تعمّ في سياق النفي، فإنّ التقدير في نحو: ما ضربت إلّا زيدا، ما ضربت أحدا إلّا زيدا، فلو جاء في كلام موجب وقال: ضربت إلّا زيدا لم يستقم، لعدم جواز تقدير: ضربت كلّ أحد إلّا زيدا فيستحيل تقدير المستثنى منه المحذوف عامّا فيمتنع، فأمّا إذا أمكن تقدير المستثنى منه المحذوف عامّا في كلام موجب فإنّه يجوز وقوع المفرغ في الموجب حينئذ نحو: قرأت إلّا سورة كذا، وصمت إلّا يوم العيد، لإمكان قراءة القرآن كلّه إلّا تلك السورة، وصوم كلّ الأيام إلّا يوم العيد فأمكن تقدير المستثنى منه المحذوف عامّا، فاستقام المعنى بخلاف: ضربت إلّا زيدا، لاستحالة تقدير ضرب جميع الناس، وسمّي مفرّغا لأنّ العامل فرّغ له، بحذف المستثنى منه، ومن
جهة أنّ المعنى لا يستقيم في المفرغ إلّا في غير الموجب لم يجز: ما زلت إلّا قائما؛ لأنّ «ما» للنفي، و «زال» للنفي ونفي النّفيّ، إثبات، فيؤدي إلى أن يكون قائما مثبتا - لأنّه في سياق ما زال - منفيّا لأنّه بعد إلّا في كلام مثبت؛ فيمتنع (3).
ذكر البدل على المحلّ
(4)
إذا تعذّر البدل على اللفظ أبدل على المحلّ: والمذكور هنا لذلك ثلاثة أمثلة:
أحدها: ما جاءني من أحد إلّا زيد، فيجوز نصب زيد على الاستثناء ورفعه على البدل من محل أحد، لأنّ محلّه الرفع بأنه فاعل جاءني، ويمتنع البدل من لفظه، لأنه
(1) انظر هذه الردود في شرح المفصل، 2/ 82، وشرح الكافية، 1/ 233 وشرح التصريح، 1/ 349.
(2)
الكافية، 395.
(3)
شرح الوافية، 231 وشرح المفصل، 2/ 68 وشرح الكافية، 1/ 234.
(4)
الكافية، 395 - 396.
لو أبدل من لفظه كان التقدير: جاءني من زيد، فتزاد من في الإثبات وهو غير جائز عند سيبويه (1).
ثانيها: لا أحد في الدار إلّا زيد، ولا إله إلّا الله بالرفع على البدل من المحلّ (2) ولا يجوز النّصب على البدل من لفظ أحد وإله خلافا للزجاج، وإنّما تعيّن البدل من المحلّ دون اللفظ، لأنّ العامل لفظا لمّا كان لا - وهي إنّما تعمل للنفي/ وما بعد إلّا إذا وقع في سياق النفي كان مثبتا، والبدل في حكم تكرير العامل فلو قدّرت بعد إلّا، لزم الجمع بين المتناقضين، لأنّ «لا» تقتضي نفي ما بعدها و «إلّا» تقتضي إثباته.
ثالثها: ما زيد شيئا إلّا شيء لا يعبأ به، فلا يجوز نصب شيء الثاني على البدل من لفظ شيئا الأول الذي هو خبر ما، إذ يبقى التقدير: ما زيد إلّا شيئا، فيلزم تقدير ما عاملة بعد إلّا وهي لا تعمل بعدها لانتقاض النفي، فيتعذّر البدل على اللفظ، فيجب حمله على المحل، ومحلّه رفع في الأصل قبل دخول ما بخلاف ليس فإنه يجب النصب في مثل قولك: ليس زيد إلّا شيئا لا يعبأ به، لأنّ ليس إنما عملت للفعليّة لا للنفي، فهي مثل: ما كان زيد إلّا قائما، وأما - ما ولا - فإنّهما إنما عملا للنفي، فإذا انتقض بنحو «إلّا» ، بطل عملهما، فلذلك وجب النصب في قولك: ليس زيد إلّا قائما وامتنع النصب في: ما زيد إلّا قائما (3).
والمستثنى بغير وسوى وسواء لا يكون إلّا مخفوضا (4) لأنّه مضاف إليه، وكذلك حاشا على الأكثر (5) وقلّ
النصب بها نحو: اللهمّ اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وابن الأصبغ (6). لأنّه حرف جرّ غالبا، ومنهم من ينصب بحاشا على أنه
(1) الكتاب، 2/ 315 - 4/ 225.
(2)
تسهيل الفوائد، 102 والمغني، 2/ 563 وشرح التصريح، 1/ 351 وشرح الأشموني، 2/ 145.
(3)
شرح الوافية، 235، وشرح المفصل، 2/ 91 وشرح الكافية، 1/ 238.
(4)
الكافية، 396.
(5)
الكتاب، 2/ 349 وشرح الكافية، 1/ 244.
(6)
في شرح المفصل، 2/ 85 وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد قال سمعت أعرابيا يقول: اللهم
…
إلخ.
فعل (1) بمعنى جانب بعضهم زيدا، أي: فاعل من الحشا وهو الجانب (2) وسوى بكسر السين وضمّها مع القصر وبفتحها مع المدّ ظرف مكان عند سيبويه (3) وإعرابها النّصب على الظرفيّة، فتقول: جاء القوم سوى زيد، ومعناه جاء القوم مكان زيد، وقال قوم حكمها حكم غير (4) وعليه قوله:(5)
ولم يبق سوى العدوا
…
ن دنّاهم كما دانوا
فسوى فاعل لم يبق، أي: لم يبق غير العدوان (6) [ومما يذكر مع أدوات الاستثناء لا سيّما، وإن لم تكن في الحقيقة أداة استثناء لأنّ الاستثناء يثبت للمستثنى حكما (7) ضدّ حكم المستثنى منه وليست لا سيّما كذلك، لأنّها تثبت للثاني حكم الأول بطريق الزيادة (8) فإذا قلت: أحسن إليّ القوم لا سيّما زيد، كان في الكلام إيذان بأنّ زيدا كان أوفر القوم إحسانا، ووجه ذكرها مع أدوات الاستثناء أنّ ما بعدها يخالف ما قبلها في الإخراج من المساواة إلى الترجيح بإثبات الزيادة له، وكان حكمه غير حكم الأول، واعلم أنّ لا سيّما ثلاث كلمات، وهنّ: لا، وسيّ، وما. أما «لا» ، فعند أكثر النحويين هي التي لنفي الجنس (9) وأما «سيّ» بكسر السين فهو المثل (10)
(1) المقتضب، 4/ 391 والإنصاف، 1/ 278 والهمع، 1/ 232 - 233.
(2)
شرح الوافية، 235.
(3)
الكتاب، 2/ 350 وهو مذهب الجمهور أيضا، شرح التصريح، 1/ 362.
(4)
وهم الكوفيون إذ أجازوا خروجها عن الظرفية والتصرف فيها رفعا ونصبا وجرا كغير. التسهيل، 107 وشرح الكافية، 1/ 248 والمغني، 1/ 141 وشرح التصريح، 1/ 362.
(5)
للفند الزماني، شهل بن شيبان. روي منسوبا له في ديوان الحماسة للمرزوقي، 1/ 35 وأمالي القالي، 1/ 257 وشرح الشواهد، 2/ 159 وشرح التصريح، 1/ 362 وخزانة الأدب، 3/ 431. وورد من غير نسبة في شرح الكافية، 1/ 248 وشرح ابن عقيل، 2/ 228 وهمع الهوامع، 1/ 202 وشرح الأشموني، 2/ 159.
(6)
ما بين المعقوفين أي من قوله ومما يذكر إلى قوله فيما بعد أكرمه الناس سيما زيد
…
هو من حاشية الأصل المكتوب بجوارها «صح» مع علامة الإلحاق في المتن.
(7)
غير واضحة في الأصل. وممن عدّ لا سيما من أدوات الاستثناء الكوفيون وجماعة من البصريين كالأخفش وأبي حاتم والنحاس الهمع، 1/ 234.
(8)
شرح الكافية، 1/ 248.
(9)
شرح المفصل، 2/ 85 وشرح الكافية، 1/ 249 والهمع، 1/ 235.
(10)
اللسان، سوا، والمغني، 1/ 139.
وأما «ما» ، فقيل هي حرف زائد، وقيل: هي اسم بمعنى الذي (1) فإذا قلنا: إنّ لا في لا سيّما هي التي لنفي الجنس، كانت سيّ إمّا نكرة مبنية معها على الفتح، أو معربة منصوبة مضافة إلى زيد مثلا، وما زائدة، والخبر محذوف أي حاصل أو موجود، والتقدير: لا مثل زيد موجود، ويجوز في الاسم الواقع بعد لا سيّما الرفع والنّصب والجرّ، لكنّ الجرّ هو الكثير، والرّفع قليل والنّصب أقلّ (2).
وقد روي بالوجوه الثلاثة قول امرئ القيس: (3)
ألا ربّ يوم لك منهنّ صالح
…
ولا سيّما يوم بدارة جلجل (4)
فالجرّ على أن تكون ما زائدة والاسم مجرور بإضافة سي إليه، والتقدير: لا مثل يوم، والرّفع على أن تكون ما موصولة مجرورة بإضافة سيّ إليها، والاسم بعدها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لا مثل الذي هو يوم بدارة جلجل. وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب، لأنّها صلة الموصول والنّصب على وجهين:
الأول: أن يكون منصوبا بفعل محذوف، وما زائدة أي لا مثل أعني يوما.
والثاني: على أن تجعل لا سيّما بمنزلة إلّا فينتصب ما بعدها وهذا ضعيف، لما بيّنّا من كونها ليست بمنزلة إلّا في
صدر هذا الكلام، ويجوز تخفيف لا سيّما، ويجوز أيضا حذف لا منها للعلم بها (5) كقولك: أكرمه النّاس سيّما زيد] (6).
(1) انظر آراءهم حولها في الهمع، 1/ 234.
(2)
شرح المفصل، 2/ 86 وتسهيل الفوائد، 107 والمغني، 1/ 140 وحاشية الصبان، 2/ 168 والنحو الوافي لعباس حسن، 1/ 402.
(3)
هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي من فحول الشعراء الجاهليين، انظر أخباره المشهورة في طبقات فحول الشعراء، 1/ 51 والشعر والشعراء، 1/ 50. والبيت في ديوانه، 63 وروي منسوبا له في شرح المفصل، 2/ 86 وشرح الكافية، 1/ 249 وشرح شواهد المغني، 1/ 412 - 2/ 558 - 726 وروي البيت من غير نسبة في مغني اللبيب، 1/ 140 وشرح الأشموني، 2/ 167 وشرح التصريح، 1/ 144 وهمع الهوامع، 1/ 234 ورواية الديوان:
ألا ربّ يوم صالح لك منهما.
(4)
موضع بنجد وقيل بغمر ذي كندة معجم البلدان، 2/ 426.
(5)
قال أبو حيان: ولا يحذف لا من لا سيما لأنه لم يسمع إلا في كلام المولدين همع الهوامع، 1/ 235 وانظر شرح الأشموني، 2/ 168.
(6)
انتهى المثبت من حاشية الأصل.