الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاحٌ لها وتعديلٌ ودفعٌ لما فيها من الكيفيَّات المضرَّة بما يقابلها. وفي ذلك عونٌ على صحَّة البدن وقوَّته وخصبه. قالت عائشة رضي الله عنها: سمَّنوني بكلِّ شيءٍ فلم أسمَنْ، فسمَّنوني بالقثَّاء والرُّطب، فسَمِنتُ
(1)
.
وبالجملة: فدفعُ ضرر البارد بالحارِّ، والحارِّ بالبارد، والرَّطْب باليابس، واليابس بالرَّطب، وتعديلُ أحدهما بالآخر= من أبلغ أنواع العلاجات وحفظ الصِّحَّة. ونظير هذا ما تقدَّم من أمره بالسَّنا والسَّنُّوت وهو العسل الذي فيه شيءٌ من السَّمن يُصلَح به السَّنا ويعدِّله. فصلوات الله وسلامه على من بُعِث بعمارة القلوب والأبدان وبمصالح الدُّنيا والآخرة.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في الحِمْية
(2)
الدِّين
(3)
كلُّه شيئان: حِمْيةٌ، وحفظُ صحَّة. فإذا وقع التَّخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق. وكذلك مدار الطِّبِّ كلِّه على هذه القواعد الثَّلاثة. والحِمْية: حِمْيتان: حميةٌ عمَّا يجلب المرض، وحميةٌ عمَّا يزيده فيقف على
(1)
أخرجه أبو داود (3903)، والنَّسائي في «الكبرى» (6691)، وابن ماجه (3324)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (3022)، والبزَّار (18/ 105 - 106)، وأبو يعلى (4558)، والطَّبراني في «الكبير» (23/ 27) واللَّفظ له. وفي إسناده اختلاف، وصحَّحه الحاكم (2/ 186)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/ 123).
(2)
س: «بالحمية» . و «في» ساقط من د.
(3)
في النسخ المطبوعة: «الدواء» ، وهو تحريف شنيع من ناسخ أو ناشر. ولم ترجع طبعة الرسالة هنا أيضًا إلى أصلها.
حاله. فالأولى
(1)
: حمية الأصحَّاء. والثَّانية: حمية المرضى، فإنَّ المريض إذا احتمى وقف مرضُه عن التَّزايد، وأخذت القوى في دفعه.
والأصل في الحمية: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}
(2)
[النساء: 43]. فحمى المريض من استعمال الماء، لأنَّه يضرُّه.
وفي «سنن ابن ماجه»
(3)
وغيره عن أمِّ المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه عليٌّ، وعليٌّ ناقهٌ من مرضٍ، ولنا دوالٍ
(4)
معلَّقةٌ. فقام النبي صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وقام عليٌّ يأكل منها. فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي:«إنَّك ناقهٌ» حتَّى كفَّ. قالت: وصنعتُ شعيرًا وسِلْقًا، فجئتُ به، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلي:«من هذا أصِبْ، فإنَّه أنفع لك» . وفي لفظٍ
(5)
: فقال: «من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفَق لك» .
(1)
ف، د:«فالأول» .
(2)
قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} استدرك في هامش ف، ز ولم يستدرك في د.
(3)
برقم (3442). وأخرجه أيضًا أبو داود (3856)، والتِّرمذيُّ (2037)، وأحمد (27051 - 27053). تفرَّد به فليح بن سليمان، واختُلِف عليه. وقال التِّرمذي:«هذا حديث حسن غريب» ، وصحَّحه الحاكم (4/ 204، 205، 407)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (2/ 343)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (59).
(4)
سيأتي تفسيره في (ص 148).
(5)
للترمذي (2037) وغيره.
وفي «سنن ابن ماجه»
(1)
أيضًا عن صهيب قال: قدمت على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال:«ادنُ فكُلْ» فأخذتُ تمرًا، فأكلت، فقال:«أتأكل تمرًا وبك رمدٌ؟» . فقلت: يا رسول الله أمضُغ من النَّاحية الأخرى. فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي حديثٍ محفوظٍ عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدُّنيا
(2)
، كما يحمي أحدكم مريضَه عن الطَّعام والشَّراب»
(3)
. وفي لفظٍ: «إنَّ الله يحمي عبده المؤمن الدُّنيا
(4)
»
(5)
.
(1)
برقم (3443). وأخرجه أيضًا أحمد (16591، 23180)، والبزَّار (2095)، والطَّبراني في «الكبير» (8/ 41)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (275، 276، 704). وصحَّحه الحاكم (3/ 399، 4/ 411)، والضِّياء في «المختارة» (8/ 68 - 69)، والبوصيريُّ في «المصباح» (4/ 51)، إلَّا أنَّ في إسناده اختلافًا، وفيه من لم يوثِّقه سوى ابن حبَّان، وقد ضعَّفه النَّووي في «المجموع» (9/ 64)، وحسَّنه الزَّيلعيُّ في «تخريج أحاديث الكشَّاف» (3/ 14)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (2/ 343)، والعراقي في «المغني» (1270).
(2)
ث: «من الدنيا» ، وكذا في المطبوع.
(3)
أخرجه التِّرمذي (2036)، والبخاري في «التَّاريخ الكبير» (7/ 185)، وابن أبي الدُّنيا في «الزُّهد» (38)، وابن أبي عاصم في «الزُّهد» (190، 191)، والطَّبري في «التَّهذيب» (1/ 288 ــ مسند ابن عبَّاس)، وغيرهم من طريق محمود بن لَبِيد عن قتادة بن النُّعمان رضي الله عنه به، وفيه:«الماء» بدل: «الطَّعام والشَّراب» . واختُلف في إسنادِه، وقال التِّرمذي:«هذا حديث حسن غريب» ، وصحَّحه ابن حبَّان (669)، والحاكم (4/ 207، 309)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (2/ 343). وينظر:«العلل» لابن أبي حاتم (1820).
(4)
ث، ل:«من الدنيا» ، وكذا في المطبوع.
(5)
أخرجه التِّرمذي عقِب حديث (2036)، وأحمد (23622، 23627، 23632)، عن محمود بن لَبِيد رضي الله عنه به. وقد جعله بعضُهم من حديث محمودٍ عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه، وبعضُهم جعله من حديثه عن عقبة بن رافع رضي الله عنه، وبعضهم مِن حديثه عن رافع بن خديج رضي الله عنه، وبعضهم مِن حديثه عن قتادة بن النُّعمان رضي الله عنه وهو اللَّفظ السَّابق. قال التِّرمذي: «مرسل
…
محمود بن لَبيد قد أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم، ورآه وهو غلام صغير»، فلا يضرُّ إرساله؛ ولذا حسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (2/ 181)، والله أعلم. وفي الباب عن حذيفة رضي الله عنه.
وأمَّا الحديث الدَّائر على ألسنة كثيرٍ من النَّاس: «الحمية رأس الدَّواء، والمعدة بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ جسد
(1)
ما اعتاد»، فهذا الحديث إنَّما هو من كلام الحارث بن كَلَدة طبيب العرب
(2)
، ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
(3)
. قاله غير واحدٍ من أئمَّة الحديث.
(1)
كان في ن: «جسم» ، فأصلح.
(2)
انظر: «عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء» (2/ 17)، وفيه:«وقيل: هو من كلام عبد الملك بن أبجر» . وأخرجه أبو محمَّد الخلَّال في «كتاب الطِّب» بإسناده من قولِ عليٍّ رضي الله عنه كما في «الآداب الشَّرعيَّة» (2/ 339)، وقال ابن مفلح أيضًا: روى الخلَّال في «كتاب الطِّب» بإسناده عن عروة ــ وفي نسخة: عمرو ــ بن سودة قال: جلس المأمون للنَّاس مجلسًا عامًّا، فكان فيمن حضَره منجَه وهنجَه طبيبَا الرُّوم والهند
…
فأقبل المأمون على إسحاق بن راهويه فقال: ما تَرى؟ فقال: ذكر هشامُ بن عروةَ عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تشتكِي، فقال لها:«يا عائشة، الحِمية دواءٌ، والمعدة بيتُ الأدواء، وعوِّدوا بدنًا ما اعتاد» . وهذا إسنادٌ ظاهِرُ الانقطاع، فإنَّ ابن راهَوَيه لم يُدرِك هشامًا، ثمَّ إنَّ راوي القصَّة لا يُدرَى من هو، ولا يُدرى حضورُه لها، ولم يُذكَر الإسناد إليه.
(3)
وكذا قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (2/ 469)، والسَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (1035). وعبارة ابن الجوزي في «زاد المسير» (2/ 114):«لا يثبُت» . وقال الزَّيلعيُّ في «تخريج الكشَّاف» (1/ 460): «غريب جدًّا» . وقال السُّبكي في «الطَّبقات» (6/ 335): «لم أجِد له إسنادًا» ، وكذا قال ابن حجر في «الكاف الشَّاف» (110). وقال الزَّركشي في «التَّذكرة» (ص 145):«لا أصل له عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم» ، وكذا قال العراقي في «المغني» (2496)، والألباني في «الضَّعيفة» (252).
ويذكر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أنَّ المعدة حوض البدن، والعروقُ إليها واردةٌ. فإذا صحَّت المعدة صدرت العروق بالصِّحَّة، وإذا سقِمت المعدة صدرت العروق بالسَّقَم»
(1)
.
وقال الحارث: رأس الطِّبِّ الحمية
(2)
. والحمية عندهم للصَّحيح في المضرَّة بمنزلة التَّخليط للمريض والنَّاقه. وأنفع ما تكون الحمية للنَّاقه من المرض، فإنَّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوَّتها، والقوَّةُ الهاضمةُ ضعيفة، والطَّبيعةُ قابلة، والأعضاءُ مستعدَّة؛ فتخليطُه يوجب انتكاسًا
(3)
أصعبَ من ابتداء مرضه.
واعلم أنَّ في منع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعليٍّ من الأكل من الدَّوالي وهو ناقهٌ أحسنَ
(1)
أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (4343)، وتمَّام في «الفوائد» (332)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (85)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال العُقيلي في «الضُّعفاء» (1/ 51): «باطلٌ لا أصل له
…
وهذا الكلام يُروى عن ابن أبجر»، وضعَّفه ابن حبَّان في «المجروحين» (3/ 128)، والدَّارقطني في «العلل» (8/ 42)، والبيهقي في «الشُّعب» (5414)، والذَّهبي في «الميزان» (1/ 25)، والزَّيلعي في «تخريج أحاديث الكشَّاف» (1/ 460)، وغيرهم، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 284)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (1692).
(2)
كتاب الحموي (ص 336).
(3)
د، ز، حط، ن:«انتكاسها» ، وكذا غُيِّر في س. ويظهر أن بعضهم زاد فيما بعد:«وهو» قبل «أصعب» لإصلاح السياق كما في هامش ن.
التَّدبير، فإنَّ الدَّوالي أقناءٌ من الرُّطَب تُعلَّق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهةُ تضرُّ بالنَّاقه من المرض لسرعة استحالتها وضعفِ الطَّبيعة عن دفعها، فإنَّها بعدُ لم تتمكَّن قوَّتها، وهي مشغولةٌ بدفع آثار العلَّة وإزالتها من البدن.
وفي الرُّطب خاصَّةً نوع ثقلٍ على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عمَّا هي بصدده من إزالة بقيَّة المرض وآثاره. فإمَّا أن تقف تلك البقيَّة، وإمَّا أن تتزايد. فلمَّا وُضع بين يديه السِّلق والشَّعير أمره أن يصيب منه، فإنَّه من أنفع الأغذية للنَّاقه، فإنَّ في ماء الشَّعير من التَّبريد والتَّغذية والتَّلطيف والتَّليين وتقوية الطَّبيعة ما هو أصلح للنَّاقه، ولا سيَّما إذا طُبِخ بأصول السِّلق. فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعفٌ، ولا يتولَّد عنه من الأخلاط ما يخاف منه.
وقال زيد بن أسلم: حمى عمر مريضًا له حتَّى إنَّه من شدَّة ما حماه كان يمُصُّ النَّوى
(1)
.
وبالجملة: فالحمية من أكبر
(2)
الأدوية قبل الدَّاء، فتمنع حصولَه. وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.
(1)
أخرجه الحاكم (4/ 207) من طريق مسلم بن خالد الزِّنجي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال:«مرضتُ في زمان عمر بن الخطَّاب مرضًا شديدًا، فدعا لي عمرُ طبيبًا، فحماني حتَّى كنتُ أمصُّ النَّواةَ مِن شدَّة الحِميَة» . وصحَّحه الذَّهبيُّ كما في «مختصر التَّلخيص» (934)، والزِّنجي متكلم فيه ولكنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدِّه مختصرًا، كما عند حرب في «مسائله» (2/ 836 - رسالة جامعية).
(2)
ن: «أنفع» وكذا في النسخ المطبوعة.
فصل
وممَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ كثيرًا ممَّا يُحمى عنه العليل والنَّاقه والصَّحيح، إذا اشتدَّت الشَّهوة إليه، ومالت إليه الطَّبيعة، فتناول منه الشَّيءَ اليسيرَ الذي لا تعجز الطَّبيعة عن هضمه= لم يضُرَّه تناولُه. بل ربَّما انتفع به، فإنَّ الطَّبيعة والمعدة تتلقَّيانه بالقبول والمحبَّة، فيصلحان ما يُخشى من ضرره. وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطَّبيعة وتدفعه من الدَّواء.
ولهذا أقرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم صهيبًا ــ وهو أرمد ــ على تناول التَّمرات اليسيرة، وعلِم أنَّها لا تضرُّه
(1)
. ومن هذا ما يروى عن عليٍّ أنَّه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أرمد، وبين يدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تمرٌ يأكله، فقال:«يا عليُّ، تشتهيه؟» . ورمى إليه بتمرةٍ، ثمَّ بأخرى حتَّى رمى إليه سبعًا، ثمَّ قال:«حسبُك يا عليُّ»
(2)
.
(1)
تقدم تخريجه قريبًا.
(2)
أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (705) من طريق العلاء، عن أبيه، عَن عليٍّ رضي الله عنه به، وحسَّن إسناده السيوطيُّ في «الجامع الكبير» كما في «الكنز» (28471)، لكن الرَّاوي عن العلاء: الزِّنجيُّ بن خالد ــ وهو مسلمٌ المتقدِّم ذكره ــ متكلَّمٌ فيه، قال ابن عديٍّ في «الكامل» (6/ 311):«هذا الحديث عن العلاء غير محفوظٍ» . وجاء من وجه آخر مرسلًا، أخرجه ابن أبي شيبة (24134) عن حفص، عن جعفر، عن أبيه قال: أُهدِي للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قِناعٌ من تمرٍ وعليٌّ محموم، قال: فنبذ إليه تمرةً، ثمَّ أخرى، حتَّى ناوله سبعًا، ثمَّ كفَّ يده وقال:«حسبُك» . وله طريق ثالث تالفٌ، أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (4/ 383) من طريق سيف بن محمَّد، عن الثَّوريِّ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البختريِّ، عن عليٍّ رضي الله عنه بمعناه، وقال:«غريبٌ من حديث الثَّوريِّ، تفرَّد به سَيف» ، وهو ابن أختٍ لسفيان، وقد كذَّبوه. وتقدَّم تخريج حديث أمِّ المنذر رضي الله عنها في حِمية النَّبيِّ لعليٍّ رضي الله عنه.
ومن هذا ما رواه ابن ماجه في «سننه»
(1)
من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عاد رجلًا فقال له: «ما تشتهي؟» فقال: أشتهي خبزَ بُرٍّ. وفي لفظٍ: أشتهي كَعْكًا. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده خبزُ برٍّ فليبعث إلى أخيه» . ثمَّ قال: «إذا اشتهى مريضُ أحدكم شيئًا فليُطعِمه» .
ففي هذا الحديث سرٌّ طبِّيٌّ لطيفٌ
(2)
،
فإنَّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوعٍ صادقٍ طبيعيٍّ
(3)
، وكان فيه ضررٌ مَّا، كان أنفعَ وأقلَّ ضررًا ممَّا لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه؛ فإنَّ صدقَ شهوته ومحبَّةَ الطَّبيعة له
(4)
تدفع
(1)
(1439، 3440). وأخرجه أيضًا تمَّام في «الفوائد» (641)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (702). وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (299)، وحسَّن إسناده ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (2/ 344)، والبوصيريُّ في «المصباح» (2/ 20)، لكن فيه صفوان بن هُبيرة، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (2/ 212):«لا يُتابع على حديثه، ولا يُعرف إلَّا به» ؛ ولذا حكم بنكارَته أبو حاتم كما في «العِلل» لابنه (2488)، والذَّهبيُّ في «الميزان» (2/ 316)، وأشار ابن حجر في «نتائج الأفكار» (4/ 237) إلى لينه.
(2)
هذا السرّ الطبي اللطيف مأخوذ من كتاب الحموي (ص 266) والحموي أخذه من «الأربعين الطبية» لعبد اللطيف البغدادي (ص 102)، وقال البغدادي بعد ذلك:«وطالما رأيت وسمعت مرضى يشتهون أشياء ينكرها الطبيب، فيتناولونها على رغمه، فيعقبها الشفاء. فإذا فحص الطبيب عن علة ذلك ألفاها صحيحة مطابقة. وما ذلك إلا لعجز البشر عن اقتناء كل ما في طبيعة الأشياء. فينبغي للطبيب الكيِّس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلّته على طبيعته ومما يهتدي به إلى طريق علله. فسبحان المستأثر بالغيب» .
والمؤلف رحمه الله لم يقف على كتاب البغدادي، وإلّا لتلقَّف كلامه وساقه في هذا الفصل استحسانًا له.
(3)
د: «طبعي» .
(4)
«له» ساقط من طبعة الرسالة.