الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثَّالث
إضافاتُ الرُّواة إلى نُسَخِهم من «الصَّحيح»
يُميِّزها العلماء بعلامات مُصطَلَحٍ عليها
مثل تلك الاختلافات ونحوها الواقعة بين الرُّواة، قد استطاعَ العلماء -بفضل الله- رصدَها وتحريرَها ببيان وجهِ الصَّواب فيها، وذلك من خلال تَتبُّع بقيَّة نُسَخِ «الصَّحيح» ، وسَبْر طُرقِ الرِّوايات، ومَعرفةِ تراجمِ الرُّواةِ لمعرفةِ اللِّقاء، تَرى ذلك -مثلًا- في العَملِ النَّقديِّ الدَّقيقِ الَّذي قَدَّمَه الجيَّاني (ت 498 هـ) في كتابه «تَقيِيدِ المُهمَل» ، وكذا للقاضي عِياض (ت 544 هـ) في هذا جهدٌ مَشكورٌ في «مَشارق الأنوار على صِحاحِ الآثار» ؛ وإلى ابن حَجرٍ المُنتهى في ذلك في تقدِمَتِه وشرحِه للبخاريِّ.
وكذا فعل العلماء مع نُسخ «المسند الصَّحيح» لمسلم ضبطًا وتحريرًا، وفي ذلك يقول جمال الدِّين المِزِّي (ت 742 هـ):«كتابُ ابنِ ماجَه إنَّما تداوَلَته شيوخٌ لم يَعتنوا به، بخلافِ صَحِيحَيْ البخاريِّ ومسلم، فإنَّ الحُفَّاظ تَدَاوَلوهما، واعتنوا بضبطِهِما وتصحيحِهمِا»
(1)
.
وما نجِدُه من زياداتٍ أو فوائدَ دَوَّنها بعضُ الرُّواةِ مِن مَجالِسَ للبخاريِّ أو غيره، ألحقوها بمَواضِعها المناسبةِ في نُسَخِهم الشَّخصيَّة مِن «الصَّحيح» ، ممَّا
(1)
نَقَله عنه ابن القيِّم في «زاد المعاد» (1/ 420).
لم يَرِد في أصلِها؛ فإنَّ هذه لا تَشتبِهُ على النَّاظرِ أن تكون مِن إنشاءِ المُؤلِّف نفسِه! كيف وقد مَيَّزوها عن المادَّةِ الأصليَّةِ بإيرادِ أسانيدِها الخاصَّة مُستقلِّةً إلى مَن رَوَوها عنه
(1)
.
مِن ذلك مثلًا: ما انفردَ به المُستمْلِي في نُسختِه عن الفَربري
(2)
في باب: «الرَّجم بالمُصَلَّى» ، بعد حديثِ جابرِ رضي الله عنه في قصَّة الَّذي اعترفَ بالزِّنا، ما نصُّه: «سُئِل أبو عبد الله
(3)
: (فصَلَّى عليه) يَصِحُّ؟ قال: رواه مَعمر، قيل له: رواه غير مَعمر؟ قال: لا».
فنظيرُ هذا المثال -بالضَّبط- ما تَعَسَّر على المُغالِطينَ فهمُه مِن تصرُّفاتِ النَّقَلة! أعني بذلك قولَ الفَربري
(4)
(5)
، فجعلوا مثل هذا -لجهلهم بقوانين التَّصنيف- شُبهةً على التَّصرف بأصلِ الكتابِ!
وقد قدَّمنا أنَّ هذه الإضافاتِ مِن الرُّواة لبعضِ موادَّ أجنبيَّة في ما ينقلونه من كُتبٍ مَرويَّة أمرٌ اعتياديٌّ معروف عند العلماء، وقع مثلُه في غير ما مُصَنَّفِ مِن مُصَنَّفاتِ الآثار، أشهرُ ذلك ما حوَته رواياتُ «الموطَّأ» مِن ذلك، بل وفي «صحيح مسلم» شيءٌ مِن ذلك أيضًا
(6)
.
(1)
كنسخة أبي محمَّد الصَّاغاني، وقد اطَّلع على نسخة للفربري من «الصَّحيح» عليها خطُّه، حيث تميَّزت عن باقي النُّسخ باحتوائها على زيادات من أقوال البخاريِّ فيها فوائد، وانظر مقدمة د. أحمد السلوم لـ «المختصر النصيح» للمهلب بن أبي صفرة (1/ 91).
(2)
«فتح الباري» لابن حجر (12/ 131).
(3)
يعني البخاريَّ.
(4)
جاء نقلُه هذا في جميع روايات البخاري، ما عدا الهرويَّ وأبي الوقت وابن عساكر، كما تراه في هامش الطَّبعة السُّلطانيَّة لـ «صحيح البخاري» (1/ 24 ط 2).
(5)
«صحيح البخاري» (ك: الحدود، باب: الرجم بالمصلى، رقم:6820).
(6)
انظر أمثلتها في كتاب «الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح» لمشهور سلمان (1/ 358).
وهذا فضلًا عمَّا يتعلَّق بالإلحاقات والتَّهمِيشات في النُّسخ الخطيَّة، فهذه أيضًا لها آدابها عند النُّساخ والنَّقَلة، يعرفها أهلُ الحديث ويُميِّزونها، ويذكرون قواعدَها في كُتبِ المصطلح؛ فما يذكرُه هؤلاء الرُّواة مِن زياداتٍ على الأصلِ يُسمِّيه العلماء بـ «التَّخريج» ، ويكون أحيانًا بخطِّ مختلف، أو في حواشي الكتاب
(1)
.
فبانَ أنَّ هذه الإضافات الجديدة ظاهرةٌ طبيعيَّة، لا تخرِم مَبدأَ الأمانةِ العِلميَّة في تحمُّلِ مُؤلَّفات الأئمَّةِ ما دامت مُمَيَّزةً عن أصلِها بأمارةٍ ظاهرةِ لا تَلتبِسُ، «سواءٌ كانت جُملةً، أو تفسيرَ كلمةٍ، أو تعليقًا - ما دامت تحملُ إسنادًا مُختلفًا عن إسنادِ صاحبِ الكتابِ، لم يَكُنْ هناك خَطرٌ لِلعَبث في الكتابِ نفسِه»
(2)
.
وها نحن في زَمانِنا نَقتني ما نَشتهيه مِن كُتب، يجد أحدنا في نفسه حُريَّةً تامَّةً في أنْ يتصرَّف في كتابه المُشترى كيف شاء، ما خَلا المتنَ طبعًا، وذلك بوضعِ مُلاحظاته بهامشِه، أو الكَتْبِ بين سطورِه، لمقاصِدَ تعود بالفائدةِ عليه، أو غيرِنا مِمَّن نحتَمِلُ أن يقرأَ نُسختَنا مِنه؛ فكذلك الأمر كان مع القُرَّاء الأقدمين؛ كانوا يَتملَّكون الكتابَ شِراءً أو نَسْخًا، ثمَّ لا يتحَرَّجون مِن التَّعليقِ علىه، وإغنائِه ببعضِ الإفاداتِ.
فهذا الَّذي يُفسِّر لنا وجودَ اسمَ البخاريِّ وسطَ بعضِ الأسانيد الَّتي يَرويها بعض نقلةِ «الجامع الصَّحيح» ! وهو مع ذلك قليلٌ جدًّا في «صحيحِ البخاريِّ»
(3)
.
وأوكِّد في هذا المقامِ ختامًا: أنَّ مَن مَارَس هذه العلوم في توثيق المُصنَّفاتِ ولو شيئًا يسيرًا، أيقنَ أنَّ تفاوتَ الرِّوايات لكُتبِ التُّراث القَديمةِ أمرٌ طبيعيٍّ مُستَساغ، في ظلِّ اعتمادِ النَّاسِ قديمًا على السَّماعِ والنَّسخِ اليَدويِّ، وَضعفِ وسائلِ النَّشرِ والإعلامِ، والله الهادي.
(1)
انظر «الإلماع» للقاضي عياض (ص/162)، و «مقدمة ابن الصَّلاح» (ص/181).
(2)
«دراسات في الحديث النبوي» لمصطفى الأعظمي (2/ 380).
(3)
«فتح الباري» لابن حجر (1/ 94).
وأمَّا ما يَدَّعيه (جُولدْزيهر) مِن (دَسِّ) الرُّواةِ لبعضِ رِواياتٍ في «الصَّحيح» ، وتحريفِهم لبعضِ ألفاظِ المُتونِ لأغراضٍ قَبليَّةٍ أو سِياسيَّة، فهذا مِن التَّسكُّعِ في أزِقَّة الباطلِ، وإمعانٌ في الإساءةِ إلى أئمَّةِ المسلمين وحضارتِهم الشَّامخةِ، وقد قدَّمنا تسفيهَ قولِه من جِهة التَّأصيل؛ فأمَّا من جِهة التَّفصيل، فيتبيَّنُ في: