الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السابع
179 -
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ (1)، قَالَ:"مَا لَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَناَ صَائِمٌ، وَفي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"هَلْ تَجدُ رَقَبَةً تُعْتِقُها؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ:"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ:"فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَيْنَا (2) نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ (3)، أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ: المِكْتَلُ، قَالَ:"أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قَالَ: أَنَا، قَالَ:"خُذْ هَذَا (4) فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَوَاللَّهِ! مَا بَيْنَ لَابَتَيْها -يُرِيدُ: الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ أَنيَابُهُ، ثُمَّ
(1) في "ت" زيادة: "وأهلكتُ".
(2)
في "ت": "فبينما".
(3)
في "ت": "كذلك".
(4)
في "ت": "هذه".
قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"(1).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (1834)، كتاب: الصوم، باب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، فتصدق عليه ليكفِّر، واللفظ له، و (1835)، باب: المجامع في رمضان، هل يطعم أهله إذا كانوا محاويج؟ و (2460)، كتاب: الهبة، باب: إذا وهب هبة، فقبضها الآخر، ولم يقل: قبلت، و (5053)، كتاب: النفقات، باب: نفقة المعسر على أهله، و (5737)، كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، و (5812)، باب: ما جاء في قول الرجل: ويلك، و (6331)، كتاب: كفارات الأيمان، باب: متى تجب الكفارة على الغني والفقير، و (6332)، باب: من أعان المعسر في الكفارة، و (6333)، باب: يعطي في الكفارة عشرة مساكين، قريبًا كان أو بعيدًا، و (6435)، كتاب: المحاربين، باب: من أصاب ذنبًا دون الحد، فأخبر الإمام، فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتيًا، ومسلم (1111/ 81 - 84)، كتاب: الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، وأبو داود (2390 - 2393)، كتاب: الصوم، باب: كفارة من أتى أهله في رمضان، والترمذي (724)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كفارة الفطر في رمضان، وابن ماجه (1671)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في كفارة من أفطر يومًا من رمضان.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"معالم السنن" للخطابي (2/ 116)، و"الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 310)، و"عارضة الأحوذي" لابن العربي (3/ 250)، و"إكمال المعلم" القاضي عياض (4/ 52)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 169)، و"شرح مسلم" للنووي (7/ 225)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 213)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 851)، و"النكت على العمدة" للزركشي (ص: 178)، و"التوضيح" لابن الملقن (13/ 263)، =
الحرَّةُ: أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ (1).
* * *
* الكلام على الحديث من وجوه:
الأول: هذا الرجل السائل هو سَلَمَةُ بنُ صخرٍ البياضيُّ، وقيل: سلمانُ بنُ صَخْر (2).
الثاني: قوله: "بينما نحنُ عندَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ": اعلم أن "بينما" تُتلقى تارة بإذ، وتارة بإذا اللتين للمفاجأة، قال الشاعر:
فَبَيْنَمَا العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ
وكقوله في هذه القطعة:
وَبَيْنَمَا المَرْءُ في الأَحْيَاءِ مُغْتَبِطٌ
…
إِذَا هُوَ الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأَعَاصِيرُ (3)
فتلقى هذا الشاعر (بينما) في البيت الأول بإذ، وفي البيت الثاني بإذا، وأما (بينا)، فلا تُتلقى بواحدة منهما، بل وجهُ الكلام أن يقال:
= و"فتح الباري" لابن حجر (4/ 163)، و"عمدة القاري" للعيني (11/ 29) و"إرشاد الساري" للقسطلاني (3/ 377)، و"كشف اللثام" للسفاريني (3/ 515)، و"سبل السلام" للصنعاني (2/ 163)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (4/ 293).
(1)
في "ت" زيادة: "بظاهر المدينة، شرق المدينة".
(2)
انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 321).
(3)
البيتان لحريث بن جبلة العذري. انظر: "العقد الفريد" لابن عبد ربه (3/ 192).
بينا زيدٌ قائمٌ جاء عمرٌو، وعليه قول أبي ذؤيب:
بَيْنَا تُعَانِقُهُ الكُمَاةُ، وَرَوْغُه (1)
…
يَوْمًا، أُتِيحَ لَهُ جَريءٌ سَلْفَعُ
فقال: أتيح، ولم يقل: إذ أُتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه)(2)، ورفعه، فمن جَرَّ، جعل الألف ملتحقةً لإشباع الفتحة؛ لأن الأصل فيها (بينَ)، وجر (تعانقه) على الإضافة، ومن رفع، رفعه على الابتداء، وجعل الألف زائدةً ألحقت (بين) لترتفع بعدها الجملة؛ كما زيدت في (بينما) لهذه العلة (3).
وقد جاءتا -أعني: بينا، وبينما- في هذا الحديث على هذه القاعدة، فقال: بينما نحن عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل، فتلقى (بينما) بإذ، وقال: فبينا نحن على ذلك، أُتي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: إذ أتي، فاعرفْه.
الثالث: استدل الجمهور بقول هذا المجامع في رمضان: هلكتُ، وفي الرواية الأخرى: احترقتُ، على أنه كان متعمّدًا، وقصروا الكفارةَ على المتعمِّد دون الناسي، وهو قولُ مالكٍ المشهورُ، وقولُ أكثر أصحابه (4).
وذهب أحمد، وبعض الظاهرية، وعبد الملك بن الماجشون،
(1) في "ت": "وروعه".
(2)
في "خ": "يعانقه".
(3)
انظر: "درة الغواص في أهاوم الخواص" للحريري (ص: 76)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله.
(4)
"وقول أكثر أصحابه" ليس في "ت".
وابن حبيب، إلى إيجابها على الناسي، وروي ذلك -أيضًا (1) - عن مالك، وعطاء، محتجين بترك استفساره عليه الصلاة والسلام، مع أن ظاهره عمومُ الوقوع في العمد، والجهل، والنسيان، وقد أطلق عليه الصلاة والسلام الفتيا مع هذا الاحتمال، وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: تركُ الاستفصالِ مع الاحتمال يتنزَّلُ منزلةَ العموم في المقال، وهذا ضعيف؛ كما قيل؛ لأنه يمكن أن يقال: إنه ترك هنا استفصاله لقرينةِ حالِهِ الدالةِ على تعمُّدهِ الجماعَ من قوله: (هلكتُ) و (احترقتُ).
قال الإمام: وشذ بعضُ الناس، فقال: لا كفارةَ على المجامِع، وإن تعمَّدَه، واغتر بقوله عليه الصلاة والسلام لمَّا أمره أن يتصدق بالعَرَق من التمر، وشكا (2) الفاقةَ:"اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"، فدلَّ ذلك عنده على سقوط الكفارة.
وأحسن ما حُمل عليه الحديث عندنا: أنه أباح له تأخيرَها لوقتِ يُسْرِه، لا على أنه أسقطها عنه، وليس في الحديث ما يدلُّ على إسقاطها جملة (3).
الرابع: قوله عليه الصلاة والسلام: "هل تجد رقبة تعتقها؟ ": يحتمل أن يستدل به على أمرين:
(1)"أيضًا" ليس في "ت".
(2)
في "ت": "وذكر" بدل "وشكا".
(3)
انظر: "المعلم" للمازري (2/ 52).
أحدهما: جوازُ إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة؛ لإطلاق لفظ الرقبة من غير تقييد بإيمان، وهو مذهبُ أبي حنيفة، وكذلك المَعِيبة (1) عند داود، والجمهورُ على خلافهما؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة الإيمانَ؛ بدليل تقييدها في كفارة القتل، فيُرَدُّ المطلَق إلى المقيد؛ كما هو المعروف في الأصول، وأيضًا: فإن مقصود الشرع بالعتق: تخليصُ الرقاب من الرق، ليتفرغوا للعبادة، ولنصر المسلمين، وهذا المعنى مفقودٌ في حق (2) الكافر.
قيل: وقد دلَّ (3) على صحة هذا المعنى: قولُه عليه الصلاة والسلام في حديث السوداء: "أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ"(4)، وأما العيبُ، فنقصٌ في المعنى والقيمة، فلا يجوز، لأنه في معنى عتق الجزء؛ كالثلث والربع، وهو ممنوع بالاتفاق.
الثاني: أنه لا يجب في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارةٌ واحدة؛ إذ لم يذكر له النبي صلى الله عليه وسلم حكمَ المرأة، وهو مذهبُ الشافعي، وداود، وأهل الظاهر.
(1) في "ت": "المعينة".
(2)
في "ت": "من" مكان "في حق".
(3)
في "ت": "يدل".
(4)
رواه النسائي (3653)، كتاب: الوصايا، باب: فضل الصدقة عن الميت، وابن حبان في "صحيحه"(189)، من حديث الشريد بن سويد الثقفي رضي الله عنه.
ومالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، على وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعته.
ع: ويتأول هذا الحديث لعل المرأة مكرَهَةٌ، أو ناسيةٌ لصومها، أو ممن يُباح لها الفطر ذلكَ اليومَ؛ لعذر المرض، أو السفر، أو الطُّهر من الحيض.
وسوَّى الأوزاعي بين المكرَهَة والطائعة على مذهبه.
وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: يُكَفَّر عنها بغير الصوم.
وقال سحنون: لا شيء عليه (1) لها، ولا عليها، وبهذا (2) قال أبو ثور، وابن المنذر، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المكرهة، والنائمة، إلا ما ذكر (3) عن القاضي إسماعيل عن مالك: أنه لا غسلَ على الموطوءة، نائمةً ولا مكرهةً، ولا شيء عليها، إلا أن تلتذ، قال ابن القصار: فتبين من هذا: أنها غير مفطرة.
ع: فظاهره: أنه لا قضاءَ على المكرَهة إلا أن تلتذَّ، ولا على النائمة؛ لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرَهة.
واختُلف في وجوب الكفارة على المكره على الوطء لغيره على هذا، وحكى ابن القصار، عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المُكرَهَ كفارةٌ عن
(1) في "ت": "عليها".
(2)
في "ت": "وبها".
(3)
في "خ": "إلا ما ذكر ابن".
نفسه، ولا عَمَّنْ أَكره (1).
الخامس: قوله عليه الصلاة والسلام: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ": يقال: اسْتَطاع يَسْتَطيع، واسْتَتاع يَسْتَتيع، واسْطَاع يَسْطيع، وقد ضموا حرف المضارعة من هذا الأخير، وإن كان زائدًا على أربعة أحرف، ومثله أَهْرَاقَ يُهريقُ، واعتذر عنهما سيبويه رحمه الله بأن السين في اسطاع، والهاء في أهراقَ، زائدتان للعوض، واعتُرض عليه: بأنه لم يحذف منهما شيء فيحتاجا إلى عِوَض (2)، وأجاب السّيْرافي عن ذلك بأن قال: العِوَضُ إنما هو من نقل الحركة؛ إذ الأصل في اسطاع: اطوع، وفي أهراق: أروق، فلما نُقلت فتحةُ الواو إلى ما قبلها في الموضعين، قُلبت ألفًا؛ لتحركها في الأصل، وانفتاحِ ما قبلَها الآن، فكانت (3) الزيادة عوضًا من (4) ذلك، فاعرفْه.
ومعنى يستطيع: يقدرُ، ويُطيق، ويَقْوى (5).
والتتابع: التوالي، وهو حجة للجمهور (6) على ابن أبي ليلى؛ إذ لم يشترطه.
(1) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 53).
(2)
في "ت": "العوض".
(3)
في "ت": "وكانت".
(4)
في "ت": "عن".
(5)
في "ت": "تستطيع: تقدر، وتطيق وتقوى".
(6)
في "ت": "الجمهور".
السادس: قوله عليه الصلاة والسلام: "فهل تجدُ إطعامَ ستين مسكينًا؟ " صريحٌ في الدلالة على استيعاب هذه العِدَّة، وبه قال عامةُ الفقهاء؛ خلافًا لما روي عن الحسن: أنه يطعم أربعين مسكينًا صاعًا، وحجةٌ -أيضًا- على من قال: يطعم عشرين مسكينًا ثلاثةَ أيام.
ق: والقولُ بذلك (1)، عملٌ بعلَّةٍ مستنبطةٍ تعود (2) على ظاهر النص بالإبطال، وقد عُلم ما في ذلك في أصول الفقه (3).
وقوله: "فمكث النبي صلى الله عليه وسلم": هو بضم الكاف وفتحها.
السابع: العَرَق: -بفتح العين والراء المهملتين- هو المعروف المشهور في اللغة والرواية، وكذا حكاه ع عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثيرٌ من شيوخنا بإسكان الراء، والصواب: الفتح (4).
قلت: وأما العَظْم الذي عليه اللحم، فبالإسكان لا غيرُ.
ويقال للعَرَق: الزَّبِيلُ (5) -بفتح الزاي-؛ كالرَّغيف، والزِّنْبِيل -بكسر الزاي-؛ كالقِنْديل، ويقال له: القُفَّة، والمِكْتَل -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-، والسَّفيفة -بفتح السين وبفاءين-، قاله ابن دريد.
(1) في "ت": "أنه" بدل "بذلك".
(2)
في "ت": "يعود".
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 217).
(4)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 56).
(5)
في "ت": "الزنبيل".
وسمي عَرَقًا؛ لأنه جمع عَرقَة، وهي الظفيرة (1) الواسعة، ومَنْ سماه عَرقَةً، فلأنه منها، ويجمع -أيضًا- على عرقات.
ع: وسمي زَبيلًا (2)؛ لأنه يُحمل فيه الزِّبل.
وقد قال الفقهاء: إنه يسع خمسةَ عشرَ صاعًا، وذلك ستون مدًا، لكل مسكين مدٌّ؛ لأن الصاع أربعة أمداد؛ كما تقدم، وإذا ضربنا أربعةً في خمسةَ عشرَ، كانت ستين.
وفيه: حجة للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزىء أقلُّ من نصف [صاع] لكلِّ مسكين (3).
الثامن: ظاهرُ الحديث يدلُّ على الترتيب؛ كما ذهب إليه بعض (4) الفقهاء، وجعلوه ككفارة الظِّهار، والمشهورُ من مذهبنا: أنها على التخيير، ومذهبُ الشافعي: أنها على الترتيب؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث.
ونازع ع في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال ما معناه: إن مثل هذا السؤال يُستعمل فيما هو على التخيير، وجعلَه (5) يدلُّ على الأولوية مع التخيير، وأما ما وقع في "المدونة" من قول ابن
(1) في "خ": "الصغيرة".
(2)
في "ت": "زنبيلًا".
(3)
المرجع السابق، الموضع نفسه.
(4)
"بعض" زيادة من "ت".
(5)
في "ت": "وحطه".
القاسم: ولا يعرفُ مالكٌ غيرَ الإطعام، فمحمولٌ ومؤوَّلٌ على استحباب تقديم الإطعام على غيره من الخصال.
وذكر ع في تعليل ذلك وجوهًا: فقال: لذكر اللَّه -تعالى- له في القرآن، وإن كان نسخ رخصة للقادر، ففضله بالذكر والتعيين له غير منسوخ؛ لاختيار اللَّه -تعالى- في حكمه، وكذلك بقاء حكمه للمفرِّط في قضائه، وفي العاجز، وذي العذر، ولشمول نفعِه في المساكين، ولأن له مَدْخَلًا في كفارة رمضانَ للمرضع، والحامل، والشيخِ الكبير، والمفرِّط في قضائه، ولأنه المطابقُ لمعنى الصوم الذي هو الإمساكُ عن الطعامِ والشرابِ، واستحبَّ بعضُ أصحابنا ترتيبَ ذلك على ما جاء في الحديث، واستحبَّ بعضُهم ترتيب ذلك بحسب الأوقات والشدائد، فيكون الإطعامُ هناك أفضل (1)، واللَّه أعلم.
التاسع: ليس في الحديث ما يدل على أمره بالقضاء، ولا زوجته، والجمهورُ على وجوب القضاء عليهما، قيل: والسكوتُ عنه لتقرُّره وظهوره.
وعند الشافعية ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كفَّر بالصيام، فلا قضاء عليه، وإن كفَّر بغيره، قضى يومًا، هذا في الرجل، وأما المرأة، فلا خلاف في وجوب القضاء عليها، زاد إمام الحرمين: إذا لم نوجب (2)
(1) المرجع السابق، (4/ 57).
(2)
في "ت": "يوجب".
عليها كفارةً، فمفهومه: أن القضاء لا يجب عليها إذا وجبت الكفارة، أو يختلف فيه، واللَّه أعلم.
وأما مذهبنا، فلا أعلم فيه خلافًا في وجوب القضاء عليها (1)، إلا ما تقدم من احتمال كلام ابن القصار، مكرهةً كانت أو طائعة، وأما الكفارةُ، فلا خلاف عندنا في وجوبها على الواطىء، وأما المرأة، فإن كانت طائعة، فكذلك يجب عليها كفارةٌ أخرى عن نفسها مع القضاء، وإن كانت مكرَهَةً، فلا قضاء (2) عليها، وتجب الكفارةُ على زوجها عنها، فتكون عليه كفارتان عنه وعنها، هذا هو المشهور.
وقال سحنون: لا شيء عليه لها، ولا عليها، وبهذا قال أبو ثور، وابن المنذر.
وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال: أصحُّها: تجب الكفارة على الرجل عن نفسه فقط، ولا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب (3).
والثاني: تجب عليه الكفارة، وتكون عنه وعنها، وهي كفارة واحدة.
والثالث: تجب عليه كفارتان؛ إحداهما عنه، والأخرى عنها.
وبقول الشافعي: قال داود، وأهل الظاهر -أعني: اتحاد الكفارة-،
(1) في "خ": "عليهما".
(2)
في "ت": "فالقضاء".
(3)
"يلاقيها الوجوب" زيادة من "ت".
والأوزاعي يوافقهم، إلا إذا كفَّر بالصيام.
وبقول مالك قال أبو ثور، وأهل الرأي -أعني: وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعته-، واللَّه أعلم (1).
العاشر: في الحديث: دلالة ظاهرة على أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة، ونقل عن الحسن البصري، وعطاء: أن المكفِّر إن لم يجد رقبةً، أهدى بدنةً إلى مكة، قال عطاء: أو بقرة، ع (2).
وقد اختُلف في عطاءٍ هذا، فقيل: هو عطاءُ بنُ عبد اللَّه، وقيل: ابنُ ميسرة مولى المهلَّبِ بنِ [أبي] صفرة، وأدخله البخاري في الضعفاء والمتروكين (3).
قال ابن بزيزة: وهو وهم، بل كان عالمًا فاضلًا، مجيدًا للقراءات، ولعلمِ القرآن؛ من التفسير، وغيره، روى عنه: مالك، ومعمر، والأوزاعي، قال ذلك الأئمةُ: ابن أبي حازم، وغيره.
قلت: وإنما ضعفه البخاريُّ لتكذيب ابنِ المسيب له، حين سُئل عنه أنه حدثه بحديث الأعرابي: كذبَ، ما حدثْتُه، واللَّه أعلم.
(1) انظر: "الكافي" لابن عبد البر (ص: 124)، و"الإفصاح" لابن هبيرة (1/ 239)، و"المفهم" للقرطبي (3/ 172)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 219).
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 58).
(3)
انظر: "بيان الوهم والإيهام" لابن القطان (3/ 18).
وقد وردت البَدَنة في حديث المفطِرِ (1) في رمضان يعدمُ (2) الرقبةَ، من رواية عطاء، عن سعيد بن المسيب، ذكره مالك في "الموطأ"، وقد أنكر سعيدٌ على عطاءٍ روايتَه عنه البدنةَ (3).
الحادي عشر: قوله: "على أفقرَ مني يا رسول اللَّه؟! ": هكذا وقع في نسخ هذا الكتاب، وفي كتاب مسلم:(أفقرَ) -بالنصب- من غير حرف (على)، على (4) إضمار فعل تقديره: أتجدُ أفقرَ مني؟ أو: أعطي أفقرَ مني (5)؟ ويجوز فيه -الرفع- على أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أحدٌ أفقرُ منا، أو مَنْ يتصدق عليه أفقرُ منا، وهكذا رواه النسائي:"أَحَدٌ أحوجُ منَّا"، واللَّه أعلم (6).
الثاني عشر: قوله: "ما بين لابتيها": اللابتان: الحَرَّتان، والمدينةُ بينَ حَرَّتين، والحَرَّة: الأرضُ الملبسةُ حجارةً سوداءً (7)، و (8) يقال: لابَة، ولوبَة، ونوبة -بالنون (9) -، حكاهن ابنُ عبد البر، والجوهري،
(1) في "ت": "الفطر".
(2)
في "ت": "بعدم".
(3)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 58 - 59).
(4)
"على" ليس في "ت".
(5)
"أو: أعطي أفقر مني" ليس في "ت".
(6)
انظر: "المفهم" للقرطبي (3/ 171).
(7)
في "ت": "والحرة: الأرض ذات الحجار البيض"، وهو خطأ.
(8)
الواو ليست في "ت".
(9)
في "ت": "لابة، ولوبة، ولومه" بدل "لابة، ولوبة، ونوبة، بالنون".
وخلائقُ من أهل اللغة، ومنه قيل للأسود: لوبِيٌّ، ونوبِيٌّ -باللام والنون-، وجمع اللابة: لوبٌ، ولابٌ، ولاباتٌ، ولا همزَ فيها (1).
الثالث عشر: قوله: "فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه".
ع: سبب ضحكه عليه الصلاة والسلام التعجبُ من حالِه ومقاطعِ كلامه، وإشفاقِه أولًا، ثم طلبِه ذلك لنفسِه، وقد يكون من رحمة اللَّه تعالى، وتوسعتِه عليه، وإطعامِه له هذا الطعامَ، وإحلالِه له بعد أن كُلِّف إخراجَه، واللَّه أعلم (2).
والأنياب: جمعُ ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، وهي أربعة، وذلك أن الإنسان له أربع ثنايا، وأربع رَباعِيات، الواحدة رَبَاعِيَة -مخففة-، وأربعةُ أنياب، وأربعةُ ضواحك، واثنتا عشرةَ رحى، ثلاثٌ في كل شق، وأربعةُ نواجذَ، وهي أقصاها، فذلك اثنان وثلاثون سنًا، قاله أبو زيد فيما نقله ابنُ قتيبة عنه، وقال الأصمعيُّ مثله، إلا أنه قال: الأرحاء ثمانية، فتكون على قوله: ثمانية وعشرين (3)، واللَّه أعلم (4).
(1) انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (8/ 233). و"الصحاح" للجوهري (1/ 221)، (مادة: ل وب).
(2)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 56).
(3)
في "خ" و"ت": "وعشرون"، والصواب ما أثبت.
(4)
انظر: "غريب الحديث" للخطابي (1/ 466)، و"كشف المشكل" لابن الجوزي (1/ 238).
فيه: جوازُ الضحك، وهو غيرُ التبسُّم، وما جاء من (1) أنه عليه الصلاة والسلام كان ضحكُه تبسُّمًا (2)، فيجوز أن يكون الغالبُ من ضحكه عليه الصلاة والسلام، لا كلُّه، واللَّه أعلم.
وأما قوله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل: 19]، فضاحكًا حالٌ مقدرة، أي: تبسم مقدرًا (3) الضحك؛ لأن الضحك يستغرق التبسُّمَ، هذا هو الصحيح عندي، وقد جعله ابن عصفور حالًا مؤكدة، وهو بعيدٌ، أو وهمٌ، واللَّه أعلم.
فقد علمت بذلك كلِّه: أن التبسم غيرُ الضحك، يقال منه: ضحك يضحك ضِحْكًا، وضَحْكًا، وضَحِكًا، وضِحِكًا أربع لغات، والضَّحْكَة: المرةُ الواحدةُ (4)، واللَّه أعلم.
الرابع عشر: قوله عليه الصلاة والسلام: "اذهبْ، فأطعِمْه أهلَكَ":
ع: قال الزهري: هذا خاصٌّ لهذا الرجل وحدَه، يعني: أنه
(1)"من" ساقط من "ت".
(2)
رواه البخاري (5741)، كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، ومسلم (899)، كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسبم.
(3)
في ت: "مقدارًا".
(4)
انظر: "الصحاح" للجوهري (4/ 1597)، (مادة: ضحك).
يجزيه أن يأكل من صدقة نفسه؛ لسقوط الكفارة عنه لفقره، فسوغها له النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقد روي:"كُلْهْ وَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ"(1).
وقيل: هو منسوخ.
وقيل: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزئه على من لا تلزمه نفقتُه من أهله.
وقيل: بل لما كان عاجزًا عن نفقة أهله، جاز له إعطاءُ الكفارة عن نفسه لهم.
وقيل: بل لمَّا ملَّكها إياه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهو محتاج، جاز له أكلُها هو وأهلُه لحاجته.
وقيل: يحتمل أنه لما كان لغيره أن يكفِّرَ عنه، كان لغيره أن يتصدَّق عليه عند الحاجة بتلك الكفارة.
وقد ترجم البخاري عليه: إذا أطعم المجامعُ أهلَه [في رمضان من الكفارة وهم محاويج. قال غيره: وهذا ساغ إذا عجز عن نفقتهم، إذ](2) لا تلزمه لهم نفقة، فكانوا كغيرهم.
قال بعضهم أيضًا: ولأن في أكله منها إذا كان محتاجًا إحياء رمقه،
(1) كذا ذكره الإمام الشافعي في "الأم"(2/ 99) ولم يسنده، وأورده عنه ابن عبد البر في "التمهيد" (7/ 176) هكذا. نعم عند أبي داود (2217):"كله أنت وأهلك".
(2)
ما بين معكوفتين سقط من "خ" و"ت"، والاستدراك من المطبوع من "الإكمال".
فجاز له (1) وفيما قاله نظر.
وقيل: بل (2) أطعمه إياه لفقره، وأَبقى الكفارةَ عليه متى أيسر -كما تقدم-، وهذا تحقيق مذهب كافة العلماء، وذهب الأوزاعي (3) وأحمد إلى أن حكمَ مَنْ لم يجد الكفارة ممن لزمته من سائر الناس سقوطُها عنه مثل هذا الرجل (4)، واللَّه أعلم.
قلت: ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "أهلك" دخولُ ذوي القربى والزوجةِ فيه، يقال: أهلُ الرجل، وأهلُ الدار، وكذلك الأَهْلَةُ، والجمع أَهْلات، وأَهَلات (5) -بسكون الهاء وفتحها-، وأَهَالٍ، زادوا فيه الياءَ على غير قياس؛ كما جمعوا ليلًا على ليالٍ، وقد جاء في الشعر: آهال، مثل: فَرْخ، وأفراخ، وزيد، وأزياد، وأنشد الأخفش:
وَبَلْدَةٍ مَا الإِنْسُ مِنْ آهَالِهَا
والمنزلُ الآهِلُ الذي فيه أهلُه، واللَّه أعلم (6).
(1) في "خ": "فحمل" بدل "فجاز له".
(2)
"بل" زيادة من "ت".
(3)
"العلماء وذهب الأوزاعي" زيادة من "ت".
(4)
انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 56).
(5)
"وأهلات" ليس في "ت".
(6)
انظر: "الصحاح" للجوهري (4/ 1629)، (مادة: أهل).