الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الأوَّل
مَوقِف الشَّيخينِ مِن أهلِ البيتِ وذكرِ مَناقِبهم
الشَّيخانِ -كسائر علماءِ أهل السُّنة- على درايةٍ بفضلِ أهل بيتِ نبيِّهم صلى الله عليه وسلم ووِصايتِه بهم، مُلتزمان بحُبِّهم والتَّزلُّفِ إلى الله بمدِحهم والإحسانِ إليهم؛ على المذهب المَرضيّ شرعًا في تَولِّي جميعِهم أقارب وزوجات، بلا غُلوٍّ في أحدٍ منهم، ولا تقصيرٍ في حَقِّه، فاختاروا بذلك طريقَ العدلِ والإنصافِ، وسطًا بين غُلاةِ الشِّيعةِ الَّذين يَدَّعون لهم العصمةَ مِن الذَّنبِ، والعلمَ الغَيبيَّ، والتَّصرُّف الرُّبوبيَّ، وبين الجُفاة الفُسَّاق مِمَّن يؤذيهم ببَسْطِ يَدٍ أو قَولٍ حَضيضٍ، فهم وَسَطٌ بين طَرَفي نَقيضٍ.
ولقد تَجلَّت خاصَّة مَحبَّةِ البخاريِّ ومسلمٍ لآلِ البيتِ في كُتبِهم عامَّةً، وفي «صَحيحِيْهما» بشكل أخصّ، فلقد أفردَا أبوابًا بحالِها في فضلِهم والتَّغنِّي بمَناقِبهم.
فمِن هذه الأبوابِ ما يَتناولُهم بعمومِهم:
مثل ما تَضَمَّنَ أحاديث التَّشهُّدِ في الصَّلاة، ففيها ذكرُ الصَّلاةِ على النَّبي صلى الله عليه وسلم وآلِه
(1)
.
(1)
كالَّتي عند البخاريِّ في (ك: الدَّعوات، باب: الصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعند مسلم في (ك: الصلاة، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التَّشهد).
ومثل ما جاء في تَنزيهِهم عن أخذِ صَدقاتِ النَّاس، كالخَبرِ الَّذي أوردَه البخاريُّ في ذلك تحت باب «ما يُذكر في الصَّدقة للنَّبي صلى الله عليه وسلم وآلِه» ، والأحاديث الَّتي ساقَها مسلم تحت باب «تحريمِ الزَّكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آلِه، وهم: بنو هاشم، وبنو المُطَّلب، دون غيرهم» ، كلاهما مِن كتابِ الزَّكاة.
وأخرجَ البخاريُّ في فضلِهم وصيَّةَ أبي بكر للمُسلمين بقولِه: «ارقُبوا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم في أهلِ بَيتِه»
(1)
.
ومِن هذه الأبوابَ ما تَناوَل جِلَّةَ أفرادِهم بذكرِ مَناقبِ أحدِهم على وجهِ التَّعيِين، كان أظهرَها في ذلك:
ما جاء في باب «مناقبِ عليِّ بن أبي طالب القُرشيِّ الهاشميِّ أبي الحسن رضي الله عنه» :
أخرجَ الشَّيخانِ تحتها أحاديث باذخةً في فضائلِ هذا الصَّحابيِّ الجليل:
كالَّذي أورَده البخاريُّ مِن قولِ النَّبي صلى الله عليه وسلم له: «أنتَ مِنِّي، وأنا مِنك»
(2)
.
وأخرجَا تحت باب مَناقِبِه حديثَ: «لأُعطِينَّ الرَّاية غدًا رجلًا يفتحُ الله على يَديه، يُحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه»
(3)
.
وكذا حديثَ: «أمَا ترضى أنْ تكون منِّي بمنزلةِ هارون مِن موسى؟»
(4)
.
وقصَّتَه حينَ سَقط رِداؤُه عن شِقِّه، فأصابَه ترابٌ في ظهره، فجَعَل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحُه عنه، وهو يقول:«اجلِس يا أبا تراب»
(5)
.
وحديثَه حين دَخَل صلى الله عليه وسلم عليه وعلى فاطمة، قال عليٌّ: « .. فذهبتُ لأقوم،
(1)
أخرجه البخاريُّ في (ك: المناقب، باب: مناقب الحسن والحسين، رقم: 3751).
(2)
علَّقه في كتاب المَناقب باختصار من حديث أطول.
(3)
أخرجه البخاري بـ (رقم: 3702)، ومسلم بـ (رقم: 2405).
(4)
أخرجه البخاري بـ (رقم: 3706)، ومسلم بـ (رقم: 2404).
(5)
أخرجه البخاري بـ (رقم: 3703)، ومسلم بـ (رقم: 2404).
فقال: على مَكانِكما! فقَعَد بينَنا، حتَّى وجدتُ برْدَ قَدَمَيْه على صدري، وقال: ألا أُعلِّمكما خيرًا مِمَّا سألتُماني .. » الحديث
(1)
.
وانفرَدَ البخاريُّ عن مسلمٍ بحديثِ ابنِ عمر، حين سُئِل عن عليٍّ رضي الله عنه فقال:«هو ذاك بيتُه، أوسَطُ بيوتِ النَّبي صلى الله عليه وسلم .. »
(2)
، وأثرِ عليٍّ رضي الله عنه حيث قال:«اقْضُوا كما كنتُم تَقْضون، فإنِّي أكرَهُ الاختلافَ .. »
(3)
، وبه خَتَم الباب.
وانفردَ مسلمٌ عن البخاريِّ بحديث: « .. وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلين: أوَّلُهما كتابَ الله .. ، ثمَّ قال: وأهلَ بيتي، أذكِّرُكم الله في أهلِ بيتي .. » الحديث
(4)
؛ وخَصَّص هو بابًا مُستقِلًّا في فضلِ آل البيت، جعَلَ تحتَه حديثَ عائشة رضي الله عنها المَشهورَ بحديثِ الرِّداء، قالت فيه: خَرَج النَّبي صلى الله عليه وسلم غَداةً، وعليه مُرطٌ مُرحَّل مِن شَعرٍ أسودٍ، فجاءَ الحسنُ بن عليٍّ فأدخلَه، ثمَّ جاءَ الحُسين فدخَل معه، ثمَّ جاءت فاطمة فأدخَلها، ثمَّ جاء عليٌّ فأدخَله، ثمَّ قال:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33].
ومع ذكرهما لهذه الفضائل كلِّها، فلم يَكتفِيا بذكرِ فضائلِ عليٍّ رضي الله عنه بهذا البابِ فقط، حتَّى ذَكرا ما يُفيد فضيلَتَه رضي الله عنه في غيرِه من الأبوابِ، كما قاله ابن حَجرٍ:«قد أخرجَ المُصنِّف مِن مَناقبِ عليٍّ رضي الله عنه أشياءَ في غيرِ هذا المَوضع .. »
(5)
.
ومنشأُ ذلك أنَّ أهلَ السُّنةِ لم يَرِد عندهم في حَقِّ أحدٍ مِن الصَّحابةِ من الفضائل بالأسانيدِ الجِيادِ أكثرَ مِمَّا جاء في عليٍّ رضي الله عنه
(6)
، قال ابن الجوزي:«غيرَ أنَّ الرَّافضة لم تَقْنع، فوَضَعَت له ما يَضَعُ ولا يَرفع!»
(7)
.
(1)
أخرجه البخاري بـ «رقم: 3705)، ومسلم في (ك: الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، رقم: 2727).
(2)
أخرجه البخاري بـ (رقم: 3704).
(3)
أخرجه البخاري بـ «رقم: 3707).
(4)
أخرجه مسلم بـ «رقم: 2408).
(5)
«فتح الباري» (7/ 74).
(6)
قاله أحمد والنَّسائي وإسماعيل القاضي المالكيُّ، نقله عنهم ابن حجر في «الفتح» (7/ 71)، وكذا قاله ابن تيمية في «منهاج السُّنة» (8/ 241)، والذَّهبي في «تلخيص الموضوعات» (ص/141).
(7)
«الموضوعات» (1/ 338).
وأمَّا في ما يخصُّ مَناقب فاطمة الزَّهراء رضي الله عنها:
فأورَدَ البخاريُّ فيها مُعَلَّقًا حديثَ: «فاطمة سيِّدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ» ، ثمَّ وَصَله في مَوضعين مِن كِتابِه
(1)
، كما أخرجه مسلم بأكثر مِن لفظٍ في قصَّةِ مُسارَرَتِه صلى الله عليه وسلم لها عند موتِه
(2)
.
وحديثَ: «فاطمةُ بضعَةٌ منِّي، يُؤذِيني ما آذاها .. »
(3)
، وأخرجه مسلمٌ بألفاظٍ أخرى أكثر
(4)
.
كما أخرجَ البخاريُّ في غير هذا البابِ حديثَ نُصرَتِها لأبيها صلى الله عليه وسلم، حين طَرَحَت عن ظهرِه ما وَضَعه المُشرِكون مِن سَلَى الجَزورِ وهو ساجِدٌ
(5)
.
وأمَّا مناقب ابنَيْهِما الحَسن والحُسين رضي الله عنهم:
فقد أخرج البخاريُّ في بابِ فضلِهما تسعةَ أحاديث، منها:
حديث: «ابنِي هذا سيِّدٌ .. » يعني الحَسَن
(6)
، وحديثَ:«اللَّهم إنِّي أحبُّهما فأحِبَّهما»
(7)
، وحديث ابنَ عمرٍ قال:«أهلُ العِراقِ يَسألون عن الذُّباب، وقد قَتَلوا ابنَ ابنةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم! وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «هما رَيحانَتايَ مِن الدُّنيا»
(8)
، إلى غيرها مِمَّا أخرجه مِن أحاديثِ فضائلِهما.
وكذا أخرجَ مسلمٌ في بابِ فضلِ الحَسَنَيْنِ خمسةَ أحاديث
(9)
.
(1)
في باب «مَن ناجى بين يدي الناس، ومن لم يخبر بسرِّ صاحبه» مِن كتاب الاستئذان، برقم 6285، وفي باب «علامات النُّبوة» مِن المناقب، برقم:3623.
(2)
أخرجها مسلم بـ (رقم: 2450).
(3)
أخرجه البخاري بـ (رقم:3767).
(4)
أخرجها مسلم بـ «رقم: 2449).
(5)
أخرجه البخاري في (ك: الوضوء، باب: إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة، لم تفسد عليه صلاته، رقم: 240).
(6)
أخرجه البخاريُّ بـ (رقم: 3746).
(7)
أخرجه البخاري بـ (رقم: 3747).
(8)
أخرجه البخاري بـ (رقم: 3753).
(9)
في (ك: الفضائل، باب فضائل الحسن والحسين رضي الله عنهم.
كما أنَّ الشَّيخين قد ذَكَرا مناقبَ جعفر بنِ أبي طالب رضي الله عنه أيضًا
(1)
.
أفبعد كلِّ هذه المآثرِ المُتواتِرات لآل البيت في «الصَّحيحين» : هل كان في احتجاجِ الشَّيخينِ بها مَقنَعٌ للإماميَّةِ بالارتداعِ عن الافتراءِ عليهما بدعوى النَّصبِ؟!
كلَّا! لقد تَهرَّبوا مِن الإقرارِ بما تزَيَّا به كِتاباهما مِن مَناقبِ الآلِ، فادَّعوا أنَّهما أغمَضا عن مَناقبَ أخرى جليلةٍ -خاصَّة البخاريَّ- دالَّةٍ على أفضليَّة عليٍّ على الصَّحابةِ مُطلقًا، أبرزُها:
حديث الغَدير.
وحديث الطَّائر المَشويّ.
وحديث سَدِّ الأبواب.
وحديثِ أنا مدينة العلم وعليٌّ بابُها.
(1)
أخرجها البخاري ثلاثةً منها في (ك: المناقب، باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه، وواحدًا في (ك: الجنائز، باب: الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه، رقم: 1246)، (ك: الجهاد والسير، باب: تمني الشهادة، رقم: 2798)، ومسلم في (ك: الفضائل، باب: مِن فضائل جعفر بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم رضي الله عنهم.