الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثَّاني
دعوى ظنيَّة آحاد «الصَّحيحين» مطلقًا
يحتجُّ أغلبُ مَن يَردُّ أحاديث «الصَّحيحين» على سَواغ ذلك بأنَّ آحادها لا تعدو نِطاقَ الظَّنيَّة بحال، فهي على ذلك مُحتملةٌ للكذبِ والخطأ، على تفاوتٍ بينها في درجات هذا الاحتمال؛ فهي لأجلِ وصفِها الظنِّي هذا لا تقوى على الصُّمودِ أمامَ ما يرَونَه قطعيًّا من المعقولِ أو المحسوسِ، فلا حرجَ حينئذٍ من تعليل هذا الظَّنيِّ بل تكذيبِه! حتَّى وإن جرى عمل المتقدِّمين على تصحيحِه والعمل به.
وفي تقرير هذا المبدأ يقول (محمَّد رشيد رضا): «رواياتُ الآحادِ العدولِ الثِّقات -كالصَّحابة وأئمَّة التَّابعين المعروفين، ومَن عُرف بالصِّدق وحسن السِّيرة مثلهم- لا يفيد أكثر من الظَّن، وأجمعوا على أنَّه إذا رُوي عنهم ما يخالف المعقول القطعيَّ والمنقول القطعيَّ كنصِّ القرآن: فإنَّه لا يُعتدُّ بالرِّواية ولا يُعوَّل عليها، إلَّا أن يُوفَّق بينها وبين القطعيِّ منقولًا كان أو معقولًا فقط»
(1)
.
وهؤلاء في مثل حكمهم هذا لا يفرِّقون بين ما أخرجه الشَّيخان، وبين ما في سائر كُتب الحديث -إلَّا المتواتر- فالكلُّ عندهم منضوٍ تحت ذاك الأصل العامِّ من الظَّنيَّة.
(1)
«مجلة المنار» (6/ 54).
وقد كان من الطَّبيعي أن يَنحاز دُعاة تنقيةِ «الصَّحيحين» -بمَا يزعمونه فيهما مِن أباطيل- إلى رأي النَّووي الَّذي ارتأى حصر أحاديث الكتابين في نطاقِ الظَّن كباقي الآحاد، مستبعدًا القول بقطعيَّتها، فلذلك لا تجد أحدًا من هؤلاء المعاصرين تخلو نقداته للكتابين من التَّمهيد بتقرير هذا الرَّأي من النَّووي، لمِا لكلام هذا الجِهبذ من هيبة علميَّة كبيرة في نفوس المسلمين.
(1)
.
وكان هذا المُسوِّغُ ملجأً لبعضِ أقطابِ الدَّعوةِ الإسلاميَّة المعاصرة في سعيِهم إلى تجديدِ الدِّين، وتنحيةِ مَا يرونَه دخيلًا يُودي بصورةِ الإسلامِ شوهاءَ في نظرِ الغربِ؛ أظهر من تلمحُ منه هذا (محمَّد الغزاليُّ) في ما سطَّره ردًّا على من عابَ عليه طعنَه في بعضِ أحاديث «الصَّحيحين» ، حيث أعتذر عمَّا بَدَر منه في حقِّها بكونِ «الحديث الصَّحيح الآحاديِّ ليس مَقطوعًا بصحَّته، سواءً كان في الصَّحيحين أو غيرهما، وصحَّته ثابتة بطريق غلبة الظَّن ما دام غير مُتواتر، ولا مُدعَّما بالقرائن المؤيِّدة»
(2)
.
وبهذه الاعتذار نفسه اعتَّل مَن اقتفى خطوَه في الطَّعنِ بما صَحَّحه الشَّيخانِ، بل جاوزه في هذا الخَطو كثيرون! منهم (محمد بن سعيد حوَّا) الَّذي أعلن صراحًا بأنَّ الحديث ما دام ظنِّيًا، فلا مانع مِن احتمالِ رَدِّه ولو كان في أحدِ «الصَّحيحين» ، أو مُتَّفقًا عليه مِن الشَّيخين
(3)
.
(1)
«دراسات محمدية» لجولدزيهر (ص/236 - 237).
(2)
«تراثنا الفكري في ميزان الشرع» (ص/173).
(3)
في مقالة له بعنوان «قراءة في شخصية النَّبي الإنسان» بجريدة «الدستور» الأردنية (بتاريخ 25/ 2/2010 م، العدد: 15309).
وصاحبه (إسماعيل الكرديُّ) يعتبر أحاديثَ الآحاد ظنِّية الصُّدورِ مُطلقًا، لا يُحتجُّ بمثلها في عقيدةٍ ولا أصلٍ من أصولِ العبادات
(1)
، وهذا يسحبه على آحاد «الصَّحيحين» ، فلا حرجَ على من ردَّها لخللٍ يراه في متونها
(2)
.
فلقد تحذلقَ بهذه الدَّعاوي مَن لم يشُمَّ رائحة الحديث ولم يدرِ ما حقيقته، يتوكَّؤ على أخطاءِ وقع فيها بعض أربابِ الكلامِ، فيُبعثرَها في أوراق تُزري بالحديثِ وحَملتِه، إراحةً منه لضميرِه مِن لومِ اللَّائمين على غمزِه صحاحَ السُّنَّن، ولسانُ حالِه يقول: قد سُبقت في هذا مِن رجالات الحديث أنفسهم!
ترى هذا الانتكاس المنهجيِّ ماثلًا في دعوى العلمانيِّين أيضًا، كحالِ (عبد المجيد الشَّرفي) حين سَوَّغَ رفضَه لكثيرٍ من الصِّحاحِ في جملةٍ واحدةِ:«إنَّها باعترافِ كلِّ القدماءِ -باستثناءِ الظَّاهريَّة- تفيد الظَّن ولا تفيد اليَقين» !
(3)
ولعلَّك بعد أن عايَنت تلك الجرأةِ على النُّصوص النَّبويَّة بالإبطال بدعوى احتمالها للكذب، علمتَ حكمة الشَّافعيِّ في التَّمهيدِ لكتابه «اختلاف الحديث» بالكلامِ عن حُجيَّة الآحاد وإفادتها للعلم بشرطِه!
وبهذا تظهر أهميَّة تحقيق القول في هذه المسألة الأصوليَّة، وتقرير مَفاد هذه الآحاد الصَّحيحة قبل الشُّروع في الذَّب عن أفرادها، إذْ أنَّ إبطال هذا الأصل الَّذي يعتمده المعاصرون في ردِّ صِحاح الأخبار كفيلٌ بتضييق مسالك الاعتداء على الجزئيَّات الَّتي تندرج تحته، وإمساك حُجَزهم عن اقتحامِ الحِمى النَّبوي الشَّريف.
فنقول مستعينين بتوفيق الله وتسديده:
(1)
«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/35).
(2)
«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» (ص/44).
(3)
«تحديث الفكر الإسلامي» للشرفي (ص/32).