الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولعمر الله إنَّ شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقَّق عبد بها واعتصم بها، وعقَل عمَّن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تامًّا وعصمةً بالغةً ونورًا مبينًا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي؛ ووقع في بدعةٍ ولا شركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِمامًا غير مستقرٍّ
(1)
.
هذا، وإنَّها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنَّها المفتاح لكنوز الجنَّة؛ ولكن ليس كلُّ واحدٍ يُحسن الفتحَ بهذا المفتاح! ولو أنَّ طلَّاب الكنوز وقفوا على سرِّ هذه السُّورة، وتحقَّقوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسنانًا، وأحسنوا الفتحَ به= لوصلوا إلى تناول الكنز من غير مُعاوقٍ ولا ممانعٍ.
ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً، بل حقيقةً. ولكن لله سبحانه حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء هذا السِّرِّ عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استُخْدِم عليها أرواحٌ خبيثةٌ شيطانيَّةٌ تحول بين الإنس وبينها، ولا يقهرها إلا أرواحٌ علويَّةٌ شريفةٌ غالبةٌ لها بحالها الإيمانيِّ، معها منه أسلحةٌ لا تقوم لها الشَّياطين. وأكثرُ نفوس النَّاس ليست بهذه المثابة، فلا تقاوم تلك الأرواح ولا تقهرها، ولا تنال مِن سَلَبها شيئًا؛ فإنَّ مَن قتَل قتيلًا فله سَلَبُه
(2)
.
فاغية
(3)
: هي نَور الحنَّاء، وهي من أطيب الرَّياحين. وقد روى البيهقي
(1)
وانظر ما سبق في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ بالفاتحة.
(2)
يشير إلى حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري (3142) ومسلم (1751). وانظر في تفصيل مطالب سورة الفاتحة الفصول الأولى من «مدارج السالكين» للمؤلف.
(3)
كتاب الحموي (ص 524 - 525).
في كتابه «شعب الإيمان»
(1)
من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه يرفعه: «سيِّد الرَّياحين في الدُّنيا والآخرة: الفاغية» . وروى فيه
(2)
أيضًا عن أنس بن مالكٍ قال: كان أحبَّ الرَّياحين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاغية. والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا نعلم صحَّته.
وهي معتدلةٌ في الحرِّ واليبس، فيها بعض القبض، وإذا وضعت بين طيِّ ثياب الصُّوف حفظتها من السُّوس. وتدخل في مراهم الفالِج والتَّمدُّد
(3)
. ودهنُها يحلِّل الإعياء
(4)
، ويليِّن العصَب.
(1)
بالأرقام (5510، 5675، 5676). وأخرجه أيضًا ابن قتيبة في «غريب الحديث» (1/ 298)، والطَّبراني في «الأوسط» (7477)، وتمَّام في «الفوائد» (298)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (635). كلُّهم من طرقٍ عن أبي هلال محمَّد بن سليم الرَّاسبيِّ، عن عبد الله بن بريدة به. قال السُّيوطي في «جِياد المسلسلات» (ص 93):«أبو هلال وُثِّق، وفيه بعض الضَّعف» ، لكن الطُّرق إليه كلُّها واهية، ينظر:«السلسلة الضعيفة» (3579). ويُروى موقوفًا.
(2)
برقم (5673) من طريق عبد الحميد بن قدامة، عن أنس به، والنقل من كتاب الحموي. وأخرجه أيضًا الطَّبرانيُّ في «الكبير» (1/ 254). ونقل العقيلي في «الضُّعفاء» (3/ 47) عن البخاري أنَّه قال:«عبد الحميد بن قدامة عن أنس في الفاغية، لا يتابع عليه» ، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (1757).
(3)
في «القانون» (2/ 150): «التمدُّد مرض آليّ يمنع القوة المحركة عن قبض الأعضاء التي من شأنها أن تنقبض لآفة في العضل والعصب» .
(4)
ل: «الأعضاء» ، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها، وهو تحريف. وفي كتاب الحموي عن «القانون» (1/ 474) ما أثبت من الأصل وغيره، وكذا في الطبعة الهندية.