الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (12)
* * *
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل: 12].
* * *
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِك} هو طَوْق القَمِيص]. هَذَا تفسيرٌ لِلْجَيْب أَنَّهُ طوق القَمِيص.
وقوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ} اليد فِي اللُّغة تُطلَق عَلَى الكفِّ فقطْ، ولا تشمل الذِّراع إِلَّا مُقَيَّدَةً. والدَّليل عَلَى هَذَا أن الله سبحانه وتعالى لما قَالَ فِي التيمُّم:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]، صار خاصًّا بالكفينِ، ولمَّا أراد الله تبارك وتعالى الذِّراعَ قَالَ فِي الوضوء:{وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].
إِذَنْ: الَّذِي أُمِرَ أن يدخلَه موسى حَسَب مقتضى اللُّغةِ العَربِيَّةِ لَيْسَ اليد والذراع، بل الكفّ، والمُراد يُغَيِّبها فِي جَيبه.
قوله: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} : {تَخْرُجْ} مجَزُومة، مَعَ أَنَّهَا فعل مضارعٌ، ولم يَدْخُل عليها حرفٌ جازم، لَكِنَّها مجزومة بجوابِ الطلبِ الَّذِي هُوَ (أَدْخِلْ). ومعروف أَنَّهُ إذا سَقَطَتِ (الفاء) وقُصِد الجزاء جُزِمَ، فهَذِهِ القاعدة. ففاء السَّبَبيَّة إذا جاءت بعدَ الطلبِ نُصِبَ الفِعْل بها أو بـ (أن) مُضْمَرَة، فإذا سَقَطَتِ الفاءُ بعدَ الطلبِ وقُصِدَ الجزاءُ جَزَمْتَ، هَذِهِ قاعدةٌ معروفةٌ فِي النحوِ.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{تَخْرُجْ}]، يَعْنِي اليَدَ [خِلافَ لَوْنِها مِنَ الأُدْمَة {بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}]، أخذ المُفَسِّر أنَّ لَوْنَها الأُدمة من قوله:{تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} ؛ لِأَنَّهَا لو كانتْ بيضاء من قبلُ لم يَقُلْ: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} . فلا بدَّ أَنَّهَا تغيرتْ من اللونِ الأولِ إِلَى اللونِ الثاني.
وقوله: {بَيْضَاءَ} حال من فاعل (تَخْرُج)، يعني حال كَوْنِها بيضاءَ.
وقوله: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} هَذَا تَقييدٌ لِقَوْلِهِ: {بَيْضَاءَ} ؛ لِأَنَّ البيضاء قد يَكُون بياضها سوءًا مثل البَرَص، فَإِنَّهُ سُوءٌ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ يَسُوءُ صاحِبَهُ، لَكِنَّهُ قَالَ:{مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} .
إِذَنْ: هو بَيَاض لَيْسَ كبياضِ البَرَص، ولهَذَا يَقُول المُفَسِّر رحمه الله:[{بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} بَرَص لها شُعاعٌ يَغْشَى البصرَ آيَة].
أما قوله رحمه الله: لها شُعاع، فهَذَا يحتاج إِلَى دليلٍ، فالله تبارك وتعالى ما ذَكَرَ إِلَّا أَنَّهَا بيضاءُ، وكفَى بذلك آيَةً أن تدخلَ اليد عَلَى لون ثُمَّ تخرج بلونٍ آخرَ.
وأما زيادة الشُّعاع فإنَّ الله تَعَالَى لم يذكرْه، وَلَيْسَ لنا أن نتجاوزَ فِي هَذِهِ الأُمُور ما دلَّ عليه الْقُرْآن؛ لأنَّنا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرَّيةَ لا مجالَ للرأيِ فيها، يُقْتَصَر فيها عَلَى ما جاءَ به الخبرُ، فنَقُول: هِيَ بيضاءُ وكَفَى بها آيَةً.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [آيَة {فِي تِسْعِ آيَاتٍ}]، {فِي} للظرفيةِ. فتكون هَذِهِ الآيَة وكذلك آيَة العَصَا من جملةِ التِّسعِ، وليستْ زائدة عَلَى التِّسعِ.
قَالَ المُفَسِّر رحمه الله: [{فِي تِسْعِ آيَاتٍ} مُرسلًا بها {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ}]، عَرَفَ موسى آيتينِ من هَذِهِ التسعِ وهي: العَصَا واليد، فآيتانِ معروفتانِ، لكِن بقي سبع
آيَاتٍ، وبقيَّة التسعِ قَالَ تَعَالَى:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ} [الأعراف: 133]، فهَذِهِ خمسٌ، وقال تَعَالَى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: 130]، فهَذِهِ هي الآيَات التسعُ.
قوله تَعَالَى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [الأعراف: 133]، والطوفانُ: فيضان الماءِ، و (الجْرَادَ) معروف، و (الْقُمَّلَ): الدودة الَّتِي تكون فِي الحبوبِ، و (الضَّفَادِع) معروفة، (وَالدَّم) معروف، وبعض العُلَماء يَقُول: إن الدم هَذَا الماء، إذا شَرِبُوه فإذا هُوَ دمٌ، وإذا سَلَّمَهُ القِبْطِيّ إِلَى الإسرائيليِّ عاد ماءً.
ولكِن الشيخ عبدُ الرحمنِ السِّعْدِي رحمه الله ذهب إلى غير هَذَا المذهَب، قَالَ: الطوفان: الفيضان، وهَذَا يُفسِد الزُّرُوعَ قبلَ خُرُوجِها، والجراد يأكل الزروعَ بعدَ خُرُوجِها؛ لِأَنَّ الزروعَ مِنْهَا شَيْء مَبْذورٌ فيفسده الماء، وشَيْء خارج يأكله الجرادُ، وشَيْء مدَّخَر يفسده القُمَّل، والماء تفسده الضفادع.
إِذَنْ: الْآنَ المأكولُ والمشروبُ فَسَدَ، وهَذَا المأكول والمشروب إذا أكله الْإِنْسَان أو شَرِبَهُ يَتَحَوَّل إِلَى دمٍ، فأُرْسِل عليهم الدمُ أيضًا وَهُوَ النزيف - الرُّعاف - فعلى هَذَا يَكُون هَؤُلَاءِ غذاؤهم فَسَدَ، وما حصل بالغذاء نزف أيضًا، وهَذَا فِي الحقيقةِ هُوَ المَعْنى السَّليم، فنَقُول: يحصل فساد الماء بالضَّفادعِ، فيصير الماء مُنْتِنًا بالضَّفادعِ فلا يستطيع الإِنْسَان أن يشرب، فرائحته خبِيثَةٌ ومنظره خبيثٌ.
فالحاصل: أن الصَّواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله فِي التفسير
(1)
.
وقوله: {السِّنِينَ} معناه: الجَدْبُ والقَحْط، وَهُوَ عدم نزول المطر.
(1)
انظر: تفسير السِّعدي (ص: 301).
قوله: {إِلَى فِرْعَوْنَ} عَلم جنس لكل من مَلَك مِصر كافرًا، مثل كِسْرَى علم جِنس لكل مَن مَلَك الفُرْس كافرًا، وكذلك قَيْصَر لكُلّ من ملك الرُّوم كافرًا.
وقوله: {وَقَوْمَهُ} القوم: الأصحاب، وسمِّيَ الأصحابُ قومًا، لِأَنَّ بهم قِوَام الْإِنْسَان، فالْإِنْسَان يعتز ويقوم بقومه.
وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} هَذَا تعليلٌ للرسالةِ إليهم، يَعْنِي إِنَّمَا أرسلناكَ إِلَى هَؤُلَاءِ فِي تسعِ آيَاتٍ، لِأَنَّهُم {كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} ، يعني خارجينَ عن الطاعة، والفِسْق يَنْقَسِمُ إِلَى قسمينِ:
• فِسْق أكبر وهو: الخروج عن مُطْلَق الطاعة.
• فِسق أصغر وهو: الخروج عن الطاعة المطلَقة.
والفرق بين التعبيرينِ أن الطاعة المطلَقة هِيَ الشاملة لكل أفرادِ الطاعةِ، يعني أَنَّهُ يُطيع فِي كُلِّ أمرٍ، وَهُوَ الواقِعُ، فإذا قيل: هَذَا الرجلُ قد أطاعَ الله طاعةً مُطْلَقَة، فمعناه أَنَّهُ أطاع فِي كُلّ ما أُمِرَ به، فإذا فَسَقَ فقد خرج من الطاعةِ المطلَقةِ، لِأَنَّ الفرق بين مطلق الشَّيْءِ والشَّيْءِ المطلق أنَّ مُطْلَق الشَّيْء معناه وجودُ أيِّ جزءٍ منه، والشَّيْء المطلَق: الكامِل، ولهَذَا الفاسقُ عند أهلِ السنَّة والجماعةِ هل معه الإِيمانُ المطلَقُ أو مطلق الإِيمانِ؟
معه مُطْلَق الإِيمانِ، فإذا قيل: هَذَا الرجل فاسق، فالمَعْنى: خارج عن مطلقِ الطاعةِ، ففِسْقُه أكبر، يعني معناه: ما يصدق فِي حقِّه ولا أقل طاعة، وهَذَا كافر.
فإذا قيل: هَذَا الفاسِقُ خارج عنِ الطاعةِ المطلقةِ فمعناه: أَنَّهُ معَه طاعة لكِن الطاعة الكاملة لَيْسَت معه، ولذلكَ عندَهم أيضًا حَتَّى فِي الفقه يَقُولُونَ: هَذَا ماء