الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (35)
* * *
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 35].
* * *
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} هَذِهِ المَرْأَةُ ذَكِيَّة،، لمَّا جاءها الكتابُ قالت: أريدُ أن أَمتحنَ هَذَا الرجلَ، سأرْسِل إليه هَدِيَّة، فإنْ كَانَ رجلًا يريدُ الدُّنْيا كَفَتْهُ الهَدِيَّة وتركَ الحروبَ والقتالَ، وإنْ كَانَ رجلًا يريدُ أمرًا آخرَ فَإِنَّهُ سَيَرُدّ الهَدِيَّة، وهَذَا بلَا شَكّ اختبار ذكيّ، فقالت:{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} وطبعاً هِيَ -كما قُلْنَا قبل قليل- ما رَضِيَت ما أشار به الملأ؛ لِأَنَّ الملأَ أشاروا عليها بالحربِ والقتالِ، وذلك بإبداءِ ما عندهم منَ الْقُوَّة والبأسِ الشَّديدِ، ولَكِنَّهَا لم تُرِدْ ذلك، فأرادتْ أنْ تمتحنَ سُلَيْمَان.
قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ} ولم تقل: (إليه)؛ لِأَنَّهُ كما قُلْنَا ملك له جنودٌ وأعوانٌ وحواشٍ.
قوله: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (ناظرة) ليستْ منْ الِانتظارِ، وإن كانت محتملةً أن تكون من الانتظارِ، أي: فمُنْتَظِرَة، ولَكِنَّهَا منَ النظرِ، يَعْنِي: أَنْظُرُ بَعْد إرسال الهديَّة: بم يرجع المُرسَلُون؟ والمرسَلون هم رُسُلها بالهَدِيَّة، وَفِي هَذَا إشارة إِلَى أن هَذِهِ الهَدِيَّة كبيرة وعظيمة؛ لِأَنَّهَا لم ترسلْ بها واحدًا وإنما أرسلتْ بها جماعةً، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ.
قوله: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} أي: بأيِّ شيءٍ يَرجعون به، و {بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} هل هِيَ متعلقة بـ (ناظرة) أو متعلقة بـ (يرجع)؟
(ما) هنا اسْتِفْهاميةٌ وليستْ موصولةً؛ لِأَنَّ الموصولةَ تَبقى ألفها مَعَ حرف الجرِّ، والاسْتِفْهامية تُحْذَف؛ كقوله:{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1]، لكِن في نحو قولكَ:(هُوَ مسؤولٌ عمَّا قَالَ) تُثْبِت الألفَ، وكذا في قوله:{بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105]، فتبقى الألف، وفي قوله:{بِمَ يَرْجِعُ} تحذف الألف، فـ (ما) الاسْتِفْهامية إذا سَبَقَها حرف جرٍّ تُحذف ألفها؛ ولهَذَا نَقُول:{بِمَ يَرْجِعُ} الجارّ والمجرور متعلق بـ (يرجع) ولا يصلح أن يَكُونَ متعلقًا بـ (ناظرة) بناءً عَلَى القَاعِدةِ المشهورر عند النحْويين أن اسْم الاسْتِفْهام له الصَّدارَة، بل الاسْتِفْهام كله سواء كَانَ اسمًا أو حرفًا، له الصَّدارَةُ، وإذا كَانَ له الصَّدارَة لم يَعْمَلْ قبله فيه؛ لِأَنَّهُ لو عمِل ما قبله فِيهِ ما كَانَ له الصَّدارَة، ولكانت الصَّدارَة للعاملِ الَّذِي قبله؛ وعليه فنَقُول:{بِمَ يَرْجِعُ} الجارُّ والمجرورُ متعلِّق بـ (يرجع)، وتكون الجملة إذن مُعلِّقة لـ (ناظرة) عن العَمَل فهي فِي محل نصب.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} من قَبُول الهديَّة أو ردِّها، إن كَانَ ملكًا قَبِلَها، أو نبيًّا لم يَقْبَلْها].
كون المُفَسِّر يُحيل قبولَ الهديَّة وعدمه عَلَى أَنَّهُ إن كَانَ ملكاً قَبِل، وإن كَانَ نبيًّا لم يقبلْ، هَذَا لا دليلَ عليه، ولكِن نَقُولُ: إنَّهُ إذا كَانَ يريد القتالَ فَإِنَّهُ يقبل الهَدِيَّة، يَعْنِي: إذا كَانَ هَذَا الرجل عنده طمعٌ ماديّ فقط، فَإِنَّهُ يقبل الهَديَّةَ؛ لِأَنَّ القتال لا يعلم هل تكون عاقبته له أمْ لا، والهَدِيَّة غَنيمة حاضرة، فيقبلها ويدع المشكوك فيه، وإذا كَانَ لا يريد الدُّنْيا، وإنما يريد أمرًا آخرَ، وَهُوَ الدَّعْوَة إِلَى الإِسْلام وكونهم يسلمون،
كما قَالَ فِي الأول: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31]، فَإِنَّهُ حينئذٍ لن يقبلَ الهَدِيَّةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يدعو إِلَى الله وإلى الإِسْلام لا يمكن أن يَقْبَل هديَّةً عَلَى حسابِ ما دعا إليه أبداً. وَأَمَّا مسألة النبوَّة وعدمها فاللهُ أَعْلَمُ بهَذَا، فلا نجزِم بما قَالَ المُفَسِّر رحمه الله، بل نَقُول: إنَّهَا تريد أن تَخْتَبِرَهُ، فإذا كَانَ يريد دنيا فالهديَّة تمنعه من قِتالها، وإذا كَانَ لا يريد دنيا وإنما يريد أن يسلِموا فالهَدِيَّة لا تمنعه.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [فأرسلتْ خَدَمًا ذكورًا وإناثًا]، الآن يبين المُفَسِّر الهديَّة، ثم قَالَ:[ألفًا بالسويَّةِ، وخمسمائة لَبِنَة من الذهب، وتاجًا مُكَلَّلًا بالجواهر، ومِسكًا وعنبرًا وغير ذلك مَعَ رسولٍ بكتاب].
التعيين هَذَا لا دليلَ عليه؛ ولهَذَا نَقُول: إنَّهَا هديةٌ كبيرةٌ بلَا شَكّ، ويدل عَلَى كِبَرِها أن الَّذِينَ أُرسلوا جماعة، أَمَّا تعيينها بهَذَا الأَمْرِ فهَذَا لا نَجْزِم به، فإن كَانَ واردًا عن بني إسرائيل فَإِنَّهُ منَ الأخبارِ الَّتِي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب.
وقد أسرعَ الهدهد إِلَى سُلَيْمَان يخبره الخبر؛ لِأَنَّ سُلَيْمَان قَالَ له: {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل: 28]، والظَّاهر أن الهدهد بَقِيَ حَتَّى استقرَّ أمرُهم عَلَى شيءٍ، وقد استقر عَلَى إرسالِ الهَدِيَّةِ، يَقُول المُفَسِّر رحمه الله:[فأسرع الهدهدُ إِلَى سُلَيْمَان يُخْبِرُه الخبرَ، فأمر]، أي: سُلَيْمَان، [أن تُضْرَب لَبِنات الذهب والفضة وأنْ تُبْسَط من مَوْضِعِه إِلَى تسعة فَرَاسِخ مَيدانًا، وأن يَبْنُوا حولَه حائطًا مُشْرِفًا مِنَ الذهَبِ والفِضَّة، وأنْ يُؤْتَى بأحسنِ دوابِّ البرِّ والبحرِ مَعَ أولادِ الجنِّ عن يمينِ الميدانِ وشمالِهِ].
كل هَذِهِ الأَشْيَاء الَّتِي ذكرها المُفَسِّر لَيْسَ عليها دليلٌ، وهي منَ الغرائبِ أنْ