الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَبحث الرَّابع عشر
نماذج من نقدِ البخاريِّ ومسلم للمتون
قد أَوْلى الشَّيخان اهتمامًا بليغًا بحال المتونِ في نظرِهما النَّقدي للأحاديث، فلم يكونوا يَتَردَّدون أبدًا في إعلالِ حديثٍ تَبَيَّن لهم خَلَلُ مَتْنِه، أو مُعارضَتِه ما هو أثبتُ منه دلالةً ونقلًا؛ بل كثيرًا ما أدخل البخاريُّ الرَّجلَ غير المُكثِر في الضُّعفاء بحَديثٍ خالَفَ متنُه فيه المعروفَ مِن التَّاريخ أو السُّنةَ الثَّابتةَ؛ فمَن لم يكن له مِن المَروِيَّاتِ ما يَتَبيَّن به أمرُه إلَاّ ما يُستَنْكَر، فهو المستحِقُّ لاسمِ الضَّعف عنده، ولو لم يعلم أحدًا قبله جرحَّه تجريحًا صريحًا
(1)
.
فقد قرَّرنا سابقًا أنَّ عِلْمَ العِلَل أحد الأصول الَّتي ينبني عليها عِلْم الرِّجال، وبه توصَّل الشَّيخانِ وغيرهما من النُقَّاد إلى فَرْزِ مَراتِبِ الرُّواة، عبر سَبْرِ مَرويَّاتِهم والتَّحقُّقِ مِن سلامتها مِن القَوادح؛ وهذا ما يُفسِّر توافرَ أمثلة نقدِ البخاريِّ للمتون في كِتابيه في الرِّجال:«التَّاريخ الكبير» ، و «التَّاريخ الأوسط» .
لقد كان بَيانُ هذا التَّرابط بين تعليل المتون وعلم الرِّجال مِن أجَلِّ مَقاصد مسلم في تأليفِه لكتاب «التَّمييز» ، وقد أعرب عن هذه العَلاقة التَّلازميَّة فيه بقوله: «أهلُ الحديث هم الَّذين يَعرفونهم ويُميِّزونهم، حتَّى يُنزلوهم مَنازلهَم في التَّعديل
(1)
انظر رسالة ماجستير بعنوان «الأحاديث الَّتي قال فيها البخاري: لا يُتابع عليه، في التاريخ الكبير» لعبد الرحمن الشايع (ص/371).
والتَّجريح، وإنَّما اقتصصنا هذا الكلام لكي نُثبتَه مَن جَهِل مَذهبَ أهلِ الحديث، ممَّن يُريد التَّعلُّم والتَّنبُّه على تثبيتِ الرِّجال وتَضعيفِهم، فيعرفَ ما الشَّواهد عندهم والدَّلائل الَّتي بها ثبَّتوا النَّاقل للخَبر مِن نقلِه، أو سقطوا مَن أسقطوا منهم»
(1)
.
إنَّ الملاحَظ على كثيرٍ مِن أحكامِ الشَّيخينِ على الرُّواة، أنَّهما يجمعان في كثيرٍ من نقدِهما للمرويِّ بين النَّظر المَتنيِّ والإسناديِّ، وبخاصَّة البخاري؛ فإنَّ دلَّ هذا على شيءٍ، فعلى تحرِّيهما الدِّقة في هذا الباب، واعتقادهما لاقتضاء علَّة المتن لعلَّةٍ في السَّند ظاهرة كانت أو خفيَّة؛ فإن لم يظهر منشأ خلل المتن في السَّند، فقد يُعلَّان الحديَث ولو كان رُواته ثقاتًا -كما سيأتي بيان مثاله- وهذا الغاية في الإعلاء من قيمة النَّظر المَتنيِّ عندهما أثناء عمليَّة النَّقد.
ولإن كان الشَّيخان قد أظهرا مِن مُمارسة النَّقدِ أمثلةً كثيرةً تُنبِي عن تَبصُّرهما بالمتونِ حال تحقُّقهم من الأخبار، فإنَّ عنايةَ البخاريِّ بالمتونِ فائقةٌ في ذلك عنايةَ مسلم بكثيرٍ، لتفاوتِ ما بينهما ذكاءً وفهمًا وحفظًا؛ فلِلبخاريِّ في باب التَّعليل فَضلٌ على تلميذِه، و «لولاه ما ذَهب مسلمٌ ولا جاء»
(2)
! وهذا ما سيتَبيَّن لك في ما انتخبتُه مِن نقداتِهما الكثيرةِ؛ مع تنبُّهي إلى اختلافِ مَقاصد التَّصنيف لديهما.
فهذا أوانُ الشُّروعِ في سَوقِ شواهد الإمتاع والإبداع في نقد الشَّيخين للمتون، على أنَّ في المِثال أو مِثالين مِن ذلك كفايةً للمُنصِفِ لنقضِ قولِ مَن فاهَ من المعاصرين بإغفالِهما تمحيصِ المتون؛ فإنَّ الكُليَّة السَّالبةَ تَنتَقِضُ بجزئيَّةٍ مُوجَبةٍ
(3)
؛ ولكن غرضي حشدُ الدَّلائل في مثل هذا المَقام واستكثارها بما يَثلَجُ صدرَ القارئ يقينًا يُحجِم به عن تلمُّسِ غير ما في هذا المَبحثِ حُجَّةً على الخصمِ.
(1)
«التَّمييز» (ص/196).
(2)
قاله الدَّارقطني، كما في «تاريخ بغداد» (15/ 121).
(3)
انظر «شرح لقطة العجلان» لزكريا الأنصاري (ص/119)، و «ضوابط المعرفة» للمَيداني (ص/151).