الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (53)
* * *
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل: 53].
* * *
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا} بصالحٍ وهُم أربعةُ آلافٍ {وَكَانُوا يَتَّقُونَ} الشِّرْكَ].
{أَنْجَيْنَا} أي: عَصَمْنَا، فالإنجاءُ بمعنى العِصْمَة، أي أنجَيْنَاهم من هَذِهِ العقوبةِ، ومن هَذَا التدميرِ الَّذِي ذَكَر اللهُ جَلَّ وَعَلَا.
وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} قول المُفَسِّر [بصالحٍ]، فِيهِ نظرٌ، والصَّواب: آمنوا باللهِ؛ لأجلِ أن يشملَ صالحًا ومَن معه، كما قَالَ الله تَعَالَى فِي سورة هودٍ:{نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [هود: 66]، بل نَقُول: إن صالحًا عليه الصلاة والسلام يَجِب عليه أن يؤمن بنفسه أَنَّهُ رسول، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول عليه الصلاة والسلام يؤمنُ وَيشهد لنفسِهِ بالرسالةِ، يَقُول فِي صلاتِه: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسُولُهُ
(1)
، وهو يعني نفسَه، وأحيانًا يقول إذا وقعَ الأمْرُ عَلى وَفقِ ما قال: أشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ
(2)
.
(1)
رواه البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب التشهد في الآخرة، حديث رقم (797)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، حديث رقم (402)، عن ابن مسعود رضي الله عنه.
(2)
مثاله ما جاء في صحيح البخاري: كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر، رقم (5443) حديث جابر ابن عبد الله، وفي آخره: فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته، فقال:"أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ".
المهم أن الرَّسُول نفسَه مُلْزَمٌ بأنْ يشهدَ لنفسِهِ بالرسالةِ وبأنه رسول الله يُؤْمِن بما أُوحي إليه، وكذلك غيرُه مِن باب أَوْلَى.
وقول المُفَسِّر: [وهم أربعةُ آلافٍ]، نَقُول: أين الدِّيوان الَّذِي حَصَرَهُمْ، لا دليلَ عليه، والغالبُ أنَّ المُؤْمِنيِنَ أقلُّ من ذلكَ، فالنَّبِيّ عليه الصلاة والسلام يقولُ:"رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ"
(1)
، إذ رُفِعَ له سَوَادٌ فظنَّ أَنَّهُ أُمَّتُه، فقَالُوا: هَذَا موسى وقومه.
فالمهمّ أَنَّ تَقديرَهم بأربعةِ آلافٍ، أو بأربعينَ نفرًا، أو بأربعة ملايينَ، أو بأقلَّ أو أكثرَ، هَذَا يحتاجُ إِلَى دليلٍ، وَهُوَ أيضًا من فُضُولِ العلمِ الَّذِي لا يَنبغي للإِنْسَانِ أنْ يُتْعِبَ نفسَه فِيه، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ فائدةٌ، الَّذِي فِيهِ فائدةٌ لَا بُدَّ أنْ يَقُصَّه الله علينا.
ونظيرُ هَذَا البحثِ مثلًا فِي كلبِ أصحابِ الكهفِ:
ما لونُه وما اسمُه وما حَجْمُه؟
والغارُ الَّذِي هم فِيهِ أينَ هُوَ، فِي أيّ مكانٍ؟
كُلّ هَذِهِ مسائلُ جانبيَّة، كذلك أيضًا ما وقع فِي الحديثِ فِي السنَّة (قالَ رجلٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم)، فتجدُ بعضَ الشرَّاح يُعنَى عنايةً تامّةً: مَن الَّذِي قَالَ هَذَا؟ هَذَا فِي الحقيقةِ لَيْسَ له داعٍ، وإنْ كنّا قد نستفيدُ إذا كَانَ فِي ذلك مَنْقَبَةٌ لهَذَا الرجلِ إذا عُرف به، لكِن هل هَذَا ليس ملزومًا لا بالحُكْم ولا بالدلالة، ولكِنه من فضول العلم. وهَذِهِ المسألة أيضًا مثلها: كم الَّذِينَ مَعَ صالحٍ، أربعة آلاف أو أربعة مَلايين؟ لا يَهُمُّ، المهمُّ أن كُلَّ
(1)
رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، حديث رقم (6175)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدَّليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث رقم (220)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.