الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَطلب الأوَّل
منشأ فكرة الإسناد للأخبار الشَّرعيَّة
على خلاف ما يظنُّ كثيرٌ من المُعترضين على المحدِّثين، فإنَّ منهجهم في أصلِه هو كمنهجِ الغَربيِّين مِن جهة النَّظرِ إلى أنَّ الوقائع التَّاريخيَّة الَّتي حَدَثت في زمنِ سابقٍ تَركت وثائق أو شواهد، وأنَّ إثباتها يحتاج إلى تَتبُّع هذه المُخلَّفاتِ، حتَّى الوصول إلى تلك الواقعةِ، في خطٍّ مُعاكس لمسيرة الزَّمن -كما أشرنا إلى هذا سابقًا-؛ فإنَّ المُحدِّثينَ لإثباتِ حَدَثٍ للنَّبي صلى الله عليه وسلم، يجمعون المَنقول في ذلك عن (الرُّواة)، باتِّجاهٍ معاكس لاتِّجاه نقلِ الرِّواية فيهم، فيَبدؤون بالتَّحقُّقِ مِن تحديثِ الرَّاوي الأخير، ثمَّ مِن شيخِه، وهكذا إلى أن يَعلوا إلى الرَّاوي الأوَّل الَّذي رأى أو سمعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم.
لكن ميزة عملِ المحدِّثين على منهج المؤرِّخين الغربيِّين، هي في حُسنِ اختيارِ الأدواتِ المنهجيَّة المناسبةِ لنَقْدِ ما تخصَّصوا بنقدِه؛ كان من أبرزِ تلك الأدوات الَّتي اتَّسم بها منهجهم النَّقدي، أنَّهم حين علموا بأهميَّة الملاحظةِ المباشرةِ مبكِّرًا، لَحَموا بين هذه التَّقطُّعاتِ الواردة في جميعِ التَّواريخ الأخرى، بابتكارِ بديعٍ يَتَمثَّل في «سَلاسل الإسنادِ» ، بحيث أنَّ كلَّ راوٍ في هذه السِّلسلة، يعتمدُ على ما نقله عمَّن فوقه مِن ملاحظةٍ مباشرةٍ، ثمَّ مُقارنتِها بغيرها مِن
الملاحظاتِ المباشرةِ لأقرانهم للواقعةِ ذاتِهما، مع ملاحظةِ العَدالة ومُشامَمَةِ الدِّيانة، ليخلُصوا بمجموعِ ذلك إلى الحكم الأدقِّ على ضبطِهم للأخبار
(1)
.
لقد أدرك المحدِّثون منذ الصَّدر الأوَّل ما للإسناد من أهميَّةٍ بالغةٍ في الصِّناعة التَّوثيقيَّة؛ فهو مُرتكزُها الأساس في الحكمِ على الأخبار النَّبويَّة، وإلزامُهم به يَسَّر عليهم الكشف عن مَصدر الخبر؛ فلذا كان التَّفتيش عنه مُبكِّرًا، ظاهرًا في آخر زَمنِ الصَّحابة رضي الله عنهم وكبارِ التَّابعين، ثمَّ ازدادَ الإلحاح في طَلبِه بعد جيلِ هؤلاء لشيوعِ الوَضع، وتكاثر أهلِ الأهواء، وتَقالِّ الوَرَع، حتَّى أصبحَ الإخبارُ بمصدرِ الخَبَرِ لا مَناصَ للرَّاوي عنه إذا أراد لرواياتِه القَبول.
وفي تقريرِ هذا المنهج وَرَد مَشهورُ قولِ ابنِ سِيرِين (ت 110 هـ): «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السُّنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البِدع فلا يؤخذ حديثهم»
(2)
، يعني بالفتنة هنا: مقتل عثمان رضي الله عنه
(3)
.
وبهذا نتحقَّق أنَّ دعوى التَّقليلِ مِن قيمةِ الإسنادِ، بالاقتصارِ في النَّقد الحديثيِّ على مُجرَّدِ اختبارِ المتونِ بالعقول: هو في حقيقته شَيْنٌ للمنهجِ العقليِّ نفسِه، فإنَّ مِن غير المَعقولِ إثباتُ مَقولٍ إلى قائلٍ بمجرَّد نقدِ دلالة متن ذاك المَقال، اللَّهم إلَّا إن كان غرض هذا النَّقدِ النَّظرُ في استقامةِ المتنِ من حيث هو، فلا علاقةَ لهذا بما نحن بصَددِه من توثيقِ الرِّوايات؛ مع أنَّ أكثر المتونِ لا يُقدَر على مَعرفةِ استقامتِها أو فسادِها في ذاتِها، لانتفاء المانِع مِن نِسبتِها إلى الشَّارع، فـ «مِن المستحيل إذن استعمالُ العقلِ -مِن النَّاحيةِ العقليَّة نفسِها- في تقويمِ كلِّ حديث»
(4)
.
(1)
انظر «منهج النقد عند المحدثين مقارنا بالمنهج الغربي» لأكرم العمري (ص/27 - 38).
(2)
مقدمة «صحيح مسلم» (1/ 15، باب: في أن الإسناد من الدين)
(3)
انظر «الإمام الزهري وآثاره في السُّنة» لحارث الضاري (ص/314)، وفيه ذكر لجملةٍ من الأسباب التي تعزز تفسير الفتنة بمقتل عثمان رضي الله عنه.
(4)
«منهج النَّقد عند المُحدِّثين» لمحمد مصطفى الأعظمي (ص/81)، وانظر أيضا «مَرويات السِّيرة النَّبوية بين قواعد المُحدِّثين وروايات الأخباريين» لأكرم العمري (ص/17).
فظهر بهذا أنَّ المشكلة مع هؤلاءِ المُزَمِّرينَ للنَّقدِ الباطنيِّ: أنَّهم ألبسُوا المتنَ حُلَّة (الشَّرطيَّة)، وهي على غير قياسِه، ولا هي مِن شأنِه! إنَّما هي حُلَّة الإسنادِ، تَكالبوا على خَلْعِها عنه غصْبًا، فلا المتنُ قَبِلَ التَّحلِّي بها إذْ لم تُوائِمه، ولا هم تَركوها بعدُ لمُستحِقِّها الطَّبيعيِّ!
وما هو إلَّا الهوى يُعمي ويصمُّ، وفي أمثالِهم يقول مصطفى السِّباعي:
(1)
.
(1)