المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

. . . . . . . . . . - المسبوك على منحة السلوك في شرح تحفة الملوك - جـ ١

[عبد المحسن القاسم]

فهرس الكتاب

- ‌نبذة عن الماتن

- ‌ تحقيق اسم المتن ونسبته للمؤلف:

- ‌ شروحات المتن:

- ‌نبذة عن الشارح

- ‌ تحقيق اسم الشرح "منحة السلوك" ونسبته للمؤلف:

- ‌ سبب تأليف الشرح:

- ‌النسخ المعتمدة

- ‌ نسخ المتن

- ‌ نسخ الشرح

- ‌[مقدمة الشارح]

- ‌[وجه شروع المصنِّف بالبسملة]

- ‌[معني البسملة]

- ‌[الفرق بين الرحمن والرحيم]

- ‌[معني الرحمن والرحيم]

- ‌[إعراب البسملة]

- ‌[وجه شروع المصنِّف بالحمدلة]

- ‌[إعراب الحمد لله وسلام

- ‌[مقدمة المصنف]

- ‌[سبب اختصار المتن على عشرة كتب]

- ‌كتاب الطهارة

- ‌[تمهيد]

- ‌[سبب تقديم كتاب الطهارة على كتاب الصلاة]

- ‌[تعريف الطهارة]

- ‌[أقسام المياه]

- ‌[القسم الأول: الماء الطهور]

- ‌[أنوع الماء الطهور]

- ‌[القسم الثاني: الماء الطاهر]

- ‌[القسم الثالث: الماء النجس]

- ‌فرعٌ:

- ‌[ضابط الماء الكثير]

- ‌[حد الماء الجاري والواقف]

- ‌[حد النجاسة وأنواعها]

- ‌[الخارج من غير السبيلين]

- ‌[نجاسة الخمر]

- ‌[نجاسة القيء]

- ‌[نجاسة خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور]

- ‌[ما يعفى عنه من النجاسات]

- ‌فرع:

- ‌[طهارة شعر الميتة]

- ‌[نجاسة الخنزير]

- ‌[طهارة الفيل]

- ‌[الإهاب المدبوغ]

- ‌[أحكام السؤر]

- ‌[طهارة سؤر ما يؤكل لحمه]

- ‌[السؤر النجس]

- ‌[السؤر المكروه الاستعمال]

- ‌[السؤر المشكوك في طهوريته]

- ‌فصل فى الوضوء والغسل

- ‌[مناسبة الفصل لما قبله]

- ‌فروض الوضوء:

- ‌[الفرض الأول]

- ‌[ما يغسل من شعر الوجه وما لا يغسل]

- ‌[الفرض الثاني]

- ‌[الفرض الثالث]

- ‌[الفرض الرابع]

- ‌[سنن الوضوء]

- ‌النية

- ‌التسمية

- ‌[غسل المستيقظ من النوم يديه]

- ‌الترتيب

- ‌الموالاة

- ‌السواك

- ‌المضمضة

- ‌الاستنشاق

- ‌المبالغة فيهما

- ‌[البدء باليمين]

- ‌تخليل اللحية

- ‌[صفة غسل اليدين والقدمين]

- ‌[تخليل الأصابع]

- ‌[صفة مسح الرأس]

- ‌فروض الغسل:

- ‌[مسح الرقبة]

- ‌[تكرار الغسل]

- ‌[سنن الغسل]

- ‌[الأغسال المستحبة]

- ‌[من يُستحب لهم الغسل]

- ‌[عدم سقوط غسل الجنابة والحيض بالإسلام]

- ‌نواقض الوضوء:

- ‌[الخارج من السبيلين]

- ‌[الخارج من البدن غير السبيلين]

- ‌[النوم الناقض]

- ‌[زوال العقل]

- ‌[القهقهة في الصلاة]

- ‌[خروج الدم]

- ‌[المس الناقض]

- ‌[موجبات الغسل]

- ‌[خروج المني]

- ‌تغييب الحشفة

- ‌[انقطاع دم الحيض والنفاس]

- ‌[ما لا يوجب الغسل]

- ‌[عدم وجوب الغسل بالاحتلام من غير بلل]

- ‌[الغسل لمن رأي بللًا ولم يذكر احتلامًا]

- ‌فصل في مسح الخف

- ‌[مناسبة الفصل لما قبله]

- ‌[مدة المسح علي الخفين]

- ‌[بداية مدة المسح علي الخفين]

- ‌[شروط المسح علي الخفين]

- ‌[حكم المسح علي أكثر من خف]

- ‌[صفة الجوارب التي يمسح عليها]

- ‌[مدة مسح المسافر إذا أقام والعكس]

- ‌[أقل مقدار المسح]

- ‌[نواقض المسح]

- ‌[استئناف مدة المسح بغسل القدمين]

- ‌[المسح على الجبيرة]

- ‌[وقت المسح علي الجبيرة]

- ‌[أحكام العصابة]

- ‌فصل فى التيمم

- ‌[تعريف التيمم]

- ‌[سبب وجوبه]

- ‌[شرط جوازه]

- ‌[الأعذار المبيحة للتيمم]

- ‌[التيمم مع وجود الماء]

- ‌[طلب الماء للوضوء]

- ‌[صفة التيمم]

- ‌[النية في التيمم]

- ‌[مادة التيمم]

- ‌[ما يرفعه التيمم]

- ‌[نواقض التيمم]

- ‌[تأخير التيمم]

- ‌[الصلاة بالتيمم]

- ‌[التيمم مع وجود الماء]

- ‌[التيمم مع الماء السبيل]

- ‌فرع:

- ‌فصل في إزالة النجاسة

- ‌[تطهير النجاسة المرئية]

- ‌[العفو في الإزالة]

- ‌[تطهير النجاسة غير المرئية]

- ‌[طهارة الصقيل]

- ‌[حكم المني]

- ‌[غسل المني]

- ‌[حكم طهارة الأرض]

- ‌[طهارة الخف والثواب]

- ‌فصل في البئر

- ‌[ما ينجس البئر وما يعفي عنه]

- ‌[ضابط المتنجس]

- ‌مسألة:

- ‌[موت العصفور والفأرة في البئر]

- ‌[موت الحمامة في البئر]

- ‌[موت الآدمي فيها]

- ‌[انتفاخ الواقع في البئر]

- ‌فصل في الاستنجاء

- ‌[حكم الاستنجاء]

- ‌[مادة الاستنجاء]

- ‌[وجوب الاستنجاء بالماء]

- ‌[ما يكره به الاستنجاء]

- ‌[صفة الاستنجاء بالأحجار]

- ‌[صفة الاستنجاء بالماء]

الفصل: . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

تشفيًا

(1)

لصدور الناظرين، وتروّيًا

(2)

لقلوب الواردين.

[معني البسملة]

فنقول: بسم الله.

أي: بسم الله أشرع

(3)

، وهو اللائق به، وكذلك المسافر إذا حلَّ، أو ارتحل، وقال: بسم الله، أي بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل، وكذلك كل فاعلٍ يبدأ في أول فعله بسم الله

(4)

.

= المنير 1/ 600 مادة نَزرَ، مختار الصحاح ص 272 مادة ن ز ر، القاموس المحيط 4/ 354 مادة ن ز ر، معجم مقاييس اللغة 5/ 418 باب النون والزاء وما يثلثهما مادة "نزر".

(1)

يقال: شفى الله المريض يشفيه شفاء، أي: عافاه، من باب "رمى" واستشفيت بالعدو، وتشفيت به من ذلك؛ لأن الغضب الكامن كالداء، فإذا زال بما يطلبه الإنسان من عدوه، فكأنه بريء من دائه.

لسان العرب 14/ 436 مادة شفي، مختار الصحاح ص 144 مادة ش ف ي، المصباح المنير 1/ 319 مادة شفى.

(2)

الراء والواو والياء: أصل واحد وهو ما كان خلاف العطش، ويقال: رويت على أهلي ولأهلي رَيًّا. أتيتهم بالماء، ويقال: روي من الماء -بالكسر- رِوَي بوزن رضًا، ورِيًّا -بكسر الراء وفتحها- وارتوى وتروى كله بمعنى.

لسان العرب 14/ 347 مادة روي، القاموس المحيط 2/ 418 مادة روى، مختار الصحاح ص 111 مادة روى، المصباح المنير 1/ 246 مادة رَوِيَ، معجم مقاييس اللغة 2/ 453 باب الراء والواو وما يثلثها مادة "روى".

(3)

حال كوني مستعينًا بذكره متبركًا به.

حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص 9، فتح المجيد ص 9، تيسير العزيز الحميد ص 27.

(4)

فالباء في "بسم الله": متعلقة بمحذوف، تقديره: بسم الله أشرع، أو أتلو، أو أقرأ. وكذا كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله كان مضمرًا ما جعل التسمية مبدأ له، ونظيره في حذف متعلق الجار، قوله عز وجل:{فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [سورة النمل، الآية: 12] أي: اذهب في تسع آيات. وقول العرب: باليمن، والبركة أي: نكحت. =

ص: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

فإن قلت: لم قدَّرت المحذوف متأخرًا؟

قلت: لفائدة الاختصاص الذي يحصل بتقديم الاسم، وتأخير الفعل، كما في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

(1)

.

فإن قلت: لم قدم الفعل على الاسم في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]؟.

= ولحذف العامل في "بسم الله" فوائد عديدة منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله فلو ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضًا للمقصود فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى، ليكون المبدوء به اسم الله، كما تقول في الصلاة: الله أكبر، ومعناه: من كل شيء، ولكن لا تقول: هذا القدر، ليكون اللفظ مطابقًا لمقصود الجنان، وهو أن لا يكون في القلب، إلا ذكر الله وحده، فكما تجرد ذكره في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه.

ومنها: أن الفعل إذا حذف، صح الابتداء بالتسمية في كل عمل، وقول، وحركة، وليس فعل أولى بها من فعل، فكان الحذف أعم من الذكر، فأي فعل ذكرته، كان المحذوف أعم منه.

الكشاف للزمخشري 1/ 4، الانتصاف في مسائل الخلاف 1/ 4، إعراب القرآن للنحاس 1/ 166، بدائع الفوائد 1/ 25، معالم التنزيل 1/ 23.

(1)

لأنه أهم وأدل على الاختصاص، وأدخل في التعظيم، وأوفق للوجود، فإن اسم الله تعالى، مقدم على القراءة، كيف وقد جعل آلة لها؟ من حيث أن الفعل لا يعتد به شرعًا، ما لم يصدر باسمه تعالى، وقد كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات، باسم العزى فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء، وذلك بتقديمه، وتأخير الخبر، والدليل عليه قوله تعالى:{بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [سورة هود، الآية: 41].

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 1/ 5، الانتصاف 1/ 5.

ص: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

قلت: هذا أوَّل ما أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

فكان الأمر

(2)

بالقراءة أهم لتبليغ الرسالة فلذلك قُدِّمَ

(3)

.

فإن قلت: لفظة الله، اسمٌ، أو صفةٌ؟

قلت: اسم غير صفة

(4)

. ألا يُرى أنَّك تصِفه، ولا تصف به، فتقول:

(1)

روى البخاري في صحيحه (أ) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد في الليالي ذوات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: "ما أنا بقاريء" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقاريء، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقاريء، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [سورة العلق، الآيات: 1، 2، 3].

(2)

في ق، ر، م، ي، ص بزيادة "فيه".

(3)

الكشاف للزمخشري 1/ 5، تفسير النسفي 1/ 4، جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/ 78، إعراب القرآن للنحاس 1/ 166.

(4)

بل هو اسم، وصفة، علم على الذات المقدسة، ودال على صفة الإلهية، كسائر أسماء الله الحسنى كالعليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فأسماء الله دالة على صفات كماله، وهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء، وأوصاف. وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظًا لا معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح، ولا كمال. فالله اسم من أسمائه تبارك وتعالى، كما يدل على الذات، والصفة، التي اشتق منها، بالمطابقة، فإنه يدل دلالتين، أخريين بالتضمن، واللزوم فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم، فإن اسم "السميع" =

_________

(أ) 1/ 4 كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم 3.

ص: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

الله رحيم، ولا تقول: الرحيم الله.

فإن قلت: اسم موضوعٌ، أو مشتقٌّ؟

قلت: ليس بمشتق في الأصح

(1)

، والذين ذهبوا إلى اشتقاقه، بعضهم

= يدل على ذات الرب، وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن، ويدل على اسم "الحي" وصفة الحياة بالالتزام، وكذلك سائر أسمائه، وصفاته.

فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا، بالدلالات الثلاث، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه، وصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه، والمثال، وعن العيوب والنقائص. ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سورة الأعراف، الآية: 180] فاسمه مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل، وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق، محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج، والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته، ورحمته المتضمنين لكمال الملك، والحمد.

مدارج السالكين 1/ 28، تيسير العزيز الحميد ص 29، معالم التنزيل 1/ 24، جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/ 82، اشتقاق أسماء الله ص 23، بدائع الفوائد 1/ 22.

(1)

بل هو مشتق على القول الصحيح، وهو اختيار سيبويه، أصله الإله ثم حذفت الهمزة تخفيفًا، فاجتمعت لامان فأدغمت الأولى في الثانية، فقيل: الله. "فالله" فعال بمعنى مفعول، أي: معبود مستحق للعبادة، يعبده الخلق ويؤلهونه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وهو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق.

قال رؤبة بن العجاج:

لله درُّ الغانيات المدَّهِ

سبحن واسترجعن من تألُّهي (أ)

أي: من تعبدي، والمصدر من ألهت: الألوهَةُ. =

_________

(أ) ديوان رؤبة ص 165.

ص: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

قالوا: من أله يأله بكَسر العَين في الماضي، وفتحها في المضارع، أي: سَكن.

= ونظير قولهم: إله والله في الحذف، قولهم:"أناس"، ثم قالوا: الناس، وأصله الإناس، فحذفت الهمزة. فقيل: الناس، فكأن الألف واللام في الله عوض عن الهمزة المحذوفة، فلزمتا ولم تفارقا الاسم كأنهما بعض حروفه، فلذلك دخل عليه حرف النداء، فقيل: يا الله اغفر لنا، وليس في العربية اسم في أوله الألف، واللام دخل عليه حرف النداء، إلا قولهم: يا الله اغفر لنا، فإنهم أدخلوا الألف، واللام، وحرف النداء؛ لأنه لما كانت الألف واللام في "الله" كأنهما من نفس الكلمة دخل عليه حرف النداء.

قال ابن القيم في بدائع الفوائد 1/ 22: زعم السهيلي، وشيخه أبو بكر بن العربي، أن اسم الله غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم. والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق، ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر، فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألم بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، والقديم، لا مادة له

ولا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ، والمعنى، لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر، والمشتق منه أصلًا، وفرعًا ليس معناه، أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر، وزيادة

فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي، وإنما هو اشتقاق تلازم، سمي المتضمن -بالكسر- مشتقًا، والمتضمن -بالفتح- مشتقًا منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى.

جامع البيان في تأويل آي القرآن 1/ 82، معجم مقاييس اللغة 1/ 127 باب الهمزة واللام وما يثلثهما مادة "أله"، لسان العرب 13/ 467 مادة أله، البارع في اللغة لأبي علي القالي ص 8، نوادر أبي مسحل 1/ 296، مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي 1/ 19، معاني القرآن للزجاج 5/ 152، الكتاب لسيبويه 2/ 195، تثقيف اللسان 347، المخصص 10/ 191، أمالي القالي 2/ 97، سمط اللآلي 2/ 730، الخزانة 3/ 92، أبدال أبي الطيب 1/ 318، الجمل 162، اللامات 33، المقتضب 4/ 241، كتاب الأفعال 1/ 46.

ص: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

وبعضهم قالوا من وله يوله، أي: تحيَّر

(1)

.

وبعضهم قالوا: من تألَّه يتألَّه أي: تضرَّع

(2)

.

وبعضهم قالوا: من لاه يلوه، أي: احتجب

(3)

.

فإن قلت: كيف نُراعي هذه المعاني في لفظة الله؟

قلت: مراعاتها ظاهرةٌ.

أما الأول: فلسكون الخلق إليه.

(1)

وهو اختيار الخليل بن أحمد، فأصل إله عنده ولاه من الوله، والتحير. وقد أبدلت الواو همزة؛ لانكسارها. فقيل إله: كما قيل: في وعاء إعاء، وفي شاح أشاح، ثم أدخلت عليه الألف، واللام، وحذفت الهمزة، فقيل: الله.

قال ابن فارس: فأما قولهم: في التحير أله يأله، فليس من الباب؛ لأن الهمزة واو.

اشتقاق أسماء الله ص 26، معجم مقاييس اللغة 6/ 140 باب الواو واللام وما يثلثهما مادة "وله"، لسان العرب 13/ 467 مادة إله، الجامع لأحكام القرآن 1/ 72، إملاء ما من به الرحمن 1/ 5، معجم مقاييس اللغة 1/ 127 باب الهمزة واللام وما يثلثهما مادة أله، معنى لا إله إلا الله لبدر الدين الزركشي ص 110.

(2)

وهو اختيار الضحاك وأبي علي الفارسي.

إملاء ما من به الرحمن 1/ 5، لسان العرب 13/ 469 مادة أله، الجامع لأحكام القرآن 1/ 72.

(3)

وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، وكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاهًا، وكانوا يقولون: إذا طلعت الشمس لاهت. وقيل أصله: وِلاهٌ فأبدل من الواو همزة، وتسميته بذلك؛ لكون كل مخلوق، والهًا نحوه، إما بالتسخير فقط، كالجمادات والحيوانات. وإما بالتسخير والإرادة معًا، كبعض الناس.

الجامع لأحكام القرآن 1/ 73، المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 21.

ص: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

‌منحة السلوك

وأما الثاني: فلتحيرهم في كنه عظمته

(1)

.

وأما الثالث: فلتضرُّعهم إليه

(2)

.

وأما الرابع: فلأنه محتجب عن إدراك الأبصار، وإحاطة الأفكار

(3)

.

(1)

الخلق غير مكلفين بالبحث عن كنه ذاته؛ ليتحيروا فيه بل معناه: أن يكون الوله من العباد إليه، أي يتوجه العباد إليه بالتأله، والعبادة.

ومذهب أهل السنة، والجماعة: أن كنه ذات الله من المتشابه، الذي لا يعلمه إلا هو قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة آل عمران، الآية: 7] فصفات الله معانيها معلومة، أما كيفيتها: فغير معلومة، ولم نكلف بالبحث عنها.

ولما سئل الإمام مالك عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذا قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، شيخ الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان، فبين أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة. وبقية صفات الله يقال فيها ما قيل في الاستواء.

الرسالة التدمرية ص 220، التحفة المهدية ص 221، اشتقاق أسماء الله ص 27، تفسير ابن كثير 1/ 520، الكشاف 1/ 6، معنى لا إله إلا الله ص 110.

(2)

ولجوئهم إليه؛ لأنه سبحانه المَفْزَع الذي يلجأ إليه في كل أمر.

لسان العرب 13/ 469 مادة أله.

(3)

قوله جل وعلا: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [سورة الأنعام من الآية: 103] أي: لا تحيط به، وليس المعنى أي: لا تبصره، فالمنفي هو الإحاطة دون الرؤية، فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال، وإنما الكمال في إثبات الرؤية، ونفي إدراك الرائي له، إدراك إحاطة كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم، ونفي الإحاطة به علمًا، فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا يحاط به علمًا، وقد دل القرآن الكريم على رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، كما في قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة =

ص: 43