الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:
أن الله تَعَالَى قد يُحْدِث منَ الأُمُورِ ما يَكُون سببًا لافتتان بعض النَّاس؛ لِقَوْلِهِ: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} ، لِأَنَّهُ لمّا جاء صالح جاء الجَدْب، وهَذَا فِي الحقيقة فتنةٌ لبعضِ النَّاسِ؛ إذ يَقُول بعض النَّاس مثلًا: إن هَذَا من أَسْباب هَذِهِ الرسالةِ، فيَكُون سببًا للفتنةِ، لولا عصمة الله تبارك وتعالى، وهَذَا دائمًا يَكُون فِي أفعالِ اللهِ تَعَالَى الْقَدَرِّية والشَّرْعِيَّة، فِي الشَّرْعِيَّة: قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: 94]، حرَّم الله الصيد عَلَى المحرِمين، فبعث الله إِلَى الصحابةِ رضي الله عنه صَيدًا تناله أيديهم ورِماحهم يُمْسِكه بيده بدون تعبٍ وبرُمْحِه بدون أن يحتاج إِلَى قوسٍ {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فخافوه بالغيب.
وافتتن الله تَعَالَى قومَ موسى بالحيتانِ تأتيهم يومَ سَبْتِهِم شُرَّعًا مَعَ تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يَسْبِتُون لا تأتيهم، ولكِنهم لم يَصْبِروا وخادعوا فتحايَلُوا، وصاروا يَضَعُون الشباكَ للحيتانِ فِي يوم الجُمُعة فتأتي الحيتان فتقع فِيها يوم السبتِ، فإذا كَانَ يوم الأحدِ جاءوا وأخذوها، وقَالُوا: نحن ما صِدنا يوم السبتِ، فقلبهم الله تَعَالَى قِرَدَةً، قَالَ تَعَالَى:{قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166].
فالحاصل أقول: إن الله تَعَالَى قد يَفتِنُ الْإِنْسَان بالفتنِ الشَّرْعِيَّة والْقَدَرَّية لأجلِ أن يعلمَ مَن يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر.
أحيانًا أيضًا يُبْتلى المرءُ بالمصائبِ، قَالَ تَعَالَى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: 11]، ومنَ النَّاس مَن يعبد الله تَعَالَى عَلَى أساسٍ لَيْسَ عَلَى حرفٍ، فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ به، وشكرَ عليه، وإن أصابَتْهُ فِتنة صَبَرَ حَتَّى يَجْتَازَهَا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن الجدبَ والقحطَ هُوَ آيَة وَلَيْسَ فتنةً؟
فالجواب: هَذِهِ فتنة؛ لِأَنَّ النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام بَيَّن أن السَّبَب ليسَ الرسالة، وَهُوَ ما جاء بها لتشهد عَلَى رسالته، أُجيبوا بها لِأَنَّهُم كذَّبوا، مثلما أُجيبتْ قريشٌ بدعاء النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بسنين كسنين يُوسُف
(1)
.
وهو ما قَالَ لهم: إن آيتي أن يَبْتَلِيَكُمُ اللهُ بالقَحْطِ، وحتى لو قَالَ: إنَّ آيتي أن يَبْتَلِيَكُمُ اللهُ بالقحطِ وحَصَلَ فَهُوَ آيَة.
* * *
(1)
رواه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"اجعلها عليهم سنين كسني يوسف"، حديث رقم (961)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، حديث رقم (675)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.