الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى معدته خاصَّةً لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطِّبها ويقوِّيها ويغذِّيها. ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكنَّ المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خِلطٌ مراريٌّ أو بلغميٌّ أو صديديٌّ، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة، ويَسْرُوه
(1)
، ويحدُره، ويمنعه
(2)
، ويعدِّل كيفيَّته، ويكسر سورته، فيريحها؛ ولا سيَّما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشَّعير. وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزةً عندهم
(3)
. والله أعلم.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج السَّمِّ الذي أصابه بخيبر من اليهود
ذكر عبد الرزاق
(4)
عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرحمن بن
(1)
أي يكشفه ويزيله. وقد غيَّره بعضهم في ز إلى «ويسرِّيه» .
(2)
هكذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة ومصدر المؤلف إلا طبعة الرسالة التي غُيِّر فيها إلى «يميِّعه» . وفي كتاب الموفق: «يدفعه» وهو يؤيد صحة ما أثبت.
(3)
«ولا سيما
…
عندهم» من كلام المؤلف. وقال الموفق: «وما أنفع الحساء خاصة لمن يغلب على غذائه الحنطة، فالأولى به في مرضه حساء الشعير» .
(4)
في «المصنَّف» (10019، 19814)، ومن طريقه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (4/ 260 - 263) ــ ومنه النقل فيما يبدو ــ، وقال:«هذا مرسلٌ، ويحتمل أن يكونَ عبد الرَّحمن حمله عن جابر بن عبد الله» . وقد أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (2/ 201) من طريق محمَّد بن عبد الله، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جابر بمعناه. وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» (19/ 70) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرَّحمن بن كعب، عن أبيه، أنَّ امرأةً يهوديَّة
…
قال الهيثميُّ في «المجمع» (8/ 296): «فيه أحمد بن بكر البالسيُّ، وثَّقه ابن حبَّان وقال: يخطئ، وضعَّفه ابن عديٍّ، وبقيَّة رجاله رجال الصَّحيح» . ومن شواهِد احتجام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من سُمِّ خيبر حديثُ ابن عبَّاس وأبي هريرة وعبد الله بن جعفر وعبد الرَّحمن بن عثمان رضي الله عنهم، وعن الحسن وعكرمة وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وينظر:«المطالب العالية» (11/ 245 - 249 ــ نشرة الشّثريِّ). وأصلُ القصَّة في الصَّحيحين من غير ذكر الاحتجام.
كعب بن مالك: أنَّ امرأةً يهوديَّةً أهدت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم شاةً مَصْليَّةً بخيبر، فقال:«ما هذه؟» . قالت: هديَّةٌ، وحذِرت أن تقول: من الصَّدقة، فلا يأكلَ
(1)
. فأكل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأكل أصحابه
(2)
. ثمَّ قال: «أمسِكوا» . ثمَّ قال للمرأة: «هل سمَمْتِ هذه الشَّاة؟» . قالت: من أخبرك بهذا؟ قال: «هذا العظم» لساقها وهو في يده؟ قالت: نعم. قال: «لم؟» . قالت: أردت إن كنتَ كاذبًا أن يستريح منك النَّاس
(3)
، وإن كنتَ نبيًّا لم يضرَّك.
قال: فاحتجم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ثلاثةً على الكاهل، وأمر أصحابه
(4)
، فاحتجموا، فمات بعضهم.
وفي طريقٍ أخرى: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشَّاة. حَجَمه أبو هند بالقَرْن والشَّفرة، وهو مولًى لبني بياضة من الأنصار
(5)
.
(1)
بعده في ن زيادة: «منها» .
(2)
حط: «الصحابة» .
(3)
س: «نستريح منك والناس» .
(4)
في ن بعده زيادة: «أن يحتجموا» زادها بعض النساخ لعدم إلفه للعربية العتيقة. وكذا في النسخ المطبوعة.
(5)
أخرجه أبو داود (4510) من طريق يونس، والدَّارميُّ (68) من طريق شُعَيب بن أبي حَمزة، كلاهما عن ابن شهاب، عن جابر بن عبد الله به. وهذا أحد الأوجه الَّتي رُويت عن الزُّهريِّ في هذا الحديث، قال المقدسيُّ في «السُّنن والأحكام» (5/ 544):«ابن شهاب لم يُدرك جابرًا» ، فالإسناد منقطع، لكن له شواهد كثيرةٌ تقدَّم الإشارة إليها في التَّخريج السَّابق.
وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتَّى كان وجعه الذي توفِّي فيه فقال: «ما زلتُ أجد من الأُكْلة الَّتي أكلتُ من الشَّاة يوم خيبر حتَّى كان هذا أوانَ انقطاع الأبهر منِّي» . فتوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدًا. قاله موسى بن عقبة
(1)
.
معالجة السَّمِّ تكون بالاستفراغات وبالأدوية الَّتي تُعارض فعلَ السَّمِّ وتبطله، إمَّا بكيفيَّاتها، وإمَّا بخواصِّها. فمن عَدِم الدَّواءَ فليبادر إلى الاستفراغ الكلِّيِّ، وأنفعه الحجامة ولا سيَّما إذا كان البلد حارًّا والزَّمان حارًّا؛ فإنَّ القوَّة السَّمِّيَّة تسري إلى الدَّم، فتنبعث في العروق والمجاري حتَّى تصل إلى القلب فيكون الهلاك. فالدَّم هو المنفذ المُوصِل للسَّمِّ إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدَّمَ خرجت معه تلك الكيفيَّة السَّمِّيَّة الَّتي خالطته. فإن كان استفراغًا تامًّا لم يضرَّه السَّمُّ، بل إمَّا أن يذهب، وإمَّا أن يضعُف فتقوى عليه الطَّبيعة، فتُبطِل فعله أو تُضْعِفه.
ولمَّا احتجم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم احتجم في الكاهل
(2)
، وهو أقرب المواضع الَّتي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت المادَّة السَّمِّيَّة مع الدَّم لا خروجًا
(1)
«المغازي» (ص 255) قال: قال الزُّهريُّ: قال جابر بن عبد الله: «واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل يومئذٍ
…
» إلخ، ومن طريق موسى أخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (4/ 264)، وإسناده منقطعٌ. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات» (2/ 201) عن الواقديِّ ــ وهو متروكٌ ــ وجمع فيه أسانيد متعدِّدةً. وأخرج الطَّبراني في «الكبير» (2/ 35) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروةَ مرسلًا، وذكر قصَّة الشَّاة المسمومة، وفي آخرها:«وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين حتَّى كان وجعُه الَّذي مات فيه» .
(2)
أخرجه أبو داود (3860)، والتِّرمذيُّ (2051)، وابن ماجه (3483)، وأحمد (12191، 13001)، وغيرهم من حديث أنس رضي الله عنه. وقد تقدَّم تخريجه.