الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
أحْمَدُه -جَلَ ذِكْرُه- بجميعِ مَحامِدِه، وأُثْني عليه بتَواتُر فَواضِله ونِعَمِه، وأَستهديهِ سبيلَ الصَّواب في القولِ والعَمَلِ بمِنَنِه، وأُصلِّي على خيرِ خلقِه وأكْرمِ رُسلِه صلى الله عليه وسلم، وعلى أَصحابه وأهلِ بيتِه.
أمَّا بعدُ:
فإِنَّ مِن حِكْمةِ الله تعالى وجَسيمِ لُطفْهِ ورحمتِه بعِبادِه، أنْ ابْتعثَ إِليهم خيَر خَلْقهِ، وخاتَم رُسُلِهِ، محمَّدًا -صَلواتُ ربِّي وسلامُه عليه-، وجَعَله محْفوفًا ببُرهانِ الوحيِ، المُشتملِ على هدايةِ البَشريَّة مِن لُجَج الظُّنون، ونورًا للبَرِيَّةِ مِن مُدْلَهِمَّات الشُّبهات وغَسَقِ الفُتون، وافترضَ على العبادِ اتِّباعَ وَحْيِه كتابًا وحِكْمةً، تدَّفقت بها كلماتُه صلى الله عليه وسلم، واصطَبغت بها أفعالُه، فأَناطَ الفوزَ والسَّعادةَ الأبديَّة للمُتمسِّكين بها، الصَّادِرين عنها، المُدِيرين عليها أَقوالَهم وأَعمالَهم.
فكان أَسعدَ الخَلْقِ بهذا النُّورِ، وأَحقَّ النَّاس به، وأَعلاهُم به عَيْنًا، وأَشدَّهم تعظيمًا واتِّباعًا له: هم أَهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ؛ لانطواءِ ضَمَائرِهِم على يَقينٍ كُلِّيٍّ بِصدْقِ ثلاثِ ضروراتٍ شرعيَّة:
الضَّرورة الأُولى: قيامُ التَّلازُم بين نورِ الوحيِ وبَصَرِ العقلِ، وتَعذُّر الانتفاعِ بأَحدِهما دون الآخر؛ فنورُ الوَحيِ بلا بَصرِ العقل لا تَتحصَّل الاستفادةُ منه، إذْ بالعقلِ عُلِم صِدقُ الوحي، وأنَّه مِن لَدُن حكيمٍ عليمٍ؛ وبَصَرُ العقلِ بلا نورِ الوحي قضاءٌ على العقلِ بالضَّياعِ في مَنَادِح الأَهواء، ومَسَارِب العَماية.
والضَّرورة الثَّانية: امتناعُ جرَيَانِ التَّناقُضِ بين وَحْيِه تعالى المَشمولِ بالإِرادةِ الأَمريَّةِ الشَّرعيَّةِ، وبين العقلِ الَّذي تنتظِمُه إرادَةُ الربِّ الخَلقيَّة التَّكوينيَّة؛ ومَجْلى هذا الامتناع: أنَّ كِلا الوَحيِ والعقلِ مِن عند الله، فالأوَّل: أمرُه، والثَّاني: خَلْقُه؛ ولا تعارُضَ بين خَلْقِه وأمرِه، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54].
والضَّرورة الثَّالثة: أنَّ هذا الوحيَ بهذه الصِّفةِ الهاديَةِ، محفوظٌ مِن الرَّب تبارك وتعالى إلى قيامِ السَّاعةِ، حفظًا لأحكامِه ومَعانيه، كما هو حفظ لحروفِه ومَبانيه؛ وقد أوكَلَ الله مُهمَّة تبيِينِ القرآن وتَفصيلِه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم فقال:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]؛ فإذا صحَّ المَنقول من سُنَّته صلى الله عليه وسلم عند حَمَلة شرعِه، انتظَمَه الوَعدُ بحفظِ الذِّكر لزامًا؛ لسَبْقِ القضاءِ الكَونيِّ بِحفظِ الأُمَّة مِن نُفوقِ الخطأِ عليها.
فهذه ثلاثُ ضروريَّاتٍ بُرهانيَّات، ينقشعُ بهنَّ عِثْيَرُ مُناقضةِ البراهين، ومُدافعة الدَّلائل بافتراعِ خُصومةٍ مُلدَّةٍ بين الدَّلائل الشَّرعية نَقْلِيِّها وعَقْلِيِّهِا؛ يتَوَلَّى كِبْرَ هذه الخصومةِ، ويَتقحَّمُ جراثيمَ هذه المُشاقَّةِ: طوائفُ في القديمِ والحديثِ، اجْتَوَت المنهلَ الرِّساليَّ الصَّافي بادِّعاءِ التَّعارُضِ بينها، وسَوْقِ أَوقارِ الشُّبُهاتِ في سُوقِ النِّكاية بالنُّصوصِ الشَّرعيَّةِ.
نَظَرتْ كلُّ فِرقةٍ منها إِلى تلك الدَّلائل نظْرةً مُبتَسرةً، تختزلُها في رؤيةٍ واحدةٍ تتَّسقُ مع أَصْلِها البِدْعيِّ الَّذي نصَّبَتْهُ مَركزًا تقْضي به على ما عَداه، كحالِ كثيرٍ من المدارسِ الكَلاميَّةِ المُتأخِّرة الَّتي استولَدت هذا النِّزاع، حتَّى انتهى الأمر بها إلى نَصْبِ نَزعاتها المُتمعقِلَة أصولًا يُقضَى بها على النَّقل، طَلبًا لتنزيهِ النَّقلِ عن مُناقضةِ العقل -زعمَت-، فكانوا كمَن ينقض رُكنًا في بيتِه، ليَرِمَّ صدْعًا في رُكنٍ آخرَ!
ولئِنْ كانت هذه الَمدارس قد قنِعت بأوَّلِيةِ العقلِ عند التَّعارض، فإِنَّ طوائفَ أخرى مِن أبناء عصرنا قد ألقَت هذا القَيدَ على عواهِنه، لتبلُغَ بهم الخصومة
أَقصى دَرَجاتِها؛ فقد أطْلَقُوا العقلَ في مَسَارِحَ تنبو عن مَدْرَكِه، وتميلُ عن مَعْيَهه، ليعود حسيرًا مَسْلوبًا.
ثمَّ جَروا بالأدلَّة النَّقليَّةِ ودَلالاتِها في مَهامِهِ التَّنكيرِ، والتَّحريفِ، والتَّفريغِ مِن مَضامينِها الحقَّةِ الَّتي رامَها الُمتكلِّمُ أوَّل مرَّة؛ مُسَلِّطةً عليها مَنَاهجَ استشراقِيَّةً كافرةً بالوَحيِ، تعامَلَت مع نصوصِه بحُسبانِها ظاهرةً تاريخيَّةً ماديَّةً خالصةً؛ مُتعامِيةً عن حقيقةِ مَصدرِها الإلهيِّ الَّذي لا يَتَطرَّق إليه باطلٌ.
هذا التَّعامي عن دلائل الشَّرعِ والإذعان لمَخابِرها الحقَّةِ، مَردُّه -في الغالب- إلى عَمى قلب النَّاظر؛ ذلك أنَّ النُّفوسَ إذا استقَرَّت على حُكمٍ تَهواه، تكلَّفت له دليلًا مِن العقلِ أو النَّقل لدفعِ ما يُناقِضُه مِن أخبار، وتأويل ما يُضادُّه من مُحكَمات، وتَعَلَّق بما يسنُده من مُتشابِهات.
فآلَت بذا الحالُ إِلى عَبَثيَّةٍ فكريَّةٍ مُمَزِّقةٍ، لا خلاصَ منها إلَّا بمنهجٍ يأبى الخصومةَ، ويكشِف عن الاتِّساق بين الدَّلائلِ النَّقليَّةِ والعقليَّةِ، ولا يَتَحقَّق ذلكَ إلا بلُزومِ سابِلةِ المنهجِ السُّنِّيِ المَعصومِ.
فأين هذا المَنهج؟ .. ومَن يدَعُنا لحالِنا نسلُكه؟! ..
لقد تَعرَّض أبناءُ هذا الجيلِ -ولا يزالون- لسَيْلٍ طاغٍ ومَوجاتٍ مُتلاحقة مِن التَّشكيكِ في دينِهم وتُراثِهم وأيَّامِهم؛ «فالشِّعرُ الجاهليُّ عندهم: غُموضٌ وانتحالٌ، وتفسيرُ القرآن: مَشحون بالإسرائيليَّات، والحديثُ النَّبوي: مَليءٌ بالوَضعِ والضَّعف، والنَّحو: تعقيدٌ وتأويلات، والتَّاريخ: صُنِع للحُكَّام والملوك، ولم يَرصُد نبضَ الشُّعوبِ وأشواقَها»
(1)
.
يَسمعُ شبابُنا هذا كلَّه عالِيًا مُدوِّيًا، تَتَجاوَب أصداُؤه المُترنِّحة مِن أحْلاسِ المقَاهي، وصفحاتِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، إلى أروقةِ الثَّقافةِ، وقاعاتِ الدِّرسِ الجَامعيِّ، ولا يَستطيعُون لذلك دفعًا ولا رَدَّا؛ لغَرارَتِهم، وجَهلِهم، وقِلَّةِ حيلَتِهم.
(1)
«الموجَز» لمحمود الطَّناحي (ص/8).
ولأنَّ كلَّ هذه السُّموم إنَّما تُساق في ثيابٍ مُزركشَةٍ، مِن مصطلحاتِ (المنهجيَّةِ)، و (المَوضوعيَّة)، و (التَّنوير)، و (التَّفكيرِ العقليِّ)، و (البحث العِلميِّ)، مَصبوغٍ ذلك بخِطابٍ أخَّاذ؛ فلا يَعرِفُ أثَرَ هذه الزَّخارفِ الخدَّاعةِ إلَّا مَن ابتُليَ بشَرِّها، وصَلَى جمْرَتَها؛ والنَّاس إذا كانوا في طَراوةِ الصِّبا وأوائلِ الشَّباب، تَسْتَهوِيهِم مثلُ هذه الأضاليل، وتَتلاعبُ بهم تَلاعُبِ جاريةٍ حسناءَ بذِي صَبْوةٍ.
وأحسبُ أنَّ كثيرًا مِن أبناءِ جيلي، قد وَقعوا في هذا المَهْوى السَّحيق.
وكنتُ أجدُ -ولازلتُ- أكثرَ تلك الأصواتِ دَويًّا، وأشدَّها فتكًا وأذيَّةً، تلك الصَّارخة في وجهِ السُنَّةِ الشَّريفة، مُشكِّكةً في ما توارثته الأمَّة مِن أخبارها، مُزريةً بجهودِ المُحدِّثين فيما أُودِعَتْه من أسْفارها.
وهذا أمر لا شكَّ جَلَل؛ فإنَّ تلك السُّنةَ وما تفتقِرُ إليه مِن معرفةِ أحوالِ رُواتها، ومَعرفةَ العربيَّة، وآثارَ الصَّحابةِ والتَّابعين في التَّفسير وغيره، وبيانَ معاني السُّنَن والأحكام وغيرها، والفقهَ نفسَه، إنَّما مَدارُ هذا كلِّه على النَّقلِ، ومَدارُ النَّقلِ على ما ارتضاه أولئك المُحدِّثون وأضرابُهم مِن مناهجَ في الرَّوايةِ والنَّقدِ والتَّوثيق.
فكان الطَّعنُ فيهم طعنًا في المَنقولِ كلِّه، بل في الدِّين مِن أصلِه
(1)
(2)
.
هذه -والله- الحقيقة المُرَّة الَّتي يَتكَشَّف عنها الزَّمان بين الفَينة والأخرى، يشهَدُ عليها مَن ذاقَ مَرارَتها، وعَلِمَ دَواخِل أصحابِها.
(1)
انظر «التنكيل» للمُعلِّمي (1/ 181).
(2)
«الدِّفاع عن الصَّحيحين دفاع عن الإسلام» للحجوي الفاسي (ص/116) بتصرف يسير.
يقول (لْيُوبلد فايْس)
(1)
إذ يبوح بنَوَايا قومِه مِن دندنتهم حول سُنَّة الإسلام:
«لقد كان مِن أقوى الأسبابِ الَّتي جَعَلت أحاديثَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وجَعَلَت جميعَ نظامِ السُّنةِ معها لا تجدُ قبولًا في يومِنا هذا: أنَّ السُّنةَ تُعارض الآراءَ الأساسيَّة الَّتي تقوم عليها المَدَنيَّة الغربيَّة مُعارَضةً صريحةً، حتَّى إنَّ أولئك الَّذين خَلَبَتهم لا يجدون مخرجًا مِن مَأزقِهم هذا إلَّا برفضِ السُّنةِ، على أنَّها غيرُ واجبةِ الاتِّباع على المسلمين، ذلك لكونِها قائمةً على أحاديث لا يُوثَق بها أصالةً ..
إنَّ العمَلَ بسُنَّةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم هو عَمَلٌ على حِفظِ كيانِ المسلمين، وعلى تَقَدُّمِهم، وإنَّ تركَ السُّنة هو انحلالٌ عن الإسلام؛ لقد كانت السُّنة الهيكلَ الحديديَّ الَّذي قام عليه صَرحُ الإسلام، وإنَّك إذا أزَلت هيكلَ بناءٍ ما، أفيُدهِشُكَ أن يتَقَوَّض ذلك البناءُ كأنَّه بيتٌ مِن وَرَقٍ؟!»
(2)
.
فكلُّ ما تسمَعه الآن مِن جَلَبةٍ وضوضاءَ حول توثيقِ الأحاديثِ وغَربلةِ مُتونِها، إنَّما غَرضُ أهلها ما ذَكرتُه مِن أساسِ القَضيَّة: انتقاضُ جِدارِ السُّنة، ليَصيرَ حِمَى الأمَّةِ مُستباحًا لكلِّ طامِعٍ في تَذيِيلِها أو إذلالِها؛ وذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ هم الأُمَّة، وهم نَقاوَتُها على وجهِ الحقيقة، والسُّنَّة الَّتي يَنتِسبُون إليها هي الاستحكاماتُ الخارجيَّة حول أسوارِ القرآن، فإذا تَمَّ تدميرُها، فدَوْرُ القرآنِ آتٍ بَعدها لا مَحالة! وذاك أمَلُ المُستشرقين والمُستغرِبين، وسائرِ أعداءِ الدِّين.
من شواهد هذه الحقيقة:
ما صدر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من مجموع دراساتٍ أمريكيَّة أعَدَّتها مؤسسَّة رَاند للأبحاث والتَّطوير - «العقلُ الاستراتيجيُّ الأمريكي» ، و «الذِّراعُ البحثيُّ للبانتاغون»! - من ضمنها تقريرٌ بعنوان: «الإسلام الدِّيمقراطي
(1)
مستشرق نمساوي أشهر إسلامه، وتسمَّى بـ (محمد أسد وايس)، وأنشأ بمعاونة (وِيليام بكتول) الإنجليزي -الذي أسلم هو الآخر- مجلة الثقافة الإسلامية في حيدر آباد سنة 1927 م، وكتب فيها كثيرا عن أخطاء المُستشرقين، من مؤلفاته:«أصول الفقه الإسلامي» ، و «ترجمة صحيح البخاري» ، انظر «المستشرقون» (2/ 291).
(2)
«الإسلام على مفترق الطُّرق» لمحمد أسد (ص/74 - 75، 81).
المَدنيُّ»، تضمَّن الخُطَّة الاستراتيجيَّة العامَّة الَّتي يَتعيَّن على الإرادة الأمريكيَّة تبنِّيها لأجل إعادة بناء الدِّين الإسلامي بما يَتوافق مع المَنظومة الفكريَّة الغربيَّة؛ خُطَّةً مَبنيَّةً أساسًا على «قطع مَوارد الأصوليِّين» -كما تُسمِّيهم- وإضعاف تأثيرِهم الدِّينيِّ في المُجتمعات الإسلاميَّة، ثمَّ «دعمِ الحَداثيِّين والعَلمانيِّين» مُقابل أولئك.
حوى هذا التَّقرير فصلًا كاملًا عن ضرورة هدم (المنظومة الحديثيَّة!) لدى المُسلمين، أو تطويعِها -على الأقلِّ- لتَتَماها مع الفكر الغربيِّ، ضمانًا لنجاح الخُطَّة المُقترحة لتحديث الإسلام وعَلْمَنته؛ عَنْوَنت هذا الفصلَ كاتبتُه
(1)
بقولِها المُستفزِّ: «حروب الحديث» !
فمِمَّا أثارَني فيه قولُها: «تتركَّز كثير من جهود إصلاح الإسلام حاليًا في الجدل الدَّائر حول أحكام وممارساتٍ معيَّنةٍ من صحيح الإسلام، والَّتي ينتقدها غير المسلمين، لكونها لم تعُد ملائمةً للعصر الحاضر؛ فالقرآن بوصفه الكتاب المُقدَّس -هو بوجه عامٍّ- .. فوق الانتقاد، لكنَّه مع ذلك قد ترك موضوعات كثيرةٍ لم يتناولها البتَّة، أو أشار إليها بشكلٍ مُجمل ..
فلذا دأَبَ أصحابُ الآراء المتعارضة -منذ الأيَّام الأولى لامتداد الإسلام- على صياغة أقوالهم وتفسيراتهم استنادًا للحديث النَّبوي في المقام الأوَّل .. وعِوَضًا عن آراء العلماء، ينبغي لجمهور النَّاس تمحيص أقوال العلماء وادِّعاءاتهم! ومعرفة مدى صحَّة استدلالهم بحديث من الأحاديث؛ .. إنَّه ينبغي تشكيل لجنة «نقض الحديث» [!]، لأجل مَن يطمحون لمجتمعات أكثر تسامحًا، تقوم على المساواة والدِّيمقراطيَّة»
(2)
.
وقبل هذا التَّقرير بعقودٍ مَضَت وَصاةُ مُفكِّري فرنسا مِن بعضِ يَساريِّيها لحكوماتِهم بضرورة نقلِ حربهم للمُسلمين إلى إشعال فتيل حرب فكريَّة بينهم!
(1)
أعني بها شيريل بينارد، وهي كاتبة وباحثة نمساويَّة متخصصة في العلوم السياسية، مهتمة بالمشرق الإسلامي، كانت من أهم مُحلِّلي مؤسسة راند حتى عام 2007 م، ترجمتها في آخر كتابها «الإسلام الديمقراطي المدني» .
(2)
«الإسلام الديمقراطي المدني - سلسلة تقارير مؤسسة راند» لشيريل بينارد (ص/97، 105 - 106).
بتحويل المعركةِ إلى داخلِ التُّراثِ الإسلاميِّ ذاتِه
(1)
، على أيدي مَن ينَتسِب إلى الإسلامِ نفسِه! فإنَّ شبهاتِ ذوي الجِلدة الواحدة أوقعُ في آذانِ المُخاطَبين مِن كلامِ عَدُوِّهم، وأقربُ إلى تَقبُّلِ أفكارِهم.
اقرأ شاهدَ هذا المَكر الكُبَّار كيف اصبغت به كلماتٌ لـ (عابدٍ الجابريِّ)، يوصي فيها أرباب الحداثة بـ «إنَّ التَّجديدَ لا يُمكن أن يَتِمَّ إلَّا مِن داخلِ تُراثِنا، باستدعائِه واسترجاعِه استرجاعًا مُعاصرًا لنا؛ وفي الوقتِ ذاتِه، بالحفاظِ له على مُعاصَرتِه لنفسِه ولتارِيخيَّته، حتَّى نَتمَكَّن مِن تجاوزِه مع الاحتفاظِ به، وهذا هو التَّجاوز العلميُّ الجَدليُّ!»
(2)
.
فعلى وِفق هذا الأسلوب صارَ الاتِّجاه السَّائد في الدِّراساتِ المُصادِمةِ للنَّصِ الشَّرعيِّ، يعتمِدُ على ذات النَّصِ للتَّخلُّصِ مِنه، يتظاهر تارةً بالشَّفقةِ مِن نسبتِه إلى الشَّارعِ لشناعتِه، وتارةً بلَيِّ معناه لعَصْرَنته؛ فأمَّا المُجاهرة برفضِ التَّحاكم إلى النُّصوصِ صراحةً، وإعلان المُحادَّاةِ التَّامةِ لأحكامِ الشَّريعةِ المُستخلصَةِ منها: فنهجٌ قد ضَعُف حضورُه كثيرًا في الآونةِ الأخيرة، لاستقباحِ العامَّةِ له، ومُصادمته المباشرة لفِطَرِهم.
هي إذن حَربٌ بالوَكالة!
قد نُصِبت فيها مَنابرُ مِن خُشُبِنا، يعتليها رجالٌ مِن جِلدتنا، يخطُبون بِأَلْسِنَتِنا، ويَهرفون في تُراثِنا بلُغةِ فُقهائِنا، هدمًا لدينِنا باسمِ دينِنا؛ وصدقًا قال عنهم ابن تيميَّة:«قد اتَّفق أهل العلم بالأحوال، أنَّ أعظمَ السُّيوف الَّتي سُلَّت على أهل القبلة: مِمَّن ينتسب إليها، وأعظمَ الفساد الَّذي جَرى على المسلمين مِمَّن ينتسب إلى أهل القبلة: إنَّما هو مِن الطَّوائف المُنتسبة إليهم! فهم أشدُّ ضررًا على الدِّين وأهله»
(3)
.
(1)
انظر تفصيلَ الخبر في «تجديد الفكر الإسلامي» لجمال سلطان (ص/32).
(2)
«مجلة المستقبل العربي» ، العدد 278، لسنة 2002 م، حاوره عبد الإله بلقزيز.
(3)
«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (28/ 479).
وطَعْنُ ذَوِي القُرْبَى أشَدُّ مَضرَّةً *** على الدِّينِ مِن حَربِ العُداةِ الأباعِدِ!
هذا هو حال الأنفس البَشريَّة في كلِّ زمانٍ، كامِنٌ فيها الشَّر لا محالة، سابحٌ بين جَنَباتِها هَواها كلٌّ منها بحسَبِه، يحبِسُها عن إظهارِه: الفِطرةُ، والدِّين، وخَشيةُ النَّاس؛ فإذا ما غَلَبها هَواها، وأمِنَت معه عقوبةَ السُّلطان: تَشَجَّعَت بالبَوْحِ بشرِّها الكامن، وجهرت بالدَّعوة إليه.
فلمثلِ هذه الحال النفسيَّة العجيبة الممزوجة بتخاليط الجهل ومُغالطات التَّفكير، يلتحقُ فِئامٌ مِن شبابنا بنابذي السُّنَن، مُناكفين لنَقَلتِها مِن أهلِ الفَضْلِ والمِنَنِ؛ «قد تَعالَوا علينا بضَخامةِ الألقابِ، مع فَراغ الوِطاب، يُوسِعون الدَّعاويَ العريضة، ويُجهِّلون العلماء الأُصَلاء، بآرائهم الهشَّةِ البتراء، وينصرون الأقوال الشَّاذة، لتَجانُسها مع عِلمِهم وفهمِهم، ويُناهِضون القواعدَ المُستقِرَّة، والأصولَ الرَّاسخة المُتوارَثة.
لم يقعُدوا مَقاعِدَ العِلمِ والعُلماء، ولم يَتَذوَّقوا بَصارَة التَّحصيلِ عند القُدماء، ولكنَّهم عند أنفسِهم أعلَمُ مِن السَّابقين»
(1)
، لظنِّهم أنَّهم مِن جُملةِ المُفَكِّرين!
فلقد جهِلَ المَساكينُ بأنَّ الثَّقافة والفِكرَ المُجرَّدَ لا يُخرِج الإنسانَ مِن الأُميَّةِ الشَّرعيَّة أبدًا؛ فإنَّما الفِكرُ تحليلُ المَعلوماتِ وتَقلِيبُها، فقليلُ العلمِ بمَ يُفكِّر أصلًا؟! وهل رزيَّتنا اليوم إلَّا مِن مُفكِّرٍ بلا عِلمٍ؟!
إنَّ مَن يَقرأْ تاريخَ المَذاهِب والنِّحَل قراءةَ مُقارِن، يُدرِكْ أنَّ كلَّ ضَلالةٍ هوَّشَ بها هؤلاء (المُفكِّرون) المُتأخِّرون، أصلُها أو مِثلُها كانت في السَّابقين؛ تَعَلَّقت بالإسلامِ كما يَتَعلَّق قَذَى الأرضِ بالعَجَلةِ، ثمَّ تَطويه بسَيْرِها.
لقد قَيَّد الشِّهرستانيُّ (ت 584 هـ)
(2)
لحْظَه لهذه العُلقةِ الفكريَّةِ قديمًا بين ما أُحدِث مِن مُعارَضاتٍ للنُّصوصِ الشَّرعيةِ في زَمنِه، وأصولِ المَقالاتِ المُبكِّرة في
(1)
«صفحات من صبر العلماء» لعبد الفتاح أبو غدَّة (ص/109).
(2)
محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: إمام في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، من أشهر كُتبه «الملل والنحل» ، انظر «تاريخ الإسلام» (11/ 941).
الإسلام، منبِّهًا على أنَّ هذا التَّوارث لتحريفاتِ الضُّلَالِ عادة قديمةٌ قِدَم الأديان، فقال: «إنَّ الشُّبهات الَّتي وَقَعت في آخرِ الزَّمان، هي بعينِها تلك الشُّبهات الَّتي وَقَعت في أوَّل الزَّمان، كذلك يُمكن أن نُقرِّر في زمانِ كلِّ نبيٍّ، ودورِ صاحبِ كلِّ مِلَّة وشريعةٍ: أنَّ شُبهات أُمَّتِه في آخرِ زمانِه ناشئةٌ مِن شُبهاتِ خُصماء أوَّلِ زمانِه مِن الكُفَّار والمُلحِدِين، وأكثرُها مِن المُنافقين.
وإنْ خَفِيَ علينا ذلك في الأمَمِ السَّالفةِ لتَمادي الزَّمان، فلَمْ يخفَ في هذه الأمَّة أنَّ شُبهاتها نَشأت كلُّها مِن شُبهاتِ مُنافقي زمنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ إذْ لم يرضوا بحُكمِه فيما كان يأمرُ ويَنهى، وشَرعوا فيما لا مسرحَ للفكرِ فيه ولا مَسرى، وسألوا عمَّا مُنِعوا مِن الخوضِ فيه، والسُّؤالِ عنه، وجادلوا بالباطلِ فيما لا يجوز الجدال فيه»
(1)
.
يُصدِّقُ هذا نصٌّ نفيس للشَّاطبيِّ (ت 790 هـ)
(2)
، ينعت فيه الزَّائغين القُدامىِ في «رَدِّهم للأحاديثِ الَّتي جاءت غيرَ مُوافقةٍ لأغراضِهم ومَذاهِبم، فيَدَّعون أنَّها مخالفةٌ للمَعقول، وغير جاريةٍ على مُقتضى الدَّليل، فيجب رَدُّها؛ كالمُنكرين لعذابِ القبر، والصراطِ، والميزان، ورؤيةِ الله عز وجل في الآخرةِ، وكذلك حديث الذُّبابِ ومَقْلِه، وأنَّ في أحدِ جَناحَيْه داءٌ وفي الآخرِ دَواءٌ، .. وحديث الَّذي أخذَ أخاه بَطنُه، فأمَرَه النَّبي صلى الله عليه وسلم بسَقْيِه العَسلَ، وما أشبهَ ذلك مِن الأحاديثِ الصَّحيحة المَنقولة نقلَ العُدولِ.
فربَّما قَدَحوا في الرُّواةِ مِن الصَّحابة والتَّابعين رضي الله عنهم، وحاشاهم، ومَن اتَّفق الأئِمَّة مِن المُحدِّثين على عدالتِهم وإمامتِهم، كلُّ ذلك ليردُّوا به على مَن خالَفهم في المذهبِ، وربُّما ردُّوا فتاوِيهم وقبَّحوها في أسماعِ العامَّة؛ ليُنفِّروا الأمَّةَ عن اتِّباعِ السُّنةِ وأهلِها»
(3)
.
(1)
«الملل والنِّحَل» (1/ 19).
(2)
إبراهيم بن موسى بن محمد أبو إسحاق: اللَّخمي الغرناطي المالكي، أصولي حافظ محدِّث، لغوي مفسر مع الصَّلاح والعفة، والورع واتباع السُّنة، من أشهر مؤلفاته «الاعتصام» ، و «الموافقات» ، انظر «شجرة النور الزكية» (1/ 332).
(3)
«الاعتصام» للشَّاطبي (2/ 32).
أفَلا تَرى أنَّ هذه المُناكفاتِ العِلميَّةِ للأخبارِ -مِمَّا ساق بعضَها الشَّاطبي- تَتكرَّر في زمانِنا هذا وزيادة، غير أنَّ أصحابَها يخدعون النَّاس بتجديدِ صِياغتِها وتجميلِ صُورَتِها في قَوالِب عَصريَّةٍ؟! وبنفسِ تلك الأساليب مِن الطَّعنِ في نَقَلَتِها ودَعاوي المُعارَضاتِ العقليَّة؟! ولِنَفسِ غَرَضِ النُّصرةِ للمَذهبِ أو الطَّائفةِ أوالتَّياراتِ الفِكريِّة؟!
إنَّ ما يقولُه هؤلاء المُعاصرون في الدِّين يكاد يرجعُ في أصولِه ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون، «بفرقٍ واحدٍ فقط: أنَّ أولئك الأقدمين -زائغين كانوا أم مُلحِدين- كانوا عُلماءَ مُطَّلِعين، أكثرُهم مِمَّن أضَلَّه الله على عِلْمٍ؛ أمَّا هؤلاء المُعاصرون: فليس إلَّا الجهل والجُرأة! وامتِضاغُ ألفاظٍ يُحسنونها، يُقلِّدون في الكُفرِ، ثمَّ يَتَعالَوْن على كلِّ مَن حاوَلَ وضعَهم على الطَّريقِ القويم»
(1)
.
وهذه حالُ مَن لا يفهمُ شأنَ السُّنةِ وتصاريفَ أخبارِها، مِمَّن لم يُوتَوا الآلةَ الَّتي بها يَفهَمُ ذلك؛ فإنَّما يكون البَلاء إذا ظَنَّ العادِمُ لها أنَّه أُوتِيَها، وأنَّه مِمَّن يَكمُل للحُكمِ على أسانيدِها، ويَصِحُّ منه القَضاء على مُتونِها، فجَعَل يَقولُ القولَ لو عَلِم غِبَّه لاسْتَحى منه! فأمَّا الَّذي يُحسِن بالنَّقصِ مِن نفسِه، ويَعلمُ أنَّه قد عُدِمَ عِلْمًا بالأخبارِ وحَلًّا لعَويصِها قد أوتِيَهما مَن سِواه، فهذا «نحن منه في راحةٍ، وهو رَجلٌ عاقلٌ، قد حمَاه عقلُه أن يَعدُوَ طَوْرَه، وأنْ يَتَكَلَّف ما ليس بأهلٍ له»
(2)
.
فالدَّاءُ كلُّ الدَّاء من هؤلاءِ المُتَعالِمين المُحْدَثين، الَّذين أعْدَوا بأمراض عقولِهم ما يُلامسون مِن آراء؛ بهَوى مُعدٍ يتمدَّد في الأفكارِ كتمدُّد العِلَل في الأبدان، يصير به صاحبه مُضطرِبَ المنهجِ، مُختلِطَ الطَّريقة، كثيرَ التَّناقُضِ فيما يُقرِّر؛ حتَّى يُوبِقه اضطرابُه هذا في مَهاوي الرَّدَى، وترمي به جهالاته في أوديةِ الباطِل.
(1)
حاشية حمد شاكر على «مسند أحمد» (6/ 523).
(2)
«دلائل الإعجاز» للجرجاني (1/ 549).
ومع ما تخبَّط به القوم في نقداتهم للتراث الشرعي، فلقد مَضَت تلك الأزمانُ الَّتي كان فيها كلامُهم في السُّنةِ سَبَهْلَلًا! يَرمون الأخبارَ على اختلافِ مَصادِرها ودَرَجاتِها كيفما اتَّفَق؛ فإنَّهم صاروا إلى قناعةٍ متجذِّرةٍ بأنَّ أصلَ السُّنةِ ورُوحَها، وأصَحَّ ما جُمِع مِن حديثِها مرقومٌ بين جنبات «الصَّحيحين» ، بما تناهى إلى سمعهم من كونهما الدَّرجة الثَّانية صِحةً وتشريعًا بعد كتابِ الله تعالى، وأنَّ عمومَ الأمَّة قد تَلقَّتهما بكمالِ الثِّقة، واعتبَرتهما مَدار العقائد لديها، فلا يَتمُّ تشريعٌ لفَقيهٍ دونهما، لعُلوِّ شروطِ الصِّحةِ في انتقاءِ أخبارهما، وللثِّقة العامَّةِ الحاصِلة لمُصنِّفيهما.
هذان المَغبوطانِ اللَّذان بَذلا حياتَهما لخدمةِ سُنَّة نبيِّهما عليه السلام، واللَّذان تمنَّى ملوك الأرضِ وأشارف النَّاس التَّجمُّلَ بصِفاتهما، والتَّحلِّي بسِماتهما، وثنيَ الرُّكَب في مَجالِسِهما.
فأمَّا أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ (ت 256 هـ)
(1)
:
فالشَّمس تَلَأْلؤ في سَماءِ المَجد والشَّرف، العبقريُّ الآخذُ من كلِّ فضلٍ بطرفٍ، قد وَهَبه الله تعالى بصيرةً نافذةً تكاد تخترقُ حُجبَ الغيبِ، ونفسًا سَماويَّةً مَحَّصَتها الفضيلةُ، فلم تعلَق بها الرَّذائل، ولا طارَت حولَها المَفاسد والأطماع، وذِكرًا بعيدًا تُردِّدُه الأقطار، وتُغضي مِن مَهابتِه الأبصار، وجلالًا تُطأطئ له الهامات، وحُبًّا مُبرِحًا تنعقدُ عليه قلوب المَلايين مِن المسلمين في مَشارقِ الأرضِ ومَغارِبها.
توجَّه البخاريُّ إلى طلب العلومِ في بُكورِه، فبَدَت عليه علائم الذَّكاء والبراعةِ في حذق ما يتلقَّاه؛ حتَّى إذا أكملَ حفظَ القرآن تَوجَّه إلى السُّنة ومَرويَّاتها، فاستَوْفى حفظَ حديثِ شُيوخِه البُخاريِّين، ونَظَر في الرَّأي، وقَرأ كُتُبَ عبد الله بن المُبارك (ت 118 هـ)؛ كلُّ هذا ولم يُجاوز عُمره المُبارك
(1)
انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (2/ 332)، و «تاريخ دمشق» لابن عساكر (52/ 50)، و «أعلام النبلاء» للذهبي (12/ 391).
ستَ عشرة سنة! ليَرْحل بعدُ إلى مُحدِّثي الأمصار، تقيِيدًا للعلم عنهم بخُراسان والعراق والشَّام والحجاز ومصر وغيرها، فانكبَّ النَّاس يَسمعون منه، وليس في وجهِه شَعرة!
بدا له بعد سنين التَّحصيل والتَّحديث أن يجمع الصَّحيح من الأخبار النَّبويَّة، لكلماتٍ مُقلقاتٍ تَدفَّقنَ من صدر شيخِه ابن راهوُيَه (ت 237 هـ)، يقول فيهنَّ لتلاميذه:«لو جَمعتُم كِتابًا مُختصرًا لصحيحِ سُنَنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم .. »
(1)
.
هذه الحروف اليسيرات أوقعنَ في قلبِ البخاريِّ مِن الهِمَّة ما لأجلهنَّ صَنَّف كتابَه الأعجوبة «الجامعِ المُسندِ الصَّحيحِ المُختصر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيَّامه» ، مُزيِّنًا له بأحسنِ المتون، مُتخيِّرًا له أضبطَ الرِّجالِ العدول، مَرفوعًا بذلك في مِعراجٍ لا يُلحَق؛ كيف لا، وقد وَصَله بالصِّلةِ الَّتي لا تُبلى: وهي الصَّلاة؟! فكان لا يَضعُ فيه حديثًا حتَّى يُصلِّي له ركعتين.
هذا؛ والعادة الغالبة جاريةٌ على أنَّ كلَّ مُصَنَّفٍ إذا كان الأوَّلَ في بابِه، جاء مَن بعده ليُصنِّفوا في ذاك الفنِّ، فيستدركوا ما أغفلَه الأوَّل، ويحسِّنوه، ويزيدوا عليه ما يُكمِل فائدتَه، حتَّى يكونَ أتَمَّ مِمَّا خَطَّه وأنفعَ؛ لكنَّ البخاريَّ -وإن كان أوَّلَ مَن صَنَّف الصَّحيحِ مُستقلًّا- لم يأتِ بعده مَن يُضاهيه، مع وَفرةِ مَن تَصدَّى لجمعِ الصَّحيحِ بعده.
(2)
.
(1)
«تاريخ بغداد» (2/ 322)، و «تهذيب الكمال» (24/ 442).
(2)
«نظرات على صحيح البخاري» لأبي الحسن النَّدوي (ص/7).
وأمَّا تلميذه أبو الحُسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريُّ (ت 261 هـ)
(1)
:
فردفُ شيخه إمامًا في الحديث بلا مُدافعة، بالغًا فيه الذَّروة؛ قد كان أبو زرعة وأبو حاتم الرَّازيان -على جَلالةِ قدرِهما في الحديث وإمامتِهما في العِلَل- يُقدِّمانِه في معرفةِ الصَّحيح على مَشايِخِ عصرهِما
(2)
؛ يكفيك شاهدًا على هذه الجلالة كتابُه «المُسند الصَّحيح»
(3)
، حيث انتخب أحاديثَه مِن ثلاثمائةِ ألفِ حديثٍ مَسموعة لديه مُدَّة خمس عشرة سنة
(4)
.
ومسلم -مع جلالته في هذا العلم- تلميذُ البخاريِّ وخرِّيجُه، قد كان يرفعُ شيخَه في هذا العلمِ على نفسِه؛ يُري النَّاسَ جِلسته «بين يَدَيْه كالصَّبيِ بين يَدَيْ مُعَلِّمِه»
(5)
؛ فلا غروَ أن يكون صحيح البخاريِّ مُقَدَّمًا على كتابِه، فإنَّما بنى مسلمٌ صحيحَه عليه، فعَمِل عليه شِبْهَ مُستَخرَجٍ، وزاد فيه زيادات
(6)
.
ولقد سيقَ في الثَّناءِ على مسلمٍ وكتابِه جملةٌ صالحةٌ مِن مَدائح أهل العلم، «بحيث إذا قوبِلَت بما قيل في البخاريِّ وفي كتابِه، كانت مُكافِئةً لها، أو راجحة عليها»
(7)
(8)
.
(1)
انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (15/ 121)، و «تاريخ دمشق» (58/ 85)، و «أعلام النبلاء» (12/ 577).
(2)
«تاريخ بغداد» (6/ 430)، و «تاريخ دمشق» (58/ 90).
(3)
بهذا سمَّاه به صاحبه مسلم، كما نقله الخطيب في «تاريخ بغداد» (15/ 121)، وصرَّح به الغسَّاني في كتابه «تقييد المهمل وتمييز المشكل» (1/ 53)، وكذا ابن الصَّلاح في «صيانة صحيح مسلم» (ص/67)، وبه سمَّاه الحاكم في عدة مواضع من «مُستدركه» ، انظر مثلًا (1/ 66، 1/ 162) منه.
(4)
«تذكرة الحفاظ» للذهبي (2/ 126).
(5)
«الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين» لابن المفضل المقدسي (ص/290).
(6)
نقله ابن حجر عن الدَّارقطني في «النكت على ابن الصلاح» (1/ 286).
(7)
«المفهم لمِا أشكل من تلخيص كتاب مسلم» لأبي العبَّاس القرطبي (1/ 20).
(8)
«تهذيب التهذيب» (10/ 127).
والَّذي تُحصِّله مِن جملة ما تطالعه من ترجمةِ هذين الإمامين: أنَّهما بحقٍّ في الحديثِ فَرَسا رِهانٍ، وأنْ ليس لأحدٍ بمُسابَقَتِهما ولا مُساوَقَتِهما يَدَان! قد تَمَّ لهما في كتابَيهما أوفرُ النَّصيبَيْن، وانعقدَ الإجماعُ على تَلقيبِهما بـ «الصَّحِيحَيْن» ؛ فجزاهما الله عن الإسلام أفضلَ الجزاء، ووَفَّاهما مِن أجرِ مَن انتفَعَ بكِتابَيهما أفضلَ الإِجزاء.
فلمَّا كان للشَّيخينِ هذه القَدَم الرَّاسخة في التَّحديث، وكان لكِتابَيهما الحظوةُ العُظمى فوق كلِّ مُصَنَّف في الحديث، توجَّه إليهما بالعداوة مَن في صدرِه حرجٌ مِن السُّنَة، لعلمِهم بأنَّ نَقضَهما نَقضٌ لسَائِر دواوينِ الحديثِ تَبعًا، وأنَّ إسقاطَ المنهجِ النَّقديِّ الَّذي ابتنياه عليه إسقاطٌ لمنهج المُحدِّثين رأسًا.
فاسمع أحدَ أعدائِهما يُحرِّض عليهما الدَّهماءَ فيقول: «إنَّ استبعادَ أيَّ حديثٍ في البخاريِّ، يعني استبعادَ عشرة أحاديث موضوعةٍ موجودةٍ ومُثبتةٍ في كتبِ السُّنة الأخرى! وبعضها أسوأُ بكثيرٍ ممَّا جاء في البخاريِّ وأكثر انتشارًا؛ إنَّ استبعادنا لأحاديث أقوى منها، يستتبِعُ بالتَّبعيَّةِ استبعادَها، وسيُمهِّد عَمَلُنا هذا الطَّريقَ لأنْ يأتي بعدنا مَن يَتَقصَّى كتبَ السُّنة الأخرى، ويُجهز على البقيَّةِ الباقية»
(1)
.
وأشاح آخرُ عن وجهِ تقصُّدِه لنقضِ صرحِ هذين الكِتابين، بأن قال:«أصبحَ صحيح البخاريِّ وصحيح مسلم مَدار العقائد عند أهل السُّنة، وهذه الأمور هي الَّتي دَعَتْنا إلى البحثِ والتَّنقيبِ في الصَّحيحين، وكشفِ حقيقتِهما وماهيَّتِهما»
(2)
.
بل صرَّحَ رافضيٌّ آخرُ بنتيجةٍ أخطَر تَعقُب استهدافَ «الصَّحيحين» ، حيث بَشَّرَ أهلَ مِلَّتِه «بأنَّ هذين الكِتابين إذا سَقَطا، لم يبقَ لأهلِ السُّنة إلَّا اتِّباعَ مَذهبِ الشِّيعةِ الإماميَّة» !
(3)
(1)
«تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» لجمال البنَّا (ص/13).
(2)
«أضواء على الصَّحيحين» لصادق النَّجمي (ص/60 - 61).
(3)
وهذه النَّتيجة الَّتي خَتَم بها محمَّد تقي الصَّادقي القسمَ العاشرَ من كتابه «الشِّيعة في ميزان صَحيحي أهل السُّنة» ، طبع دار الصَّادقين للنَّشر - بيروت.
وأمَّا عَلمانيُّو العَرب: فلأنَّهم جَهَلةٌ بدَقائقِ علمِ الحديث، وقواعدِ الجرحِ والتَّعديل، عَجَزةٌ عن فقهِ أسبابِ صحَّةِ الحديثِ أو ضعفِه، وسلوكِ مَضايقِ علومِ الإسناد، لم يَعُد لهم مِن خَيارٍ للخروج مِن هذه التَّراتيب المُعقَّدة إلَّا الولوغ في حِياضِ متونِ «الصَّحيحين» ؛ وذلك -حسب ما يقولُ (عبد الجواد ياسين) - «لأنَّ البخاريَّ ومسلمًا يجُبَّان ما دونهما مِن الكُتب في مفهومِ أهل السُّنة، سوف نُحاول التَّركيز على مَرويَّاتهما فى هذا الصَّدد»
(1)
.
والَّذي يظهر لكلِّ مَن تتبَّع إنتاجات هؤلاء في غارتهم على السُّنة، أنَّ اشتدادَ مُحاولاتِ التَّطويرِ واستهدافِ «الصَّحيحين» في ظروفِنا الرَّاهنةِ «يُمثِّل عَمَلًا مُنَظَّمًا تكمُن خلفَه قِوىً مُعيَّنة؛ فقد تَتابَعت المُؤلَّفات في هذا الموضوع»
(2)
، وتواترت المَرئيَّات فيه على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ.
فمن قريبٍ فوجِئنا بمُؤسَّسة أمريكيَّة رَسميَّة كبيرةٍ بحجمِ (الكونْغرس) تُهاجِم «صحيحَ البخاريَّ» عبر عُملائها العرب، في مَقطعٍ مَرئيٍّ صفيق أسمته «حقائق صادمة عن البخاريِّ» ! مُنتِنٍ بالأغاليطِ الكاذبةِ عبر مِنْبرِها الإلكترونيِّ (أصوات مَغاربيَّة)
(3)
.
وهي أيضًا مَن يدعمَ برنامجين تلفزيَّين على قناتِها (الحُرَّة)، أوَّلهما باسم «إسلام حرٌّ» لإسلام بحيري المصريِّ! الوالهِ بغمز البخاريِّ والطَّعن بأهل الحديث؛ وثانيهما «مُختلَف عليه» ، يقدِّمه الإعلاميُّ إبراهيم عيسى! ليس له همٌّ فيه إلَّا إسقاط الرُّموز وتوهين الثَّوابت الإسلاميَّة؛ قد خصَّص منه حلقةً كاملةً للتَّشكيك في مصداقيَّة البخاريِّ وجدوى «صحيحِه» .
(1)
«السلطة فى الإسلام» (ص/292)، وانظر «دين السلطان» لنيازي (ص/103 - 113).
(2)
«مرويات السِّيرة» لأكرم العمري (ص/41).
(3)
وهو موقع يُشرف عليه مجلس أمناء البثِّ الإذاعي والتلفزيوني BBG، وهي وكالة فيديراليَّة أمريكية مستقلة، بتمويل من الكونغرس الأمريكي، كما أنَّه تابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN التي تُدير قناة (الحُرَّة)! والمَقطع المَرئي عن البخاريِّ نشرته على جميع منصَّاتها الإلكترونية، بتاريخ 31 يناير 2018 م.
وتلك مَحكمةٌ رُوسِيَّةٌ تَتَريَّة، أصدرت قبل بضع سَنواتٍ حُكْمًا يُصنِّف «صحيح البخاريِّ» ضمنَ الكُتبِ المُتطرِّفة المَحظورة! بدعوى «أنَّ أحاديثَه مُثيرةٌ للكَراهيَّةِ العِرْقيَّةِ والدِّينيِّة، ومَنَعَت تَداوُلَه»
(1)
.
بل والمَلاحِدة الصُّرحَاء! لم يتركوا «الصَّحيحين» لحالِهما شأنًا خاصًّا بالمُسلمين، حتَّى زاحموا مَن مَضى ذكرُهم على رَميِ سهامِ التَّشكيك صوبَهما؛ كحالِ (إسماعيل أدهم)
(2)
المُجاهر بإلحاده بعد إسلامه، حيث أطلق دعوى عريضةً في حقِّ الصَّحيحين، يتَّهم مرويَّاتهما بأنَّها «ليست ثابتةَ الأصولِ والدَّعائم، بل هي مَشكوك فيها، ويغلبُ عليها صِفةُ الوَضع!»
(3)
.
الأعجبُ مِنه: غلامٌ مُلحد
(4)
يخرج مِن بَلدِ الأزهرِ في تسجيلٍ مَرئيٍّ، انتشرَ على وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ انتشارَ النَّار في الهَشيم؛ يُبشِّر الغِرُّ فيه المُسلمين بانقضاءِ عهدِ البخاريِّ؛ فلقد حَشَر أنفَه فيما لا يفهَم، فأتى بطَوامٍ عن البخاريِّ وسيرتِه بما لم يُحسِن فيه نُطقَ اسمِه كاملًا نُطقًا سليمًا!
فوا أسَفي على كثرة مَن يغترُّ بمثل هذا الكذوب من مُراهقي الفكر في أيَّامنا النَّحسات؛ ترى أحدَهم مُتذبذبًا بين مواقع الشَّبكاتِ، فارغَ القلبِ، مهزوز النَّفس، قابلًا للتَّشكيكِ في ثوابتِ أمَّته، في علمِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وأئمَّةِ العلمِ، في نَسْفِ جهودِ الأمَّة عبر تاريخها المديد، لمُجردِّ دقائقِ معدودةٍ قضاها في استماعِ مثل هذا السَّفه!
(1)
انظر الخبر على جريدة «سَبْق» الإلكترونية السعودية، بتاريخ 18 ذو الحجة 1435 هـ.
(2)
إسماعيل بن أحمد باشا أدهم: شُعوبيٌّ، عارف بالرياضيات، له اشتغال بالتاريخ، تركي الأصل، وأمه ألمانية، وُلد بالإسكندرية، وتعلم بها وبالأستانة، ثم أحرز (الدكتوراه) في العلوم من جامعة موسكو سنة 1931، وعاد إلى مصر سنة 1936 فنشر رسالة بالعربية «من مصادر التاريخ الإسلامي» صادرتها الحكومة، وكتابا وضعه في (الإلحاد)، وقد وُجد مُنتحرًا بالإسكندرية سنة 1940 م! انظر «الأعلام» للزركلي (1/ 310).
(3)
نقله عنه د. محمود الطَّبلاوي في بحثه المُسمَّى «الدفاع عن السنة النبوية وطرق الاستدلال» ضمن «مجلة البحوث الإسلامية» (28/ 302)، وانظر «السنة ومكانتها في التشريع» لمصطفى السباعي (ص/237).
(4)
يُدعَى (جابر شريف)، له قناة معروفة على موقع «اليوتيوب» باسمه.
أهذا إنسان يحترم عقْلَه؟! أمَا كان الأجدَرَ بمثلِه أن يخلعَ لبوسَ الغُرورِ والاعتداد بعقله قبل أن يَتعَلَّم -هذا إن تَواضَع وقَبِلَ التَّعلُّم-؟ فإنَّ هذا الغرورَ الَّذي فَشا في شَبابِنا اليوم، فأباحَ لهم الكلامَ في كلِّ شيءٍ، هو حقًّا كالخَمْرَةِ! قد غيَّبت عقولَهم عن رؤيةِ الحقائق والتَّريُّثِ في استصدارِ الأحكامِ.
لكنْ لا والله ما رأيت هؤلاء المَلاحِدة يتجرَّؤون على أن يَسخروا جِهارًا بالصَّحيحين، أو يَستَفِزُّوا المُسلمِين بشَتْمِ الشَّيخين كما رأيته من بعض مَن يَنسِب نفسَه إلى الإسلامِ، بل إلى العلمِ الشَّرعيِّ! خطيبِ مُعمَّمٍ يُلزقُ نفسَه الأمَّارةَ بالأزهر، يجهر بكلِّ قِحةٍ على قنواتِ الإفك بقوله:«إنَّ البخاريَّ مَسْخَرةٌ لا مَفْخَرة»
(1)
! لكن الأزاهِرةُ الشُّرفاء مِن مثل هذا الدَّعِيِّ بَراءٌ، بل والمِصْرِيُّون الأفاضل كلُّهم، فقد نَبَذوه بخِزْيٍ في آخرِه نَبْذَ الحِيَضِ
(2)
.
الأدْوَى عندي مِمَّا مَضى؛ أن أرى عَدْوى الاستطالةِ على «الصَّحيحين» تفشو بين المُنتَسِبين للسُّنَّةِ أنفسِهم، تحت وَطْأةِ الضُّغوطِ النَّفسيَّة، والإِرجافِ الأَثيم الَّذي يُجابِهُ أَهل السُّنة، بوَصفِهم بِشِنَعِ التَّعيِير، وسَيِّئِ الألقابِ؛ من مثلِ رَمْيِهم بالتَّخلُّفِ، والرَّجعيَّة، وعبادةِ البخاريِّ، والبَداوَةِ الفكريَّةِ، والنُّصوصيَّةِ، والظَّلامِيَّةِ، والسَّلفَوِيَّة، والأصوليَّة .. إلخ تلك الشِّنَعِ الفَجَّةِ، والأَوصافِ الأثيمَةِ، التي أَجلبَ بها أَهلُ الأَهواء على السَّائرين على السَّنَنِ الأَبْينِ في الاعتقادِ والسُّلوك، ورَاوَدُوا بها أَهلَ الحقِّ عن اعتقادِهم المُنبعِثِ عن يقينٍ بصِحَّةِ أصولهِم.
فكان مِن جرَّاء هذه الوطأةِ الأثيمة، أَنْ وَقَعَ في شِراكِ إِجْلابهم فِئامٌ، وصُرِعَ في زَوْبعةِ خَوضِهم أَقوامٌ؛ اقتَضى بيانَ أنَّ ذلك الإِجلابَ إنَّما هو جَوْلةُ باطلٍ، متى لَقِيَ في طريقِه الحقائقَ تكتنفُها البراهين زالَ واضْمَحلَّ.
(1)
أعني به محمد عبد الله نصر، المعروف بالشَّيخ ميزو! انظر جريدة «اليوم السابع» المصرية، عدد: الأحد، 10 أغسطس 2014 م، و «جريدة الوفد» المصرية، عدد: الجمعة، 08 أغسطس 2014 م.
(2)
حتَّى أعلن قريبًا في منشور له على (الفيسبوك) عن توبته من السَّير على نهج الحداثيِّين في تفريغ الدِّين من لُبابه، وأنَّ منظَّمات غربيَّة كبرى سَعَت في رشوته ليُكمل هدمَه للدِّين كما كان، لكنَّه رفض!
ولولا أنَّ الحقَّ لله ورسولِه، وأنَّ كلَّ ما عَدا الله ورسوله فمَأخوذٌ مِن قولِه ومَتروك، وعُرضَةٌ للوَهمِ والخطأِ، لمَا اعترَضْتُ في هذا البحثِ على مَن لا ألحقُ غُبارَهم، ولا أجري معهم في مِضمارهم مِن بعضِ علماء عصرِنا ودُعاته الفُضلاء مِمَّن نَقَدْتُّهم في هذا البحث، فبيَّنتُ بعضَ خطلِهم في تعليلِ ما هو أصيلٌ في الصِّحة.
فوالله إنِّي لأتعقَّبهم في بعضِ تلك الهَنات، وإنِّي لأراهم فوقي في أعلى المَقاماتِ، ومَنازل السَّائرين كالنُّجومِ اللَّامِعات؛ فمعاذَ الله أن أسوِّيهم بالمُبتدعة الضُّلال المُناوئين للأحاديث النَّبويَّة! غير أنِّي رأيتُ القدحَ في الصِّحاحِ ليس أمرًا هَيِّنًا، والذَبَّ عنها لازِمًا مُتعيِّنًا؛ على سَنَن الحكماءِ في أنَّ «حِراسةَ العِلْمِ، أوْلى مِن حِراسةِ العالِم»
(1)
.
فإنَّ في السُّكوتِ عن مثلِ أولئك الأفاضِل إجلالٌ، نعم؛ لكن خيانةٌ للعلم! فلم يكُن بدٌّ «مِن وجودِ نِيَّةِ تَتَبُّعِ السَّقْطاتِ والأخطاءِ في هذا المجالِ، بل لعلَّه مُثابٌ صاحبُه عليه، لأنَّه مُنافَحةٌ عن الحقِّ»
(2)
.
أَهمية الموضوعِ، ودوافعُ اختيارِه:
فلأجل ما تَقَدَّم سَوقُه مِن مَخاطر تُحدق بالسُّنةِ عبر استهدافِ «الصَّحيحين» ، رأيتُ مِن واجبِ الوقتِ، وحَقِّ الدِّيانةِ: النُّهودَ إلى مُراغَمَةِ تلك الأَهواءِ المُضَلِّلةِ، والفِتَنِ المُتماحِلةِ؛ بِنُصرةِ السُّنَن الهادِيات، ودفْعِ ما يُعارضُها مِن شُبَهِ المَعقولاتِ، وإِزهاقِ ما يُناقضها مِن أَغاليطِ السَّفسطات، وتقويم مَن زلَّ فيها مِن ذَوي الهَيئات.
فإنِّي لازلتُ -بفضلِ الله تعالى- مُذ قَرَّت عَيْني بسلوكِ طريقِ العلم ودُروبِ الإصلاح على ثَلَجٍ من أنَّ الفاشلَ في تأمينِ حدودِه الفكريَّة، هو لتأمينِ حدودِه الجُغرافيَّة أفشلُ! وأنَّ حمايةَ الثُّغورِ العَقَديَّةِ والفِكريَّةِ الَّتي يُحاصِرُها الأعداءُ، خَيرٌ
(1)
«البصائر والذخائر» لأبي حيَّان التَّوحيدي (9/ 20).
(2)
«نُقل النَّديم» لمحمد الأمين بوخبزة (ص/6 مخطوط).
وأوجَبُ مِن تحقيقِ كثيرٍ من المسائل الخِلافيَّةِ الَّتي يَسوغُ فيها الاجتهادُ، وأهَمُّ مِن استغراقِ الأوقاتِ في دراسةِ جُزئيَّاتٍ ضَعيفةِ الثَّمرةِ في واقِعنا المَرير، لا يكادُ يُخرَجُ منها بجديدٍ مُبتَكَر، أو مُفيدٍ مُعتبَر، مِمَّا يَدخلُ أكثرُه في بابِ التَّرَفِ العِلميِّ.
واختيارُ المَرءِ دليلٌ على عقلِه، وأمارة على صائب نَظَرِه.
لكن الحالُ أنَّ الحروب الفكريَّة التَّي يُراد للشَّبابِ الغَيورِ خوضَها في هذا الزَّمانِ أكثرُها على مَن لا يختلِفون معهم في أصولِ مُعتَقدٍ، ولا كُلِيَّات منهجٍ؛ بل كثيرًا ما نَرى راياتِ الجهادِ بينهم تُقام على تفاريعَ لن يَزولَ الخلافُ عنها إلَّا بنزولِ المسيح عليه السلام! قد وَسَّعَ الله في أَخذ ما اطمأنَّت إليه النَّفسُ من غير عَصَبيَّةٍ تُفضي إلى ظُلمٍ أو خُصومةٍ.
أو نراهم يُطيلون في بحثِ موضوعاتٍ مَطروقةٍ حدَّ الإملال، لا تُعايش هموم زمانِنا، فيُعيدون مَسائلَها جَذَعَة، وهُم يَتغاضَون عن عشرات النَّوازل المُوَلَّدة المُهِمَّة، يتركونها تندبُ حَظَّها الذَّليل، غُفلًا عن التَّحقيقِ والتَّعليل.
ثمَّ بلَغَ الانحرافُ بسبيلِ الفكرِ والعلمِ مَداه حين صار التَّدابر بين المُتشَرِّعةِ والتَّرامي بينهم بالرُّدودِ لأجل وفاقِ شيخٍ أو خِلافِه! .. وهكذا فلْتُسنزفْ طاقاتُ شبابنا وأعمارُهم في المعركةِ الخطأ! مع العَدوِّ الخطأِ! في الوقتِ الَّذي نرى فيه عدوَّنا الحقيقيَّ الأكبرَ ينهَشُ جسَدَ أمَّتِنا مِن جميعِ أطرافِها وأطيافِها.
فلأجل ما آلمني من هذا المُصاب كلِّه: أتيتُ بهذا المَرقومِ تَأخِّيًا لتلك المَقاصِد الكُبرى، أتَغيَّا به لَبِنةً مُتواضِعةً مِن لَبِناتِ النِّزَالِ مع الباطل، وحَلْقةً تَتَّصِلُ أَسبابُها بأسبابِ تلك الصَّحائف المُباركةِ الَّتي خَطَّها أَئمَّةُ أهل السُّنَّة، باستحياءِ مَناهجِهم، وتوظيفِ كُلِّياتِ طَرائقِهم، قد وَسَمتُه بـ:
«المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لأحاديثِ الصَّحيحين - دراسة نقديَّة» .
رأيتُ أن أنقُدَ في طيَّاته ما يَزعُمه بعضُ أهلِ عصرنِا مِن تَوغُّلِ الكذبِ في هذين الثَّقَلَيْن، عَصَبيَّةً لهما لا تُخِلُّ بدينٍ ولا مُروءةٍ، وحَميَّةً لصاحِبيهما لا تُعَدُّ -بحمدِ الله- مِن حَميَّةِ الجاهليَّة.
فما عَليَّ مِن حَرجٍ في هذا المبدأِ أنْ استصحبه في ثنايا البحث، فإنَّ «الخُلوَّ مِن المُسلَّماتِ في أيِّ مَجالٍ أمرٌ مُتعذِّر»
(1)
(2)
.
وبِهذا الَّذي تَقدَّم جميعُه، أستطيع أن أُجلِيَّ أَهمِّيةَ الموضوعِ المَطروقِ في هذا البحث في الأمورِ التَّالية:
الأول: أنَّ في دراسةِ هذا الموضوعِ إعلاءً للسُّنَّةِ، وإحْلالًا للتَّعزيرِ لها والتَّعظيمِ مكانَ الرَّدِّ لها والتَّحطيم، ودَفْعًا في صدورِ الَّذين يَتناولون سُنَّة المُصطفى صلى الله عليه وسلم ومُصنَّفاتِها بِنَفَسٍ مَشُوبٍ بمَرضِ التَّجهيلِ والتَّعطيلِ.
فكان هذا البحث تحقيقًا لهذه النُّصرةِ، وحِياطةً لمَعاقِل الاعتقادِ ودلائل الشَّريعةِ مِن أنْ تُكَدَّر بما هو في حقيقتِه أَجنبيٌّ عنها، محبَّةً منِّي في مُعايشةِ السُّنةِ والتَّفيُّؤِ بظِلِّها الوارِف، والتَّشرُّفِ بالذَّودِ عنها، وسَوْءِ مَن أرادَ حدِيثَها بسُوءٍ، على قولِ الحُميديِّ -شيخِ البخاريِّ-:«والله لأَنْ أغزُوَ هؤلاء الَّذين يَردُّون حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أحبُّ إليَّ مِن أنْ أغزُوَ عِدَّتَهم مِن الكُفَّار!»
(3)
.
وفي هذا البحثِ مِن السَّابغاتِ الرَّادِعاتِ عن حِمى السُّنة، ما أرجو أن أبلُغَ به نزرًا يسيرًا من هِمَّةِ الحُمَيديِّ (ت 219 هـ)، يقينًا منِّي بـ «أنَّ بيانَ العِلمِ والدِّينِ عند الاشتباهِ والالتباسِ على النَّاسِ، أفضلُ ما عُبِدَ الله عز وجل به»
(4)
.
الثاني: دَفْعُ عجَلةِ الرُّقيِّ الحضاريِّ للأُمَّةِ عامَّة؛ فإنَّه مَتى اطمأنَّت القلوبُ بسَلامةِ ما انعقَدَت عليه، انبعَثَتْ الجوارحُ إلى إِعمارِ الأَرضِ على وِفقِ ما يُرضِي الله تعالى؛ ذلك أنَّه «متى زاغَت العقائدُ، كانت أَعمالُ صاحبِها بمَنزلةِ مَن يَرْمي عن قَوسٍ مُعوَجَّةٍ، أو يَرمي برُمحٍ غيرِ مُستقيم»
(5)
.
(1)
«بؤس الدَّهرانية» لطه عبد الرَّحمن (ص/32).
(2)
«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (2/ 69).
(3)
«ذم الكلام وأهله» للهروي (2/ 71) بتصرف.
(4)
«الرَّد على السُّبكي في مسألة تعليق الطَّلاق» لابن تيميَّة (2/ 678).
(5)
«الدَّعوة إلى الإصلاح» لمحمد لخضر حسين (ص/121).
وإذا كان في الأنابيبِ خُلفٌ *** وَقَعَ الطَّيشُ في صُدورِ الصِّعادِ
الثالث: أَنَّ فيه تجليةً للحقِّ، وإِمعانًا في تحقيقِ إحدى كُليَّاتِ الاعتقادِ الَّتي لَهَج أهلُ السُّنة بتقريرِها: مِنْ أنَّ الرُّسل قد تأتي بِمحاراتِ العقول لا بمُحالاتِها، وتوظيفًا للأُصولِ الرَّاسخةِ المُحْكَمةِ الَّتي قَرَّرها أئمَّةُ السَّلَف الصَّالحين رحمهم الله، وذلك بتخريجِ آحادِ وأعيانِ النُّصوصِ المُدَعَّى مُعارضُتها للضَّرورة العقليَّةِ أو العِلميَّة أو التَّاريخيَّة، على تلك القواعدِ والأُصول، وذلك مِن الأَهميَّة بمَكان! إذْ القواعدُ لا تُتَصَوَّرُ إلَّا في الأَذهانِ، وإِعمالُها على آحادِ النُّصوص هو المَقصود.
الرابع: بيانُ أنَّ حَظَّ أَهلِ السُّنة مِن مَوارِدِ العقولِ أَتَمُّ الحظِّ وأَعلاه، وأَنَّ مَن خَالَفَهم إِنَّما يرتكزُ على جَهالاتٍ يَظُنُّها مَعقولاتٍ، وشُبهات يَحسِبُها حقائقَ جليَّاتٍ، فدعوى مُعارضة الضَّرورة العقليَّةِ للدَّلائل النَّقلية أَشْبَهُ بالظَّرْف الخالي، كوَميضِ برْقٍ يخطِفُ أَبصارَ مَن أَراد اللهُ فِتنتَه؛ حتَّى إذا قَرَّت الأُمورُ قرارَها، وعَطفتِ الفروعُ على أُصولِها؛ أَلفَيْتَها مُطَّرَحةً مع نظائِرها مِن أَصنافِ الباطل؛ لنتيقَّن أنَّ كلَّ دَعيٍّ في هذا الدِّين مُفتضَح، والله لا يأتَمِن المُفلِسين على وَحْيِه.
الخامس: المُساهمة في حلِّ مشاكِلنا الفكريَّة الواقعيَّة، لا مشاكل افتراضيَّةً بعيدٌ زمانُها أو حصولها؛ فَوَا فَرَحي حين أرى «حُجَّةً تتبختَرُ اتِّضاحا، وشُبهةً تَتَضاءلُ افتِضاحًا»
(1)
؛ على أنِّي لا أدَّعي تقصُّدي فيه لرؤوسِ أهلِ الانحرافِ المعاصرين أصالةً، بقدرِ ما أحنو إلى تحصينِ أهلِ السُّنةِ أنفسِهم، واستتابةِ ذيولِ الباطلِ الوالِغة في الوَحيِ بجَهالةٍ وتقليدٍ، ونفضِ غُبارِ الشَّكِ والتَّردُّد عن بَصائرِ الحيارَى مِن شبابِ المُسلمين.
السادس: أنَّ تَعلُّم الأفكارِ الدَّخيلة في الدِّين، والأصول الهدَّامة له، مع علمٍ يُحصِّن مِن عَدواها: واجبٌ لحمايةِ العامَّة، فإنَّ أكثرَ النَّاس حصانةً في دينِه
(1)
«الكشَّاف» للزمخشري (1/ 37).
وفكرِه، مَن عَرف فِكرَ المُخالفين كما يعرفُ فِكرَ المُآلِفين، كي لا تشتبِه عليه السُّبُل.
فكذا كان الأمر معي! فإنَّ هذا البحثَ -بفضل الله- ممَّا قد زادَني الله به هُدًى وإيمانًا بصِحَّةِ أصولِ أهلِ السُّنةِ، إذ «أنَّ فسادَ المُعارِضِ مِمَّا يُؤيِّد معرفةَ الحقِّ ويُقوِّيه، وكلُّ مَن كان أعرفَ بفسادِ الباطلِ، كان أعرفَ بصِحَّةِ الحقِّ»
(1)
.
السابع: التَّحذيرُ مِن أنَّ وقوعَ الطَّعنِ فيما هو في أَعلى مَراتبِ الصِّحةِ مِن الأخبارِ النَّبوية، مُمثَّلًا ذلك في «الصَّحِيحَين» ، مُؤْذِنٌ بخَطَرٍ عظيمٍ على مَعاقِد الدِّين وأُصولِه، ودليلٌ على شِدَّةِ انحرافِ الخائِضين فيهما، وعدمِ مُبالاتهم بما هو في مَنأى عن الطُّعونِ عند علماءِ الأمَّة.
الثامن: وجودُ مَن يبعثُ الحياةَ في رُفاتِ هذه الوَساوِس على «الصَّحيحين» في عَقدِنا هذا؛ باتِّخاذِ قنواتٍ شَتَّى، ووسائلَ عديدةٍ؛ مِمَّن يَتربَّعون على كراسي التَّدريسِ في الجامعات، أو يتَصدَّرون برامجَ الإرشادِ في القَنوات بخاصَّة، ومِن أشدِّ ذلك كيْدًا: تَوافُر نَفَرٍ مِن الطَّاعنين على مَشَاريعَ تُبذَل فيها أَعمارُهم، وتُقضَى فيها أنفاسُهم، وتُحقَرُ فيها مَلذَّاتُ الدُّنيا في سبيلِ تفكيكِ الدِّين وهَدمِه.
الآلَم مِن ذلك: اتخاذُ الجامعاتِ مَسَاجدَ ضرارٍ لتفريغِ هذا الفِكر الماديِّ، مُتمثلًا ذلك بسِلسلةٍ مِن الأَطاريحِ الجامعيَّة الَّتي يُشرِف عليها أولئك المُستغرِبون، مُتناولةً السُّنةَ وعلومَها بأَقلامٍ حِدادٍ، حتَّى أضْحَت نَهْبًا لهذا الفريقِ المَسلوبِ، الخائضِ بهَوًى جامحٍ، وشَكٍّ مُغْرِقٍ.
ومع أنِّي قد ذكرتُ أنَّ كثيرًا مِن مُعارضاتِ المُعاصرين مسوخٌ عن شبهاتِ الأقدمين، لكنَّها تتجدَّد في هذه السَّنوات الخدَّاعات بتنوُّع مواردها في شتَّى الصُّور! حيث استدعى أصحابُ الغارة على السُّنة علومًا أخرى، كعلوم التَّاريخِ والطَّبيعة والطِّب والفَلَك، وسائرِ العلومِ الحديثة؛ فكان واجبًا على المُتِّبع المُنافح عن دينِه تجديد النَّظر في شُبهاتهم، لتجديد الرَّد عليها وبيانِ زيْفِها.
(1)
«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (5/ 258).
التاسع: أنَّ استعانةَ المُعترضين على السُّنَن بهذه العلومِ الحديثة، استدعى منِّي نَظرًا آخرَ يَنضافُ إلى ما سَبَق مِن أَنظارِ العلماءِ السَّالِفين، وتسلُّحًا بمُعطياتِ العلوم الإنسانيَّة والتَّجريبيَّة المختلفةِ، وفي هذا توسيعٌ لمَداركي المَعرفِيَّة الحديثة، بما يجعلُني مُواكبًا لعصري، فاهمًا لتَحدِّياتِه، حَلَّالًا لمُشكلاتِه.
فضلًا عن كونِ هذه المُعارضاتِ لأحاديث «الصَّحيحين» لا تتعلَّق بمَوضوعٍ محدودٍ بعَينِه، فرِماحُ شُبهاتِها مُسلطة على أحاديثِ التَّفسير، والعقيدة، والفقه، وغيرها مِن علوم الشَّريعة، مِمَّا تَطَّلب مِنِّي فهمًا جيدًا لهذه العلوم، وإلمامًا مَقبولًا بمُصَنَّافتِها، مَطبوعِها ومَخطوطِها.
فكان هذا النَّجيز -وإن بَدا للوهلةِ الأولى مُتخصِّصًا في الحديثِ وعلومِه- قد عالجتُ فيه لزامًا مِن علومِ الشَّريعةِ الأخرى وأصولِ فقهِها ولُغتِها، والعلومِ المنطقيَّة والتَّجريبيَّة، ما أمكنني به رَدّ الإشكالاتِ عن دَلائلِها.
وهذا مَكسبٌ لي أيّ مَكسب! فلقد حملني مِن مَضايِق التَّخصُّصاتِ الجُزئيَّة إلى فسيح المَعارِف الشُّموليَّة؛ ولا ريبَ «أنَّ الانتقال من فنٍّ إلى فنٍّ أقدر على البحث وأسلطُ، والانتقال من نوعٍ إلى نوعٍ أنشطُ للمُطالعة وأبسط، ولا يُصلح النَّفسَ إذا كانت مُدبرةً إلَّا التَّنقُّل من حالٍ إلى حالٍ»
(1)
.
العاشر: ليس هُناك -بحسب اطِّلاعي- مَن قامَ بمُعالجةِ المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُدَّعَاة على أحاديثِ «الصَّحيحين» على جهةِ الخصوصِ، في دراسةٍ جامعةٍ مُتقنةٍ، تتَّسِم بالإيعابِ إلى حَدٍّ ما؛ فكلامُ أَهلِ العلمِ في هذا البابِ الخاصِّ بالكِتابينِ نُتَفٌ مُتفرِّقةٌ في مَنَاجِمِ زُبُرِهم، وأُمَّاتِ أَسفارِهم.
ومع تحقُّقي بما قرَّره الجُوينيُّ (ت 478 هـ) من أنَّ «على كلِّ مَن تَتَقاضاه قَريحتُه تأليفًا، وجمعًا، وتَرْصيفًا، أنْ يجعلَ مَضمونَ كتابِه أمرًا لا يُلْفى في مَجموعٍ، وغَرَضًا لا يُصادَف في تَصنيفٍ»
(2)
.
(1)
«الضياء المعنوي على مقدمة الغزنوي» لابن ضياء الصاغاني (مخطوط ق 2 - أ/ب).
(2)
«غياث الأمم» للجويني (ص/164).
إلَّا أنِّي بعد أن سَجَّلتُ عنوانَ بحثي أطروحةً للدُّكتوراه، وشَرَعتُ في تَلمُّسِ مَراجِعِه وتَتبُّعِ مُتعلِّقاته، علِمتُ ببَحثٍ للدُّكتوراه نوقِشَ قريبًا من ذلك سنةَ 1433 هـ 2013 م بجامعةِ الملك سعود بالرِّياض، بعنوان:«المَطاعن المُعاصرة في متون الصَّحيحين» ؛ وهذا عنوان كان كفيلًا أن يُسيلَ لُعابي حينَ قرأتُه! إذْ له عُلقةٌ شديدةٌ ببحثي بل يكاد يُماثله.
فكان أن تَجشَّمتُ وسائلَ الحصول عليه، مُتلهِّفًا إلى النَّظر في مَكنوناتِه، حتَّى تَكرَّم عليَّ أحدُ مُدرِّسي هذه الجامعةِ المُوقَّرةِ بإرسالِه إليَّ مَشكورًا؛ فما أنْ وَقَفتُ عليه وتأمَّلتُ أوراقَه، تَحقَّقتُ قولَ العَربيِّ القديم:«تَسمَعَ بالمُعَيْديِّ خَيرٌ مِن أنْ تَراه» ! ذلك أنَّ الضَّعفَ في الكتابِ ظاهرٌ للنَّاظر مِن حيث مَتانَتُه العِلميَّة، وتماسكه المَنهجيُّ، وصِياغتُه اللُّغويَّة.
فضلًا عن ضَعفِه في دَفعِ كثيرٍ مِن المُعارَضات نفسِها الَّتي تخيَّرَها للرَّد؛ يُقسِّم فيها جوابها على فقراتٍ قصيرةٍ، لا تجد أحيانًا بينها ذاك التَّرابط المَنطقيَّ الكافي لإظهارِها كُتلةً مُتماسكةً واحدة.
لكن البحث حَقًّا ما قام به بَلَديُّه (عيسى النُّعيمي) في رسالتِه الماجستير، المُناقشةِ بجامعةِ أمِّ القُرى بمكَّة سنة 1430 هـ 2009 م، بعنوان:«دفع دعوى المُعارض العقليِّ عن الأحاديث المُتعلِّقة بمسائل الاعتقاد، دراسة لِما في الصَّحيحين» ، فلقد راقَني جهدُه جدًّا، حيث جمَّله بجودة السَّبك، وحُسن العرض، ومادة علميَّةٍ دسِمة، استفدتُ منه في مواضع كثيرةٍ؛ قبل أن يطبع من قريب سنة 2013 م.
إلَّا أنَّ راقِمَه قد حَصَرَه في أحاديثِ خاصَّة ببعض أُصول الإيمان وأَركانه، واستثنى أَحاديثِ الرُّبوبيَّة والأسماء والصِّفات؛ وكذا لم يُعرِّج على المَسائل الحديثيَّة الَّتي تنبني عليها أصول تلك المُعارَضات.
ثمَّ وقفتُ على مجموعةٍ مِن رسائل جامعيَّة قُدِّمت في الجامعة الأردنيَّة بعَمَّان، نوقِشت في هذه السَّنوات القريبة في شكلِ رسائل ماجستير، قُسِّمت عليها
مَواضيع الطُّعونِ على أحاديث «الصَّحيحين» ؛ منهم مَن أخذَ -مثلًا- الأحاديث المُتعلِّقة بالجِّن، ومَن أخذَ المُتعلِّقة بالمرأة، ومن أخذَ المُتعلِّقة بأسباب النُّزول
(1)
، ومَن أخذ المُتعلِّقة بالعلوم الطَّبيعيَّة، وهكذا.
فكانت -في مُجملِها- جيَّدة من حيث المادَّة العلميَّة، مُتوسِّطة المُستوى مِن حيث التَّحقيق والتَّحرير تكتنفُها بعض العيوب الَّتي ذكرتها على البحثِ الأوَّل آنفًا.
ثمَّ صَدر جمعٌ مطبوعٌ لبحوث «مؤتمر الانتصار للصَّحيحين» الَّذي أقيم بعاصمة الأردن سنة 2010 م جزاهم الله خيرًا، خليطٌ بين الجيِّد والمُتوسِّط، لم يستوعب كثيرًا من مفاصل هذا الموضوع، بحكم طبيعة المؤتمرات وضِيق وقتِ عُروضِها.
فكانت الحاجةُ باقيةً إلى دراسةٍ جامعةٍ تُحقِّق قدْرًا مِن دراسة أهمِّ ما يكتنِف موضوعَ متونِ «الصَّحيحين» مِن مُشكلاتٍ مُتنوِّعاتٍ مُعاصرات، حتَّى تُدحَضَ أتَمَّ دحضٍ وأنسبَه وأشمَله، لتكون مَرجعًا يستجيرُ به القارئ من رمضاءِ الشُّبهات على السُّنة.
وبعدُ:
فلم أزل على بالٍ مُنذ خمَّرتُ فكرةَ البحثِ في ذِهني قبل أن أُقدِّمه مشروعًا واضحَ المَعالِم لجامِعَتي «ابن طُفيل» بالقُنيطرة -نفع الله بها-: أنَّ الزَّلَل إذا وقَع في ما تَقصَّدتُه مِن دفعِ هذه المُعارضاتِ المُناكِفةِ لـ «لصَّحيحين» ، تكون فتنتُه على النُّفوسِ المَريضةِ أو الجاهلةِ، أشَدَّ مِمَّا لو تركتُ تجشُّمَ ذلك بالمرَّة، فرَكنتُ إلى السَّلامةِ.
ذلك أنَّ الإضرارَ بالحقِّ لا ينحصر في نَشرِ الباطلِ فحسب، ولكنْ بعَرضِ الحقِّ في صورةٍ ضعيفةٍ ناقصةٍ في أدلَّتِها، هزيلةٍ في أسلوبِها، وما أكثرَ أن تكون
(1)
وهذا البحث طُبع قريبًا -بعد تقديمي لرسالتي هذه- بدار المُقتبس اللُّبنانية، أواخر سنة 2018 م، بعنوان:«طعون المعاصرين في أحاديث الصَّحيحين الخاصَّة بأسباب النُّزول والتفسير بدعوى مخالفة القرآن» للباحث: علي صالح مصطفى.
هذه الرَّزيَّة أشدَّ فتنةً وأكثرَ ضَررًا على أهلِ الحقِّ، وأعْوَنَ للمُبطلين على التَّمسُّكِ بباطِلهم!
فلطالَما رأيتُ مِن أهلِ السُّنةِ مَن يتَعنَّى هذا النَّوعَ مِن الجِهادِ العِلميِّ، ثمَّ تراه يُمَكِّن لأهلِ الباطلِ ويُحرِّضُ على التَّنفيرِ مِن أهلِ الحقِّ، مِن حيث أرادَ الحقَّ ونُصرةَ أهلِه! وهذا حالُ كلِّ مَن يدخُل غِمارَ مَعركةٍ لا يُحسِنُ نِزالَها، يَصِير فيها سيفُه نكالًا على المُسلمين! وهذه من البصائر الَّتي أُلهِمها الغزاليُّ (ت 505 هـ) في قوله:«ضرر الشَّرع مِمَّن ينصره لا بطريقه، أكثر من ضرره مِمَّن يطعن فيه بطريقه!»
(1)
.
فكان لا بُدَّ للمُحامِي عن السُّنَنِ، الذَّابِ عن حِماها، أن يستحضرَ كونَه كالمجاهدِ في سبيلِ الله تعالى؛ فيُعِدَّ للجِهادِ ما اسْتطاعَ مِن الآلَاتِ، وَالْقُوَّة، والخُطَطِ المُحكمَةِ كي ينتصِر، امتثالًا لأمر ربِّه:{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].
فاللهَ أسألُ أن يُوفِّقني في بحثِي هذا لحُسْنِ النِّزالِ، ويَعقُب لي فيه حُسنَ المآل، إنَّه جوادٌ كريمٌ مُتَعالٍ.
(1)
«تهافت الفلاسفة» (ص/45).