الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلاح القلب والبدن والدُّنيا والآخرة.
ولم يكن يأخذ من النَّوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه. وكان يفعله على أكمل الوجوه، فينام إذا دعته الحاجة إلى النَّوم على شقِّه الأيمن ذاكرًا لله حتَّى تغلبه عيناه، غيرَ ممتلئ البدن من الطَّعام والشَّراب، ولا مباشرٍ بجنبه الأرض، ولا متَّخذٍ للفُرُش المرتفعة. بل له ضِجاعٌ من أَدَمٍ حشوُه لِيفٌ. وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خدِّه أحيانًا.
ونحن نذكر فصلًا في النَّوم والنَّافع
(1)
منه والضَّارِّ، فنقول
(2)
:
النَّوم: حالةٌ للبدن يتبعها غورُ الحرارة الغريزيَّة والقوى إلى
(3)
باطن البدن لطلب الرَّاحة. وهو نوعان: طبيعيٌّ وغير طبيعيٍّ. فالطَّبيعيُّ إمساك القوى النَّفسانيَّة عن أفعالها، وهي قوى الحسِّ والحركة الإراديَّة. ومتى أمسكت هذه القوى عن تحريك البدن استرخى، واجتمعت الرُّطوبات والأبخرة الَّتي كانت تتحلَّل وتتفرَّق بالحركات واليقظة في الدِّماغ الذي هو مبدأ هذه القوى، فيخدَر
(4)
ويسترخي. وذلك النَّوم الطَّبيعيُّ.
وأمَّا النَّوم غير الطَّبيعيِّ فيكون لعرضٍ أو مرضٍ. وذلك بأن تستولي
(1)
س، ث، ل:«النافع» دون الواو قبله.
(2)
هذا الفصل منقول بتصرف من كتاب الحموي (ص 200 - 206).
(3)
حرف «إلى» ساقط من د
.
(4)
ن: «فيتخدَّر» . والفعلان مهملان في الأصل وبعض النسخ، وفي بعضها:«فتخدر وتسترخي» . وفي مخطوط كتاب الحموي (ق 55/ب): «فتخدر ويسترخي» ، وكذا في د.
الرُّطوبات على الدِّماغ استيلاءً لا تقدر اليقظة على تفريقها، أو تصعد أبخرةٌ رطبةٌ كثيرةٌ كما يكون عقيب الامتلاء من الطَّعام والشَّراب، فتثقل الدِّماغَ وتُرخيه، فيخدَرُ
(1)
، ويقع إمساك القوى النَّفسانيَّة عن أفعالها، فيكون النَّوم.
وللنَّوم فائدتان جليلتان. إحداهما: سكون الجوارح وراحتها ممَّا يعرض لها من التَّعب، فتريح الحواسَّ من نصَب اليقظة، وتزيل
(2)
الإعياء والكلال. والثَّانية: هضمُ الغذاء ونضجُ الأخلاط؛ لأنَّ الحرارة الغريزيَّة في وقت النَّوم تغور إلى باطن البدن، فتُعين على ذلك. ولهذا يبرد ظاهرُه، ويحتاج النَّائم إلى فضل دثارٍ.
وأنفَعُ النَّوم: أن ينام على الشِّقِّ الأيمن، ليستقرَّ الطَّعامُ بهذه الهيئة في المعدة استقرارًا حسنًا، فإنَّ المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلًا. ثمَّ يتحوَّل إلى الشِّقِّ الأيسر قليلًا ليسرع الهضم بذلك لاشتمال
(3)
المعدة على الكبد. ثمَّ يستقرُّ نومه على الجانب الأيمن، ليكون الغذاء أسرع انحدارًا عن المعدة. فيكون النَّوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته. وكثرةُ النَّوم على الجانب الأيسر مضرٌّ بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصبُّ إليه الموادُّ.
وأردى
(4)
النَّوم: النَّوم على الظَّهر. ولا يضرُّ الاستلقاء عليه للرَّاحة من غير نومٍ. وأردى منه: أن ينام منبطحًا على وجهه. وفي «المسند» و «سنن ابن
(1)
هنا أيضًا في ن: «فيتخدَّر» ، واضطربت النسخ في حرف المضارعة في الفعلين السابقين.
(2)
س، ن: «فيريح
…
ويزيل». والفعلان مهملان في ث، ل. وفي ز:«فتستريح» .
(3)
كذا في جميع النسخ. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «استمالة» .
(4)
كذا في جميع النسخ هنا وفيما يأتي على تخفيف الهمز، وأصله:«أردأ» .
ماجه»
(1)
عن أبي أمامة قال: مرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على رجلٍ نائمٍ في المسجد منبطحٍ على وجهه، فضربه برجله، وقال:«قم أو اقعد، فإنَّها نومةٌ جهنَّميَّةٌ» .
قال أبقراط في كتاب «التَّقدمة»
(2)
: وأمَّا نوم المريض على بطنه، من غير أن تكون عادته في صحَّته جرت بذلك، فذلك يدلُّ على اختلاط عقلٍ وعلى ألمٍ في نواحي البطن. قال الشُّرَّاح لكتابه
(3)
: لأنَّه خالف العادة الجيِّدة إلى هيئةٍ رديَّة من غير سببٍ ظاهرٍ ولا باطنٍ.
(1)
في مصدر المؤلف: «رواه ابن ماجه وغيره» . هذا في مخطوطه (ق 57/ب). أما المطبوع (ص 206) فسقط منه «وغيره» . ولم أقف عليه في «مسند أحمد» من حديث أبي أمامة، وإنما فيه (15543) من حديث طِخفة الغفاري بلفظ:«إن هذه ضِجعة يبغضها الله» ، وإسناده ضعيف لجهالة ابن طخفة الراوي عن أبيه. وفي «المسند» (19473) أيضًا من مرسل عمرو بن الشَّريد بنحوه. وفيه أيضًا (7862) من حديث أبي هريرة إلا أن إسناده معلول، والصواب فيه عن طِخفة الغفاري. انظر:«إكرام الضيف» لإبراهيم الحربي (ص 37 - 39) و «العلل» لابن أبي حاتم (5/ 572 - 575) وللدارقطني (9/ 300).
وحديث أبي أمامة المذكورفي «سنن ابن ماجه» (3725) من طريق الوليد بن جميل، عن القاسم بن عبد الرَّحمن، عنه. وأخرجه أيضًا البخاريُّ في «الأدب المفرد» (1188)، والطَّبراني في «الكبير» (8/ 234). والوليد بن جميل قال أبو حاتم:«شيخٌ يروي عن القاسم أحاديث منكرة» . ينظر: «الجرح والتَّعديل» (9/ 3).
(2)
أي: «تقدمة المعرفة» ، كما في كتاب الحموي (ص 206). وانظر نسخة الإسكوريال من الكتاب المذكور ضمن مجموع برقم 857 (ق 36/أ).
(3)
هو قول ابن قاضي بعلبك في «شرح تقدمة المعرفة» الذي جمعه من كلام شيخه مهذب الدين عبد الرحيم بن علي الطبيب (ت 628 هـ) كما ذكر في مقدمة الشرح. انظر: نسخة جامعة الملك سعود برقم 1949 (ق 5/ب). وانظر ترجمة ابن قاضي بعلبك في «أعلام الزركلي» (7/ 255).
والنَّوم المعتدل ممكِّنٌ للقوى الطَّبيعيَّة من أفعالها، مريحٌ للقوَّة النَّفسانيَّة، مكثرٌ من جوهر حاملها، حتَّى إنَّه ربَّما عاد بإرخائه مانعًا من تحلُّل الأرواح.
ونوم النَّهار رديٌّ يورث الأمراض الرُّطوبيَّة والنَّوازل، ويفسد اللَّون ويورث الطِّحال، ويرخي العصَب، ويكسل ويضعف الشَّهوة، إلا في الصَّيف وقت الهاجرة. وأرداه نوم أوَّل النَّهار. وأردى منه النَّوم آخرَه بعد العصر.
ورأى عبد الله بن عبَّاسٍ ابنًا له نائمًا نومة الصُّبحة، فقال له: قُمْ
(1)
. أتنام في السَّاعة الَّتي تقسَّم فيها الأرزاق!
(2)
.
وقيل
(3)
: نوم النَّهار ثلاثةٌ: خلُقٌ، وخُرْقٌ، وحُمْقٌ. فالخلق: نومة الهاجرة وهي خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والخُرْق
(4)
: نومة الضُّحى تشغل عن أمر الدُّنيا والآخرة. والحُمْق: نومة العصر.
قال بعض السَّلف: من نام بعد العصر فاختُلِس عقلُه، فلا يلومنَّ إلا
(1)
بعده في كتاب الحموي: «لا أنام الله عينك» .
(2)
أخرجه الدِّينوريُّ في «المجالسة» (2047) من طريق ابن الأعرابيِّ قال: مرَّ عبد الله بن العبَّاس بالفضل ابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله
…
وذكره بنحوه.
(3)
ساقه الحموي مع القول السابق مساقًا واحدًا كأنه جزء منه، إذ جاء فيه بعد «الأرزاق»: «أما علمت أنَّ نوم النهار ثلاثة
…
» إلخ. وقد عزاه ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (2/ 88) إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، والزمخشري في «ربيع الأبرار» (5/ 292) إلى خوات بن جبير، بنحوه. والمؤلف صادر عن كتاب الحموي.
(4)
في جميع النسخ المطبوعة بالحاء المهملة، وهو تصحيف.
نفسه
(1)
.
وقال الشَّاعر:
ألا إنَّ نوماتِ الضُّحى تُورِث الفتى
…
خَبالًا ونوماتُ العُصَير جنونُ
(2)
ونوم الصُّبحة يمنع الرِّزق، لأنَّ ذلك وقتٌ تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومُه حرمانٌ إلا لعارضٍ أو ضرورةٍ. وهو مضرٌّ جدًّا بالبدن لإرخائه البدنَ، وإفساده الفضلاتِ الَّتي ينبغي تحليلها بالرِّياضة، فيُحْدِث تكسُّرًا وعياءً
(3)
أو ضعفًا
(4)
. وإن كان قبل التَّبرُّز والحركة والرِّياضة
(5)
وإشغال المعدة بشيءٍ فذلك الدَّاء العُضال المولِّد لأنواع من الأدواء.
والنَّوم في الشَّمس يثير الدَّاء الدَّفين. ونوم الإنسان بعضه في الشَّمس وبعضه في الظِّلِّ رديٌّ. وقد روى أبو داود في «سننه»
(6)
من حديث أبي هريرة
(1)
ذكره الحموي عن عروة عن عائشة مرفوعًا. ولا يصحُّ. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (3/ 69) و «السلسلة الضعيفة» (39).
(2)
أنشده الزمخشري في «الأساس» (نوم) و «الفائق» (2/ 277) و «ربيع الأبرار» (5/ 291) دون عزو. وعزي في «ربيع الأبرار» (5/ 292) و «التذكرة الحمدونية» (2/ 245) إلى العباس بن عبد المطلب، مرَّ بابنه وهو نائم
…
إلخ.
(3)
في الأصل مدَّة عن يمين الألف، وهمزة منونة عن يسارها، وأهمل فيه الحرف الثاني بعد العين. وكذا أهمل في ث، ل. والمثبت من ز، د. وفي س، حط:«عناء» ، وكذا في الطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها:«عيًّا» . وفي كتاب الحموي: «إعياء» .
(4)
س، ث، ل:«وضعفًا» ، أو كذا في كتاب الحموي.
(5)
كتاب الحموي: «والحركة الرياضية» .
(6)
برقم (4821) من طريق محمَّد بن المنكدر، عمَّن سمع أبا هريرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه به، وفيه راوٍ مبهمٌ. وأخرجه أيضًا أحمد (8976) من طريق محمَّد بن المنكدر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا منقطع. ويُروى موقوفًا. وضعَّف إسنادَه السَّخاويُّ في «الأجوبة المرضية» (2/ 851) وقال:«وله شواهد» ، ثمَّ ذكرها. وينظر:«السلسلة الصحيحة» (837) و (7/ 301).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في الشَّمس، فقلَص عنه الظِّلُّ فصار بعضه في الشَّمس وبعضه في الظِّلِّ، فليقُمْ» .
وفي «سنن ابن ماجه»
(1)
وغيره من حديث بريدة بن الحُصَيب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد الرَّجل بين الظِّلِّ والشَّمس.
وهذا تنبيهٌ على منع النَّوم بينهما.
وفي «الصَّحيحين»
(2)
عن البراء بن عازبٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، ثمَّ اضطَجِعْ على شقِّك الأيمن، ثمَّ قل: اللَّهمَّ إنِّي أسلمتُ وجهي
(3)
إليك
(4)
، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجا ولا منجا منك إلا إليك. آمنتُ
(1)
برقم (3722) من طريق أبي المنيب، عن ابن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (25728)، وابن عدي في «الكامل» (5/ 531)، والحاكم (4/ 272). قال ابن القطَّان في «أحكام النَّظر» (ص 266):«هو ممَّا (أنكروه) على أبي المنيب، وقد اختلف أهل العلم فيه؛ فوثَّقه قوم، وضعَّفه آخرون، واعتلُّوا عليه بأحاديث منكرة يرويها» ، وحسَّن إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (4/ 116)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (2905).
(2)
البخاري (6311) ومسلم (2710)، وهذا لفظه.
(3)
في النسخ المطبوعة: «نفسي» كما في «صحيح البخاري» (6315).
(4)
في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «ووجهت وجهي إليك» كما في حديث البخاري (6315)، وتفسير المؤلف للحديث فيما يأتي على هذه الرواية.
بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي أرسلتَ. واجعلهنَّ آخر كلامك، فإن متَّ من ليلتك متَّ على الفطرة».
وفي «صحيح البخاريِّ»
(1)
عن عائشة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى ركعتي الفجر ــ يعني سنَّتها ــ اضطجع على شقِّه الأيمن.
وقد قيل
(2)
: إنَّ الحكمة في النَّوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النَّائم في نومه، لأنَّ القلب فيه ميلٌ إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلبُ مستقرَّه من الجانب الأيسر. وذلك يمنع من استقرار النَّائم واستثقاله في نومه، بخلاف قراره في النَّوم على اليسار، فإنَّه في مستقرِّه، فيحصل بذلك الدَّعة التَّامَّة، فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل، فتفوته مصالح دينه ودنياه.
ولمَّا كان النَّائم بمنزلة الميِّت، والنَّوم أخو الموت، ولهذا يستحيل على الحيِّ الذي لا يموت، وأهلُ الجنَّة لا ينامون فيها= كان النَّائم محتاجًا إلى من يحرس نفسه ويحفظها ممَّا يعرض لها من الآفات، ويحرس بدنه أيضًا من طوارق الآفات، وكان ربُّه وفاطره تعالى هو المتولِّي لذلك وحده= علَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النَّائمَ أن يقول كلمات التَّفويض والالتجاء والرَّغبة والرَّهبة، ليستدعي بها كمالَ حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه. وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمانَ، وينام عليه، ويجعل التَّكلُّمَ به آخر كلامه، فإنَّه ربَّما توفَّاه الله في منامه؛ فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنَّة. فتضمَّن هذا الهديُ في المنام مصالحَ القلب والبدن والرُّوح، في النَّوم واليقظة، والدُّنيا والآخرة. فصلوات
(1)
برقم (1160).
(2)
انظر: كتاب الحموي (ص 205 - 206). وانظر ما سبق في (ص 345) و (1/ 377).
الله وسلامه على من نالت به أمَّته كلَّ خيرٍ.
وقوله
(1)
: «أسلمتُ نفسي إليك» أي: جعلتها مسلَّمةً لك تسليمَ العبد المملوك نفسَه إلى سيِّده ومالكه.
وتوجيهُ وجهه إليه يتضمَّن إقباله بالكلِّيَّة على ربِّه، وإخلاصَ القصد والإرادة له، وإقرارَه بالخضوع والذُّلِّ والانقياد. قال تعالى:{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ}
(2)
[آل عمران: 20].
وذكَر «الوجه» ، إذ هو أشرف ما في الإنسان ومجمَعُ
(3)
الحواسِّ. وأيضًا ففيه معنى التَّوجُّه
(4)
والقصد من قوله:
ربَّ العباد إليه الوجهُ والعمَلُ
(5)
وتفويضُ الأمر إليه: ردُّه إلى الله سبحانه. وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته، والرِّضى بما يقضيه ويختاره له ممَّا يحبُّه ويرضاه. والتَّفويض من أشرف مقامات العبوديَّة، ولا علَّة فيه، وهو من مقامات الخاصَّة خلافًا
(1)
لفظ الحديث الذي فسَّره هنا هو لفظ البخاري (6315).
(2)
في ن زيادة: «ومن اتبعن» .
(3)
ز، د:«ويجمع» .
(4)
ث، ل:«التوحيد» ، تصحيف.
(5)
زاد ناشر طبعة الرسالة في متنها صدر البيت دون تنبيه:
أستغفرُ الله ذنبًا لستُ مُحْصِيَه
وهو من شواهد سيبويه (1/ 37). وذكره الفراء في «معاني القرآن» (1/ 233) من إنشاد الكسائي. ولم يعرف قائله.
لزاعمي خلاف ذلك
(1)
.
وإلجاء الظَّهر إليه سبحانه يتضمَّن قوَّة الاعتماد عليه، والثِّقة به، والسُّكون إليه، والتَّوكُّل عليه؛ فإنَّ من أسند ظهرَه إلى ركنٍ وثيقٍ لم يخف السُّقوط.
ولمَّا كان للقلب قوَّتان: قوَّة الطَّلب وهي الرَّغبة، وقوَّة الهرب وهي الرَّهبة؛ وكان العبد طالبًا لمصالحه، هاربًا من مضارِّه= جمع الأمرين في هذا التَّفويض والتَّوجُّه، فقال:«رغبةً ورهبةً إليك» .
ثمَّ أثنى على ربِّه بأنَّه لا ملجأ للعبد سواه، ولا منجا له منه غيره. فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجِّيه من نفسه، كما في الحديث الآخر: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك
(2)
من عقوبتك، وأعوذ بك منك»
(3)
. فهو سبحانه الذي يعيذ عبدَه، وينجِّيه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته. فمنه البلاء، ومنه الإعانة. ومنه ما يطلب النَّجاة منه، وإليه الالتجاء في النَّجاة. فهو الذي يُلْجَأ إليه في أن ينجِّي ممَّا منه، ويستعاذ به ممَّا منه. فهو ربُّ كلِّ شيءٍ، ولا يكون شيءٌ إلا
(1)
لم يذكر ابن العريف «التفويض» في كتابه «محاسن المجالس» في علل المقامات، ولا أشار صاحب «منازل السائرين» إلى علة في منزلة التفويض، وكلاهما قَدَح في «التوكل» ، وردّ عليهما المؤلف في «طريق الهجرتين» (2/ 555 - 574) و «مدارج السالكين» (2/ 163 - 169). ثم انظر كلام أبي علي الدقاق الذي نقله المؤلف في «المدارج» (2/ 145) ومنه:«التوكل صفة العوام، والتسليم صفة الخواص، والتفويض صفة خاصة الخاصة» . فكأن التوكل التبس هنا بالتفويض.
(2)
غيِّر في طبعة الرسالة إلى «بمعافاتك» كما في «صحيح مسلم» دون تنبيه. وانظر لفظ «بعفوك» في «صحيح ابن خزيمة» (654) و «صحيح ابن حبان» (1933) وغيرهما.
(3)
أخرجه مسلم (486) من حديث عائشة رضي الله عنها.
بمشيئته. {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 17]. {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17].
ثمَّ ختم الدُّعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله، الذي هو ملاك النَّجاة والفوز في الدُّنيا والآخرة. فهذا هديه في نومه.
لو لم يقل إنِّي رسولٌ أما
…
شاهدُه في هديه ينطق
(1)
فصل
وأمَّا هديه في يقظته، فكان يستيقظ إذا صاح الصَّارخ وهو الدِّيك، فيحمد الله تعالى ويكبِّره ويهلِّله ويدعوه، ثمَّ يستاك، ثمَّ يقوم إلى وضوئه. ثمَّ يقف للصَّلاة بين يدي ربِّه مناجيًا له بكلامه، مثنيًا عليه، راجيًا له، راغبًا راهبًا. فأيُّ حفظٍ لصحَّة القلب والبدن والرُّوح والقوى ولنعيم الدُّنيا والآخرة فوق هذا!
فصل
وأمَّا تدبير الحركة والسُّكون، وهو الرِّياضة، فنذكر منها فصلًا يعلم منه مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها، فنقول:
من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشَّراب. ولا يصير الغذاء بجملته جزءًا من البدن، بل لا بدَّ أن يبقى منه عند كلِّ هضمٍ بقيَّةٌ ما، إذا كثرت على ممرِّ الزَّمان اجتمع منها شيءٌ له كمِّيَّةٌ وكيفيَّةٌ. فيضرُّ بكمِّيَّته بأن يسُدَّ
(1)
ث، ل:«شاهدته» ، والبيت في سائر النسخ والطبعة الهندية كما أثبت. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها:«رسولٌ لكان شاهدٌ» . والبيت للصرصري من قصيدة في «المختار من مدائح المختار» (ص 269 طبعة المنار). وفيه: «شاهده في وجهه» وغيَّره المؤلف ليوافق استشهاده.
ويُثقل البدن، ويوجب أمراض الاحتباس. وإن استفرغ تأذَّى البدنُ بالأدوية لأنَّ أكثرها سمِّيَّةٌ، ولا تخلو من إخراج الصَّالح المنتفع به. ويضرُّ بكيفيَّته بأن يسخِّن بنفسه أو بالعفَن
(1)
، أو يبرِّد
(2)
بنفسه، أو يُضعِف الحرارة الغريزيَّة عن إنضاجه.
وسُدَدُ الفضلات لا محالة ضارَّةٌ تُرِكت أو استُفْرِغت. والحركة أقوى الأسباب في منع تولُّدها، فإنَّها تسخِّن الأعضاء، وتُسِيل فضلاتها، فلا تجتمع على طول الزَّمان؛ وتعوِّد البدنَ الخفَّةَ والنَّشاطَ، وتجعله قابلًا للغذاء، وتصلِّب المفاصلَ، وتقوِّي الأوتار والرِّباطات، وتؤمِّن جميعَ الأمراض المادِّيَّة وأكثرَ المزاجيَّةِ
(3)
إذا استُعمِلَ القدرُ المعتدلُ منها في وقته وكان باقي التَّدبير صوابًا.
ووقتُ الرِّياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم. والرِّياضة المعتدلة هي الَّتي تحمرُّ فيها البشرة وتربو، ويتندَّى بها البدن. فأمَّا
(4)
الَّتي يلزمها سيلان العرَق فمفرطةٌ. وأيُّ عضوٍ كثرت رياضته قَوِيَ، وخصوصًا على نوع تلك الرِّياضة؛ بل كلُّ قوَّةٍ فهذا شأنها. فإنَّ من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوَّتُه المفكِّرة.
(1)
س: «التعفن» .
(2)
ل، ن:«برد» .
(3)
س، ث، ل:«الأمراض المزاجية» . وقد وضعت علامة الحذف على كلمة «الأمراض» في س عند المقابلة. وكذا بزيادة «الأمراض» في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي «الآداب الشرعية» (2/ 390) كما أثبت.
(4)
س: «وأما» .
ولكلِّ عضوٍ رياضةٌ تخصُّه. فللصَّدر القراءة، فَلْيُبتدأ
(1)
فيها من الخُفْية إلى الجهر بتدريجٍ. ورياضة السَّمع بسمع الأصوات والكلام بالتَّدريج، فينتقل
(2)
من الأخفِّ إلى الأثقل. وكذلك رياضة البصر
(3)
. وكذلك رياضة اللِّسان في الكلام
(4)
. وكذلك رياضة المشي بالتَّدريج شيئًا فشيئًا. وأمَّا ركوبُ الخيل ورميُ النُّشَّاب والصِّراعُ والمسابقةُ على الأقدام، فرياضةٌ للبدن كلِّه. وهي قالعةٌ لأمراضٍ مزمنةٍ كالجذام والاستسقاء والقُولَنج
(5)
.
ورياضةُ النُّفوس بالتَّعلُّم والتَّأدُّب، والفرح والسُّرور، والصَّبر والثَّبات والإقدام، والسَّماحة وفعل الخير، ونحو ذلك ممَّا ترتاض به النُّفوس. ومن أعظم رياضتها: الصَّبرُ، والحبُّ، والشَّجاعة، والإحسان. فلا تزال ترتاض
(6)
بذلك شيئًا فشيئًا حتَّى تصير لها هذه
(7)
الصِّفاتُ هيئاتٍ راسخةً وملكاتٍ ثابتةً.
وأنت إذا تأمَّلت هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك وجدتَه أكملَ هديٍ حافظٍ للصِّحَّة والقوى، ونافعٍ في المعاش والمعاد.
(1)
كذا في الأصل (ف) مضبوطًا بضم الياء، ورسمه في النسخ كلها بالألف المقصورة. وفي س:«فلنبتدي» .
(2)
ز، د:«فلينتقل» .
(3)
الجملة «وكذلك رياضة البصر» مؤخرة على الجملة الآتية في النسخ المطبوعة.
(4)
يلوح في الأصل أثر كلمة أخرى أيضًا قبل «الكلام» ، ولكن الأرضة أكلت بعض هذه وهذه. أما النسخ الأخرى ففيها كما أثبت، وكذا في «الآداب الشرعية» (2/ 390).
(5)
القولَنج: وجع في المِعى الغليظ المسمَّى بـ «قُولُن» أو «قولون» .
(6)
ف، ب:«يزال يرتاض» .
(7)
س، ث، ل:«تصير لهذه» ، وفي ن:«بهذه» . وفي ف أيضًا: «لهذه» ، ولكن أخشى أن تكون اللام مما زاده بعضهم.
ولا ريب أنَّ الصَّلاة نفسها فيها من حفظ صحَّة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيءٍ له، سوى ما فيها من حفظ صحَّة الإيمان، وسعادة الدُّنيا والآخرة. وكذلك قيام اللَّيل من أنفع أسباب حفظ الصِّحَّة، ومن أمنع الأمور لكثيرٍ من الأمراض المزمنة، ومن أنشَطِ شيءٍ للبدن والرُّوح والقلب، كما في «الصَّحيحين»
(1)
عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «يعقد الشَّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَدٍ، يضرب على كلِّ عقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ، فارقُد. فإن هو استيقظ فذكَر الله انحلَّت عقدةٌ. فإن توضَّأ انحلَّت عقدةٌ ثانيةٌ. فإن صلَّى انحلَّت عُقَدُه كلُّها، فأصبح نشيطًا طيِّب النَّفس؛ وإلَّا أصبح خبيثَ النَّفس كسلان» .
وفي الصَّوم الشَّرعيِّ من أسباب حفظ الصِّحَّة ورياضة البدن والنَّفس ما لا يدفعه صحيحُ الفطرة.
وأمَّا الجهاد وما فيه من الحركات الكلِّيَّة الَّتي هي من أعظم أسباب القوَّة وحفظ الصِّحَّة، وصلابة القلب والبدن، ودفع فضلاتهما، وزوال الهمِّ والغمِّ والحزن= فأمرٌ إنَّما يعرفه من له منه نصيبٌ. وكذلك الحجُّ وفعل المناسك. وكذلك المسابقة على الخيل وبالنِّصال والمشيُ في الحوائج وإلى الإخوان وقضاء حقوقهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، والمشيُ إلى المساجد للجمعات والجماعات، وحركة الوضوء والاغتسال وغير ذلك. وهذا أقلُّ ما فيه من
(2)
الرِّياضة المعينة على حفظ الصِّحَّة ودفع الفضلات
(3)
. وأمَّا ما شُرع
(1)
البخاري (1142) ومسلم (776) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
لم يرد حرف «من» في حط، ن.
(3)
من هنا وقع سقط في ث.
له من
(1)
التَّوصُّل به إلى خيرات الدُّنيا والآخرة ودفعِ شرورهما فأمرٌ وراء ذلك.
فعلمت أنَّ هديه فوق كلِّ هديٍ في طبِّ الأبدان والقلوب، وحفظِ صحتهما ودفعِ أسقامهما، ولا مزيد على ذلك لمن قد أُحضِر رشدَه. وباللَّه التَّوفيق.
فصل
وأمَّا الجماع والباه، فكان هديه فيه أكمل هديٍ يحفظ به الصِّحَّة، وتتمُّ به اللَّذَّة وسرور النَّفس، ويحصل به مقاصده الَّتي وضع لأجلها. فإنَّ الجماع في الأصل وضع
(2)
لثلاثة أمورٍ هي مقاصده الأصليَّة:
أحدها: حفظ النَّسل ودوام النَّوع إلى أن تتكامل العِدَّة الَّتي قدَّر الله بروزها إلى هذا العالم.
الثَّاني: إخراج الماء الذي يضرُّ احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
الثَّالث: قضاء الوطر ونيل اللَّذَّة والتَّمتُّع بالنِّعمة. وهذه وحدها هي الفائدة الَّتي في الجنَّة، إذ لا تناسل هناك
(3)
ولا احتقان يستفرغه الإنزال.
وفضلاء الأطبَّاء يرون
(4)
أنَّ الجماع من أحد
(5)
أسباب حفظ الصِّحَّة.
(1)
حرف «من» ساقط من ل.
(2)
ن: «وضع في الأصل» .
(3)
هنا حاشية في الأصل (ف) ذهب بعضها، أشير فيها إلى أن في المسألة خلافًا تقدَّم ذكره في فصل قدوم وفد بني المنتفق.
(4)
في كتاب الحموي (ص 351): «وجالينوس يرى
…
» والفقرة كلها منقولة من كتابه.
(5)
كذا في كتاب الحموي أيضًا بدلًا من «أحدُ» . وهو أسلوب قديم، ومن نظائره قول الثعالبي في «فقه اللغة» (2/ 534 - الخانجي) إن حمزة «ذكر أن تكاثر الدواهي من إحدى الدواهي». ومنها قول أبي الفرج الببغاء:
أوليس من إحدى العجائب أنني
…
فارقته وحييتُ بعد فراقه
انظر: «يتيمة الدهر» (1/ 159).
قال جالينوس: الغالب على جوهر المنيِّ النَّار والهواء، ومزاجه حارٌّ رطبٌ لأنَّ كونه من الدَّم الصَّافي الذي تغتذي
(1)
به الأعضاء الأصليَّة. وإذا ثبت فضل المنيِّ فاعلم أنَّه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النَّسل أو إخراج المحتقَن منه، فإنَّه إذا دام احتقانه أحدث أمراضًا رديَّة منها: الوسواس والجنون والصَّرع وغير ذلك. وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرًا، فإنَّه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفيَّةٍ سمِّيَّةٍ تُوجب أمراضًا رديَّةً، كما ذكرنا. ولذلك تدفعه الطَّبيعة
(2)
إذا كثر عندها من غير جماعٍ.
وقال بعض السَّلف
(3)
: ينبغي للرَّجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثًا: أن لا يدع المشيَ فإن احتاج إليه يومًا قدَر عليه. وينبغي أن لا يدع الأكل فإنَّ أمعاءه تضيق. وينبغي أن لا يدع الجماع فإنَّ البئر إذا لم تُنزَح ذهب ماؤها.
وقال محمَّد بن زكريَّا
(4)
: من ترك الجماع مدَّةً طويلةً ضعفت قوى أعضائه
(5)
، واستدَّ
(6)
مجاريها، وتقلَّص ذكره. قال: ورأيت جماعةً تركوه
(1)
أهمل حرف المضارع في ف، ل. وفي د:«يغتذي» . وفي س: «يتغذَّى» .
(2)
زاد الشيخ الفقي بعده من عنده: «بالاحتلام» ، وتابعته نشرة الرسالة دون أصلها.
(3)
هو عبد الله بن بريدة. في كتاب الحموي (ص 352): «روي عن الحسين بن واقد عن ابن بريدة» . وقد أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (27/ 139).
(4)
الرازي في كتابه «الحاوي» (3/ 376).
(5)
في الأصل (ف): «أعصابه» . والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في كتاب الحموي (ص 352) ومصدره «الحاوي» .
(6)
حط: «وانسدَّ» . وأثبت الفقي ومن تبعه: «وانسدَّت» ، وكذا في مطبوعة «الحاوي» .
لنوعٍ من التَّقشُّف، فبردت أبدانهم، وعسرت حركاتهم، ووقعت عليهم كآبةٌ بلا سببٍ، وقلَّت شهواتهم وهضمهم. انتهى.
ومن منافعه: غضُّ البصر، وكفُّ النَّفس، والقدرة على العفَّة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة. فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع المرأة. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يتعاهده ويحبُّه، ويقول:«حبِّب إليَّ من دنياكم: النِّساء والطِّيب»
(1)
.
وفي كتاب «الزُّهد» للإمام أحمد في هذا الحديث زيادةٌ لطيفةٌ
(2)
، وهي:«أصبر عن الطَّعام والشَّراب، ولا أصبر عنهنَّ» .
وحثَّ على التَّزويج أمَّته، فقال:«تزوَّجوا فإنِّي مكاثرٌ بكم الأمم»
(3)
.
وقال ابن عبَّاسٍ: خير هذه الأمَّة أكثرها نساءً
(4)
.
وقال: «إنِّي أتزوَّج النِّساء وآكل اللحم
(5)
، وأنام وأقوم، وأصوم وأفطر.
(1)
أخرجه النَّسائيُّ (3939، 3940)، وأحمد (12293، 12294، 13057، 14037) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وتقدم تخريجه مفصلًا في الجزء الأول.
(2)
ليست في القدر المطبوع من «الزهد» ، وهو ناقص جدًّا. وقد عزاها المصنف إليه أيضًا في «الداء والدواء» (483 - 484) وذكر طرف إسنادها، وهو ضعيف جدًّا، فيه يوسف بن عطية وهو متروك الحديث. هذا، والظاهر أن المؤلف نقل هذه الزيادة من حفظه فأوردها بالمعنى، وكان لفظها:«والجائع يشبع والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من الصلاة والنساء» ، كما يدل عليه ما ذكره السيوطي في «نواهد الأبكار» (2/ 560 - 561) وما أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (3/ 135) من الطريق نفسه.
(3)
أخرجه بهذا اللَّفظ ابن ماجه (1846) من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيفٌ، بل قال بعض الأئمَّة:«متروك الحديث» ، وقوَّاه الألبانيُّ بشواهده فذكره في «السِّلسلة الصَّحيحة» (2383).
(4)
أخرجه البخاري (5069).
(5)
حذفت هذه الجملة في طبعة الرسالة دون تنبيه.
فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي»
(1)
.
وقال: «يا معشر الشَّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصَنُ
(2)
للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم، فإنَّه له وِجاءٌ»
(3)
.
ولمَّا تزوَّج جابر ثيِّبًا قال له: «هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك!»
(4)
.
وروى ابن ماجه في «سننه»
(5)
: من حديث أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يلقى الله طاهرًا مطهَّرًا فليتزوَّج الحرائر» .
وفي «سننه»
(6)
أيضًا من حديث ابن عبَّاسٍ يرفعه قال: «لم
(1)
أخرجه البخاري (5063) ومسلم (1401) من حديث أنس بلفظ مختلف دون جملة «وآكل اللحم» .
(2)
في النسخ المطبوعة: «وأحفظ» .
(3)
أخرجه البخاري (1905) ومسلم (1400) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري (2097) ومسلم (715).
(5)
برقم (1862) من طريق سلام بن سوار، عن كثير بن سليم، عن الضَّحَّاك بن مزاحم، عن أنس رضي الله عنه به. وأخرجه أيضًا ابن عديٍّ في «الكامل» (4/ 325). وهذا إسناد ضعيف؛ كثير وسلام ضعيفان، ويُروى عن الضَّحَّاك عن النزَّال عن عليٍّ، وعن الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس، وعن الضَّحَّاك مرسلًا. وبالغ ابن الجوزي فذكر الحديث في «الموضوعات» (2/ 261)، وأشار المنذري في «التَّرغيب» (2941) إلى ضعفه، وقال ابن كثير في «تفسيره» (6/ 12):«في إسناده ضعف» ، وضعَّفه البوصيري في «المصباح» (2/ 98)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (1417).
(6)
برقم (1847) من طريق محمَّد بن مسلم الطَّائفيِّ، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبَّاس به. وأخرجه أيضًا البزَّار (4856، 4857)، وابن أبي حاتم في «العلل» (5/ 680)، والطَّبراني في «الكبير» (11/ 50) وفي «الأوسط» (3153). وصحَّحه الحاكم (2/ 161)، والضِّياء في «المختارة» (11/ 54)، والبوصيريُّ في «المصباح» (2/ 94)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (624). لكن أُعلَّ بالإرسال؛ فقد رواه معمر وابن عيينة وابن جريج، عن ابن ميسرة، عن طاوس مرسلًا، قال العقيلي في «الضُّعفاء» (4/ 134):«هذا أولى» . وله طريق آخر عن طاوس، أخرجه الطَّبراني في «الكبير» (11/ 17)، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزيُّ وهو متروك الحديث.
يُرَ
(1)
للمتحابَّين مثلُ النِّكاح».
وفي «صحيح مسلم»
(2)
من حديث عبد الله بن عمر
(3)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاع الدُّنيا المرأة الصَّالحة» .
وكان صلى الله عليه وسلم يحرِّض أمَّته على نكاح الأبكار الحسان وذوات الدِّين. وفي «سنن النَّسائيِّ»
(4)
عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ النِّساء خيرٌ؟ قال: «الَّتي
(1)
كذا مضبوطًا بضم الياء في ف، حط. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها:«لم نر» بالنون.
(2)
برقم (1467) من حديث عبد الله بن عمرو.
(3)
كذا في النسخ الخطية والمطبوعة ومنها طبعة الرسالة. والصواب: «عمرو» ، وقد زاد بعضهم واوًا في ف، س.
(4)
برقم (3231) من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا أحمد (7421، 9587، 9658)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (7/ 82). وصحَّحه الحاكم (2/ 162)، وابن حزم في «المحلَّى» (10/ 164)، ومحمَّد بن عجلان صدوق، وفي أحاديثه عن أبي هريرة كلامٌ؛ ولذا اقتصر ابن حجر في «الكاف الشَّاف» (ص 43) على تحسين الإسناد، وكذا الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (1838). وفي الباب عن ابن عبَّاس وأبي أمامة وعبد الله بن سلام وسعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنهم، وعن مجاهد ويحيى بن جعدة مرسلًا.
تسرُّه إذا نظَر
(1)
، وتطيعه إذا أمَر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله».
وفي «الصَّحيحين»
(2)
عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «تُنكَح المرأةُ لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدِّين، تربت يداك!» .
وكان يحثُّ على نكاح الوَلود، ويكره المرأة الَّتي لا تلد، كما في «سنن أبي داود»
(3)
عن مَعْقِل بن يسارٍ أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي أصبتُ امرأةً ذات حسبٍ وجمالٍ وإنَّها لا تلد، أفأتزوَّجها؟ قال:«لا» . ثمَّ أتاه الثَّانية، فنهاه. ثمَّ أتاه الثَّالثة، فقال:«تزوَّجوا الودود الولود، فإنِّي مكاثرٌ بكم» .
وفي «الترمذي»
(4)
عنه مرفوعًا: «أربعٌ من سنن المرسلين: النِّكاح، والسِّواك، والتَّعطُّر، والحنَّاء» . روي في «الجامع» بالنُّون والياء. وسمعت أبا
(1)
بعده في د زيادة: «إليها» ، ولعله سبق قلم.
(2)
البخاري (5090) ومسلم (1466) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
برقم (2050). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ (3227)، والطَّبراني في «الكبير» (20/ 219)، وغيرهما. وصحَّحه ابن حبَّان (4056، 4057)، والحاكم (2/ 163)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (2/ 606)، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (1209). وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي أمامة وابن مسعود وأبي موسى الأشعريِّ وعياض بن غنم ومعاوية بن حيدة وسهل بن حنيف وعائشة رضي الله عنها، وعن مكحول مرسلًا.
(4)
برقم (1080) من طريق حجَّاج، عن مكحول، عن أبي الشِّمال، عن أبي أيُّوب رضي الله عنه به. وأخرجه أيضًا أحمد (23581) من طريق حجَّاج، عن مكحول، عن أبي أيُّوب. ويُروى موقوفًا على أبي أيُّوب. قال التِّرمذيُّ:«حديث حسن غريب» . وإسناده ضعيفٌ؛ حجَّاج ــ وهو ابن أرطاة ــ كثير الخطأ والتَّدليس، وأبو الشِّمال مجهول، والإسناد بدونه منقطع؛ ولذا ضعَّفه النَّوويُّ في «المجموع» (1/ 274)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (1/ 728)، والألباني في «الإرواء» (75).
الحجاج الحافظ يقول: الصَّواب أنَّه الختان، وسقطت النُّون من الحاشية
(1)
. وكذلك رواه المحاملي
(2)
عن شيخ أبي عيسى التِّرمذيِّ.
وممَّا ينبغي تقديمه على الجماع مداعبة
(3)
المرأة وتقبيلها ومصُّ لسانها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداعب أهله ويقبِّلها.
وروى أبو داود في «سننه»
(4)
أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقبِّل عائشة ويمُصُّ لسانها.
(1)
يعني أن اللفظة وقعت في آخر السطر، فضاق المكان عن حرف النون، فكتبها الناسخ كالعادة في الحاشية، فذهبت، فرواها بعضهم «الحناء» وبعضهم «الحياء» ، وإنما هو الختان. انظر ما نقله المؤلف عن المزِّي في «تحفة المودود» (ص 231) و «المنار المنيف» (ص 127).
(2)
في «الأمالي» رواية ابن يحيى البيِّع (444). وأخرجه أيضًا بلفظ: «الختان» عبد الرَّزَّاق (10390) عن يحيى بن العلاء، عن الحجَّاج، عن مكحول، عن أبي أيُّوب بنحوه.
(3)
ن: «ملاعبة» ، وكذا «يلاعب» فيما يأتي.
(4)
برقم (2386) عن عائشة. وأخرجه أيضًا أحمد (24916، 25966)، والبيهقي في «الكبرى» (4/ 234). وإسناده ضعيف؛ فيه محمَّد بن دينار، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (2/ 272): «كان يخطئ
…
فالإنصاف في أمره تركُ الاحتجاج بما انفرد»، وهذا ممَّا انفرد به، قال ابن عدي في «الكامل» (7/ 415):«قوله: (ويمصُّ لسانها) لا يقوله إلَّا محمَّد بن دينار» . عن سعد بن أوس وهو ضعيف. عن مِصدَع أبي يحيى قال ابن خزيمة (3/ 246): «لا أعرفه بعدالة ولا جرح» . وقال أبو داود: «هذا الإسنادُ ليس بصحيح» ، وضعَّفه الإشبيليُّ في «الأحكام الوسطى» (4/ 55)، وابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (2/ 54)، وابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (3/ 111)، والزَّيلعيُّ في «نصب الرَّاية» (4/ 253)، وابن حجر في «الفتح» (4/ 153)، وهو في «ضعيف سنن أبي داود» (411).
ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المواقعة قبل الملاعبة
(1)
.
وكان صلى الله عليه وسلم ربَّما جامع نساءه كلَّهنَّ بغسلٍ واحدٍ، وربَّما اغتسل عند كلِّ واحدةٍ منهنَّ. فروى مسلم في «صحيحه»
(2)
عن أنس أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بغسلٍ واحدٍ.
وروى أبو داود في «سننه»
(3)
عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلةٍ، فاغتسل عند كلِّ امرأةٍ منهنَّ غسلًا،
(1)
أخرجه الخليليُّ في «الإرشاد» (3/ 973)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (13/ 220)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (58/ 365). وفي إسناده خلف بن محمَّد الخيَّام البخاري، غمزه تلميذُه أبو سعد عبد الرَّحمن بن الإدريسي وليَّنه كما في «السِّير» (16/ 70)، وقال الخليليُّ: «ضعيف جدًّا، روى في الأبواب تراجمَ لا يُتابع عليها، وكذلك متونًا لا تُعرف
…
سمعتُ الحاكم بِعَقِب هذا الحديث يقول: خُذِل خلفٌ بهذا». وحكم عليه الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (432) بالوضع.
(2)
برقم (309).
(3)
برقم (219) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي رافع، عن عمَّته سلمى، عن أبي رافع به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (8986)، وابن ماجه (590)، وأحمد (23862، 23870، 27187). وعبد الرَّحمن لم يروِ عنه سوى حمَّادِ بن سلمة، وقال فيه ابن معين:«صالح» ، وعمّتُه لا تُعرف حالها؛ ولذا قال البيهقي في «الكبرى» (7/ 192):«هذا حديث ليس بقوي» ، وضعَّفه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (4/ 126)، وقال ابن رجب في «الفتح» (1/ 302):«في إسناده بعضُ من لا يعرف حاله» . أمَّا الإشبيلي فصحَّحه في «الأحكام الصُّغرى» (1/ 130)، وحسَّن إسنادَه الذَّهبي في «المهذَّب» (6/ 2765)، والبوصيري في «إتحاف الخيرة» (1/ 377)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (219).
فقلت: يا رسول اللَّه، لو اغتسلت غسلًا واحدًا، فقال: «هذا أطهر
(1)
وأطيب».
وشُرع للمجامع إذا أراد العودَ قبل الغسل الوضوء بين الجماعين، كما روى مسلم في «صحيحه»
(2)
من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم أهله ثمَّ أراد أن يعود فليتوضَّأ» .
وفي الغسل والوضوء بعد الوطء، من النَّشاط وطيب النَّفس، وإخلافِ بعض ما تحلَّل بالجماع، وكمالِ الطُّهر والنَّظافة، واجتماعِ الحارِّ الغريزيِّ إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع، وحصول النَّظافة الَّتي يحبُّها اللَّه ويبغض خلافَها= ما هو من
(3)
أحسن التَّدبير في الجماع وحفظِ الصِّحَّة والقوى فيه.
فصل
وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهَضْم، وعند اعتدال البدن في حرِّه وبرده، ويبوسته ورطوبته، وخلائه وامتلائه. وضررُه عند امتلاء البدن أسهلُ وأقلُّ من ضرره عند خلوِّه، وكذلك ضرره عند كثرة الرُّطوبة أقلُّ منه عند اليبوسة، وعند حرارته أقلُّ منه عند برودته.
وإنَّما ينبغي أن يجامع إذا اشتدَّت الشَّهوة، وحصل الانتشار التَّامُّ الذي ليس عن تكلُّفٍ ولا فكرٍ في صورةٍ ولا نظرٍ متتابعٍ. ولا ينبغي أن يستدعي
(1)
في طبعة الرسالة: «أزكى وأطهر» بزيادة «أزكى» من «السنن» دون تنبيه.
(2)
برقم (308).
(3)
حرف «من» ساقط من ز.
شهوة الجماع ويتكلَّفها، ويحمل نفسه عليها. وليبادر إليه إذا هاج
(1)
به كثرةُ المنيِّ، واشتدَّ شبَقُه.
وليحذر جماع العجوز، والصَّغيرة الَّتي لا يوطأ مثلُها، والَّتي لا شهوة لها، والمريضة، والقبيحة المنظر، والبغيضة. فوطءُ هؤلاء يُوهن القوى ويُضعِف الجماع بالخاصِّيَّة
(2)
.
وغلِط من قال من الأطبَّاء: إنَّ جماع الثَّيِّب أنفع من جماع البكر، وأحفَظُ للصِّحَّة. وهذا من القياس الفاسد حتَّى ربَّما حذَّر منه بعضُهم. وهو مخالفٌ لما عليه عقلاء النَّاس، ولما اتَّفقت عليه الطَّبيعة والشَّريعة. وفي جماع البكر من الخاصِّيَّة، وكمالِ التَّعلُّق بينها وبين مجامعها، وامتلاءِ قلبها من محبَّته، وعدم تقسيمِ هواها بينه وبين غيره= ما ليس للثَّيِّب.
وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لجابر: «هلَّا تزوَّجت بكرًا!» . وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل الجنَّة من الحُور العِين أنَّهنَّ لم يطمثهنَّ أحدٌ قبل مَن جُعِلنَ له من أهل الجنَّة. وقالت عائشة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أرأيتَ لو مررتَ بشجرةٍ قد أُرتع فيها وشجرةٍ لم يُرتَع فيها، ففي أيِّهما كنت تُرتع بعيرك؟ قال:«في الَّتي لم يُرتَع فيها» . تريد أنَّه لم يأخذ بكرًا غيرها
(3)
.
وجماع المرأة المحبوبة في النَّفس يقلُّ إضعافُه للبدن، مع كثرة استفراغه
(1)
س، ث:«هاجت» .
(2)
انظر: كتاب الحموي (ص 354).
(3)
أخرجه البخاري (5077) بغير هذا اللفظ.
للمنيِّ. وجماعُ البغيضة يُنْحِل البدنَ ويُوهي
(1)
القوى، مع قلَّة استفراغه.
وجماعُ الحائض حرامٌ شرعًا وطبعًا
(2)
، فإنَّه مضرٌّ جدًّا، والأطبَّاء قاطبةً تحذِّر منه.
وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرَّجلُ المرأةَ مستفرشًا لها بعد المداعبة
(3)
والقبلة. وبهذا سمِّيت المرأة فراشًا، كما قال صلى الله عليه وسلم:«الولد للفراش»
(4)
. وهذا من تمام قوَّاميَّة الرَّجل على المرأة، كما قال تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، وكما قيل:
إذا رُمْتُها كانت فراشًا يُقِلُّني
…
وعند فراغي خادمٌ يتملَّقُ
(5)
وقد قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]. وأكملُ اللِّباس وأسبَغُه
(6)
على هذه الحال، فإنَّ فراش الرَّجل لباسٌ له، وكذلك لحاف المرأة لباسٌ لها. فهذا الشَّكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية، وبه يحسن موقع استعارة اللِّباس من كلٍّ من الزَّوجين للآخر. وفيه وجهٌ آخر، وهو أنَّها تنعطف عليه أحيانًا، فتكون عليه كاللِّباس، قال الشَّاعر
(7)
:
(1)
ل: «يوهن» .
(2)
ن: «طبعًا وشرعًا» .
(3)
ن: «الملاعبة» .
(4)
أخرجه البخاري (2053) ومسلم (1457) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(5)
ز: «تتملَّق» . ولم أقف على البيت ولا قائله.
(6)
الواو قبله ساقطة من ز، د.
(7)
هو النابغة الجعدي. انظر: «شعره» (ص 81).
إذا ما الضَّجيعُ ثنى عِطْفَه
…
تثنَّتْ فكانت عليه لباسا
(1)
وأردى
(2)
أشكاله أن تعلوه المرأة، ويجامعها على ظهره. وهو خلاف الشَّكل الطَّبيعيِّ الذي طبع الله عليه الرَّجل والمرأة، بل نوع الذَّكر والأنثى. وفيه من المفاسد أنَّ المنيَّ يتعسَّر خروجُه كلِّه، فربَّما بقي في العضو منه بقيَّة
(3)
، فيتعفَّن ويفسُد
(4)
، فيضرُّ. وأيضًا فربَّما سال إلى الذَّكر رطوباتٌ من الفرج. وأيضًا فإنَّ الرَّحم لا يتمكَّن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد. وأيضًا فإنَّ المرأة مفعولٌ بها طبعًا وشرعًا، فإذا
(5)
كانت فاعلةً خالفت مقتضى الطَّبع والشَّرع.
وكان أهل الكتاب إنَّما يأتون النِّساء على جنوبهنِّ على حرفٍ، ويقولون: هو أستَرُ
(6)
للمرأة. وكانت قريشٌ والأنصار تشرَحُ النِّساء على أقفائهنَّ. فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله عز وجل: {(222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا
(1)
«عِطْفَه» كذا ورد في جميع النسخ الخطية. ومثله في «معاني القرآن» للزجاج (1/ 256) ومنه في «تهذيب الأزهري» (12/ 444). والرواية المشهورة: «جيدها» أو «عِطْفها» . وقد أثبتت طبعة الرسالة «جيدها» في المتن خلافًا لأصلها وللطبعات السابقة دون تنبيه.
(2)
يعني: «أردأ» بتسهيل الهمزة.
(3)
لفظ «بقية» ساقط من طبعة الرسالة.
(4)
في ف: «وتفسد» ، ويجوز تذكير الأفعال وتأنيثها باعتبار المني أو البقية.
(5)
ن: «وإذا» .
(6)
في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «أيسر» ، تصحيف.
حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]
(1)
.
وفي «الصَّحيحين»
(2)
عن جابر قال: كانت اليهود تقول
(3)
: إذا أتى الرَّجل امرأته من دُبرها في قُبلها كان الولد أحول، فأنزل الله عز وجل:{(222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} .
وفي لفظٍ لمسلم
(4)
: «إن شاء مُجَبِّيَةً وإن شاء غير مُجبِّيةٍ، غير أنَّ ذلك في صِمَامٍ واحدٍ» . والمجبِّية: المُكِبَّة
(5)
على وجهها. والصِّمام الواحد: الفرج، وهو موضع الحرث والولد.
وأمَّا الدُّبر، فلم يُبَح قطُّ على لسان نبيٍّ من الأنبياء. ومن نسَب إلى بعض
(1)
أخرجه بنحوه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (15/ 423). وأخرج أبو داود (2164)، والطَّبريُّ في «تفسيره» (3/ 755)، وغيرهما عن ابن عبَّاس قال:«كان هذا الحيُّ من قريش يشرحون النِّساء شرحًا منكرًا، ويتلذَّذون منهنَّ مقبلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ، فلمَّا قدم المهاجرون المدينةَ تزوَّج رجل منهم امرأةً من الأنصار، فذهب يصنَع بها ذلك، فأنكرتهُ عليه، وقالت: إنَّما كنَّا نُؤتى على حَرف، فاصنع ذلك وإلَّا فاجتَنبني، حتَّى شَرِي أمرُهما، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {(222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}» . وصحَّحه الحاكم (2/ 195)، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 591):«تفرَّد به أبو داود، ويشهد له بالصِّحَّة ما تقدَّم من الأحاديث» ، وحسَّن إسناده الألباني في «آداب الزّفاف» (ص 101).
(2)
البخاري (4528) ومسلم (1435).
(3)
ز: «يقولون» .
(4)
مسلم (1435/ 119).
(5)
ل: «المنكبَّة» .
السَّلف إباحةَ وطء الزَّوجة في دبرها، فقد غلِط عليه. وفي «سنن أبي داود»
(1)
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ملعونٌ من أتى امرأةً
(2)
في دبرها».
(1)
برقم (2162) من طريق وكيع، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (8966) من طريق وكيع به، وأحمد (9733، 10206) عن وكيع به. وهذا إسناد ضعيف؛ الحارث مجهول الحال، وبه ضعَّفه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (4/ 455). وله شواهد كثيرةٌ ــ سيذكر المصنِّف بعضها ــ يتقوَّى بها، بل قال الطَّحاويُّ في «معاني الآثار» (3/ 43):«جاءت الآثار متواترةً بالنَّهي عن إتيان النِّساء في أدبارهنَّ» ، وقال الذَّهبيُّ في «السِّير» (14/ 128):«قد تيقَّنَّا بطرقٍ لا محيدَ عنها نهيَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَن أدبارِ النِّساء، وجزمنا بتحريمه، ولي في ذلك مصنَّفٌ كبير» ، وخرَّج ابن الملقِّن في «البدر المنير» (7/ 659) شواهده ثمَّ قال:«فهذه ثلاثةَ عشر حديثًا يعضد بعضها بعضًا» ، وقال ابن حجر في «الفتح» (8/ 191):«ذهب جماعة من أئمَّة الحديث ــ كالبخاري، والذُّهلي، والبزَّار، والنَّسائي، وأبي عليٍّ النَّيسابوري ــ إلى أنَّه لا يثبت فيه شيء، لكن طرقها كثيرة، فمجموعها صالحٌ للاحتجاج به» .
(2)
ن: «المرأة» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
وفي لفظٍ لأحمد وابن ماجه
(1)
: «لا ينظر الله إلى رجلٍ جامع امرأةً
(2)
في دبرها».
وفي لفظٍ للتِّرمذيِّ وأحمد
(3)
وفي لفظٍ للبيهقي
(4)
: «من أتى شيئًا من الرِّجال والنِّساء في الأدبار فقد كفر» .
وفي «مصنَّف وكيعٍ»
(5)
: حدَّثني زمعة بن صالح عن ابن طاوس عن
(1)
«مسند أحمد» (7684، 8532) من طريق معمر ووهيب، و «سنن ابن ماجه» (1923) من طريق عبد العزيز بن المختار، ثلاثتُهم عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (8963، 8964، 8965) من طريق يزيد ابن الهاد ووهيب ومعمر، عن سهيل به. وقد صحَّح ابن راهويه هذا الحديثَ كما في «مسائل» الكوسج (9/ 4831). وانظر تخريج اللَّفظ السَّابق.
(2)
حط، ن:«امرأته» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3)
«جامع التِّرمذيِّ» (135)، «مسند أحمد» (9290، 10167). وأخرجه أيضًا أبو داود (3904)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (8967، 8968)، وابن ماجه (639)، من طرقٍ عن حمَّاد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجيميِّ، عن أبي هريرة به. قال البخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (3/ 16):«هذا حديث لا يُتابع عليه حكيم الأثرم، ولا يُعرف لأبي تميمةَ سماعٌ من أبي هريرة» ، ونقَل عنه التِّرمذيُّ في «العلل الكبير» (ص 59) أنَّه ضعَّف هذا الحديثَ جدًّا، وقال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (1/ 318):«رواه جماعة عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا» ، وضعَّفه النَّوويُّ في «الخلاصة» (604). وينظر:«الإرواء» (2006).
(4)
ز، د:«البيهقي» . ولم أقف عليه بهذا اللفظ عنده، وعزاه إليه أيضًا ابن الملقِّن في «البدر المنير» (7/ 652). لكن ورد عند البيهقي (7/ 322) التصريح بالكفر لمن أتى الدبر من المرأة عن أبي الدرداء قال:«وهل يفعل ذلك إلا كافر» . وأخرجه العقيليِّ في «الضُّعفاء» (1/ 148) من طريق بكر بن خنيس، والطَّبراني في «الأوسط» (9179) من طريق عبد الوارث، كلاهما عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة به مرفوعًا. والصَّواب فيه الوقف، قال العقيليُّ:«رواه الثَّوريُّ، ومعمر، وأبو بكر بن عيَّاش، والمحاربيُّ، ويزيد بن عطاء، وعليُّ بن الفضيل، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وأوقفوه» ، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 596):«الموقوف أصحُّ» . وأخرج الموقوفَ النَّسائيُّ في «الكبرى» (8969 - 8971). وليث هو ابن أبي سُليم متكلَّم فيه، لكن تابعه عليُّ بن بَذيمة عن مجاهد به موقوفًا، أخرجه النَّسائي في «الكبرى» (8972)، وفي سماع مجاهد من أبي هريرة خلاف.
(5)
أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (8/ 376) من طريق وكيع، وقال:«غريب من حديث طاوس وعمر، ولم نكتبه إلَّا من حديث زمعة» ، وهو ضعيف، واختُلِف عنه على أوجهٍ كثيرة، ذكر بعضَها الدَّارقطنيُّ في «العلل» (2/ 166)، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 596):«الموقوف أصحُّ» . وصحَّح الألبانيُّ الحديثَ بشواهده في «السِّلسلة الصَّحيحة» (3377).
أبيه وعن عمرو
(1)
بن دينارٍ عن عبد الله بن يزيد
(2)
قال
(3)
: قال عمر بن الخطَّاب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ» . وقال مرَّةً: «في أدبارهنَّ» .
وفي «الترمذي»
(4)
: عن طلق بن علي
(5)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ، فإنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ» .
(1)
في طبعة الرسالة: «عن أبيه عن عمرو» بحذف الواو، وهو خطأ.
(2)
س: «بريدة» ، تصحيف.
(3)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب: «قالا» كما في «الحلية» ، يعني: طاوس وعبد الله.
(4)
برقم (1164) من طريق عيسى بن حطَّان، عن مسلم بن سلَّام، عن عليِّ بن طلق به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (8975 - 8977)، وأحمد (39/ 470). وقال التِّرمذي:«حديث حسن» ، وصحَّحه ابن حبَّان (2237، 4199، 4201). وفي الإسناد عيسى بن طحَّان قال البخاريُّ كما في «العلل الكبير» (ص 44): «رجل مجهول» ، عن مسلم بن سلَّام، قال ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (5/ 191):«مجهول الحال» . ويُروى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن مسلم بن سلَّام، عن أبيه، عن عليٍّ، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (10/ 398):«لم يسمعه عبد الملك عن أبيه، وإنَّما رواه عن عيسى بن حطَّان، عن أبيه مسلم بن سلَّام» .
(5)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي أثبتت في المتن دون تنبيه: «علي بن طلق» كما في «جامع الترمذي» .
وفي «الكامل» لابن عديٍّ
(1)
: من حديثه عن المحاملي، عن سعيد بن يحيى الأموي، ثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رُفَيع، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعودٍ يرفعه:«لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ» .
وروِّينا في حديث الحسن بن علي الجوهري عن أبي ذر مرفوعًا: «من أتى الرِّجال أو النِّساء في أدبارهنَّ، فقد كفر»
(2)
.
وروى إسماعيل بن عيَّاشٍ، عن شريك
(3)
بن أبي صالحٍ، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر يرفعه:«استحيوا من اللَّه فإنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في حُشوشهنَّ»
(4)
.
(1)
«الكامل في الضُّعفاء» (4/ 160) وقال: «محمَّد بن حمزة هذا ليس بالمعروف» ، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 597):«محمَّد بن حمزة ــ هو الجزريُّ ــ وشيخه فيهما مقال» ، وقال ابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (3/ 372):«إسناده واهٍ» .
(2)
أخرجه ابن الجوزي ــ كما في «البدر المنير» (7/ 658) ــ من طريق مجاهد عن أبي ذرٍّ به. وسئل الدَّارقطنيُّ في «العلل» (6/ 291) عن حديث رجلٍ، عن أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حرامٌ أن تُؤتى النِّساء في أعجازهنَّ» ، فقال:«رواه أبو حنيفة، عن حميد الأعرج، عن رجل، عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، ولم يُتابَع على هذا أبو حنيفة» ، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 597):«في حديث أبي ذرٍّ مقال لا يصحُّ معه الحديث» .
(3)
كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة، وهو تحريف «سهيل» . وقد أثبتت طبعة الرسالة الصواب دون تنبيه.
(4)
أخرجه الحسن بن عرفة ــ كما في تفسير ابن كثير (1/ 592) ــ فقال: حدَّثنا إسماعيل بن عيَّاش به. واختُلف فيه على سهيل؛ فقيل: عن سهيل، عن أبيه، عن جابر، أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (5/ 558) وفيه عبَّاد بن صُهيب متروك. وقيل: عن سُهيل، عن الحارث بن مُخلَّد، عن أبي هريرة، وهو الصَّواب، وقد تقدَّم تخريجه، قال ابن عبد الهادي في «التَّنقيح» (4/ 372):«الصَّواب حديث أبي هريرة، وإسماعيل ضعيف في روايته عن غير الشَّاميين» . وأخرجه ابن عدي (6/ 315) من طريق عليِّ بن أبي عليٍّ، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بلفظ:«اتَّقوا محاشَّ النِّساء» ، وعليٌّ هو اللَّهبيُّ يروي أحاديث مناكير عن جابر، وهو في «السلسلة الضعيفة» (1995).
ورواه الدَّارقطنيُّ
(1)
من هذه الطَّريق ولفظه: «إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا يحلُّ مأتاكَ النِّساءَ في حُشوشهنَّ» .
وقال البغوي
(2)
: ثنا هدبة، ثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال: حدَّثني عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تلك اللُّوطيَّة الصُّغرى» .
وقال أحمد في «مسنده»
(3)
: ثنا عبد الرحمن، قال همام
(4)
: أخبرنا عن
(1)
في «السنن» (3750) من طريق الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عيَّاش به.
(2)
لم أقف عليه من طريق البغوي. وعزاه ابن كثير في «تفسيره» (1/ 593) لعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ، فقال:«قال عبد الله بن أحمد: حدَّثني هدبة» وذكره. قال محقِّقو «المسند» (11/ 554): «جعَلَه من زيادات عبد الله، والثَّابت في النُّسخ التي بين أيدينا أنَّه من رواية أبيه» . وصنيعُ المصنِّف هنا ــ حيث عزاه للبغويِّ ــ يوحي بأنَّه ليس في «المسند» من طريق هدبة، والله أعلم. ويُروى عن يحيى القطَّان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيُّوب، عن عبد الله بن عمرو قولَه، قال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 593):«هذا أصحُّ» .
(3)
برقم (6706). وأخرجه أيضًا (6967) عن عبد الصَّمد، عن همَّام به. وأخرجه الطَّيالسيُّ (2380) عن همَّام به. وأخرجه النَّسائيُّ في «الكبرى» (8948) من طريق عبد الرَّحمن به. وصحَّحه ابن السَّكن كما في «البدر المنير» (7/ 656). لكن في إسناده اختلافًا، ويُروى موقوفًا، قال البخاريُّ في «التَّاريخ الصَّغير» (1/ 239):«المرفوع لا يصحُّ» ، ورجَّح وقفه ابن كثير في «تفسيره» (1/ 593)، وابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (3/ 372).
(4)
ن: «قال ثنا همام» ، وقد زاد بعضهم «ثنا» في ز أيضًا. وفي «المسند» كما أثبت من الأصول.
قتادة، عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، فذكره.
وفي «المسند»
(1)
أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ أنزلت هذه الآية: {(222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ} [البقرة: 223] في أناسٍ من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه، فقال:«ائتها على كلِّ حالٍ إذا كان في الفرج» .
وفي «المسند»
(2)
أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ قال: جاء عمر بن الخطَّاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، هلكتُ! فقال:«وما الذي أهلكك؟» . قال: حوَّلتُ رَحْلي البارحة. قال: فلم يردَّ عليَّ
(3)
شيئًا. فأوحى الله إلى رسوله: {(222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]«أقبِلْ وأدبِرْ واتَّقِ الحَيضةَ والدُّبر» .
(1)
برقم (2414) من طريق رِشدين، عن حسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى، عن حنش، عن ابن عباس به. ورِشدين بن سعد ضعيفٌ. وتابعه ابن لهيعة، فأخرجه الطَّبريُّ في «تفسيره» (3/ 759)، والطَّحاويُّ في «شرح المعاني» (3/ 43)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2130)، والطَّبراني في «الكبير» (12/ 236)، من طريقه عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر به نحوه، وفيه أنَّ السَّائلين من حِميَر. والرَّاوي عن ابن لهيعة عند ابن أبي حاتم هو عبد الله بن وهب، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.
(2)
برقم (2703) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به. وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (2980)، والنَّسائي في «الكبرى» (8928، 10973)، وأبو يعلى (2736)، وغيرهم. قال التِّرمذي:«حسن غريب» ، وصحَّحه ابن حبان (4202)، والضِّياء في «المختارة» (10/ 100)، وابن حجر في «الفتح» (8/ 191)، وحسَّن إسناده الألبانيُّ في «آداب الزّفاف» (ص 103).
(3)
حط، ن:«عليه» ، وكذا في «المسند» .
وفي «الترمذي»
(1)
عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى رجلًا أو امرأةً في الدُّبر» .
وروِّينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دُوما عن البراء بن عازبٍ يرفعه: «كفَر بالله العظيم عشرةٌ من هذه الأمَّة: القاتل، والسَّاحر، والدَّيُّوث، وناكح المرأة في دبرها، ومانع الزَّكاة، ومن وجد سعةً فمات ولم يحُجَّ، وشارب الخمر، والسَّاعي في الفتن، وبائع السِّلاح من أهل الحرب، ومن نكح ذات محرمٍ منه»
(2)
.
وقال عبد الله بن وهبٍ: ثنا عبد الله بن لهيعة، عن مِشْرَح
(3)
بن هاعان عن عُقْبة بن عامرٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ملعونٌ من يأتي النِّساء في
(1)
برقم (1165) من طريق كريب، عن ابن عباس به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (8952)، وأبو يعلى (2378). قال التِّرمذيُّ:«حديث حسن غريب» ، وقال البزَّار (11/ 380):«هذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عبَّاس بإسنادٍ أحسن من هذا الإسناد» ، وصحَّحه ابن «الجارود» (729)، وابن حبَّان (4203، 4204، 4418)، وابن حزم في «المحلَّى» (9/ 221)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (2/ 627)، وحسَّن إسناده الألباني في «آداب الزّفاف» (ص 105). وأخرجه النَّسائي في «الكبرى» (8953) عن ابن عبَّاس موقوفًا، قال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (7/ 687):«وهو الصَّواب» .
(2)
أخرجه الدَّيلميُّ كما في «مسند الفردوس» (4857) من طريق إسحاق بن بشر، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (52/ 391) من طريق مطر بن العلاء، كلاهما عن حنظلة بن أبي سفيان، عن أبيه، عن البراء به. قال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 597):«فيه مقالٌ لا يصحُّ معه الحديث» ، ورمز له السُّيوطيُّ بالضَّعف، وحكم عليه الألباني في «السِّلسلة الضَّعيفة» (2005) بالوضع.
(3)
في ف، د:«مسرح» بالسين المهملة.
محاشِّهنَّ»
(1)
. يعني: أدبارهنَّ.
وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة»
(2)
من حديث أبي هريرة وابن عبَّاسٍ قالا: خطَبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، وهي آخر خطبةٍ خطبها بالمدينة حتَّى لحق بالله عز وجل، وَعَظنا فيها، وقال: «ومن
(3)
نكح امرأةً في دبرها أو رجلًا أو صبيًّا حُشِرَ يوم القيامة وريحُه أنتَنُ من الجِيفة، يتأذَّى
(4)
به النَّاس حتَّى يدخل النَّار؛ وأحبَط الله أجرَه، ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، ويدخل في تابوتٍ من نارٍ ويُشَدُّ عليه مساميرُ من نارٍ». قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتُبْ.
وذكر أبو نعيمٍ الأصبهانيُّ
(5)
من حديث خزيمة بن ثابتٍ يرفعه: «إنَّ الله
(1)
أخرجه العقيليُّ في «الضُّعفاء» (3/ 84)، والطَّبراني في «الأوسط» (1931)، وابن عديٍّ في «الكامل» (5/ 243)، من طريق عبد الصَّمد بن الفضل الرَّبعيِّ، عن ابن وهب به. قال العقيليُّ:«لم يأت به عن ابن وهب غير عبد الصَّمد، لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلَّا به» ، وقال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (4/ 33):«هذا حديث منكرٌ بهذا الإسناد، ما أعلم رواه عن ابن وهب غيره» ، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 597):«في حديث عقبة مقالٌ لا يصحُّ معه الحديث» .
(2)
«بغية الباحث» (205) في حديث طويل جدًّا. وهو حديث موضوعٌ، حكم بوضعه ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (3/ 181)، والهيثميُّ في «البغية» (1/ 322)، والبوصيريُّ في «إتحاف الخيرة» (2/ 291)، وابن حجر في «المطالب العالية» (9/ 48)، وغيرهم.
(3)
الواو ساقطة من ن.
(4)
س، حط:«تتأذى» .
(5)
لم أقف عليه عند أبي نعيم. وأخرجه النَّسائيُّ في «الكبرى» (8939)، وابن ماجه (1924)، وأحمد (21854، 21855)، من طرقٍ عن عمرو بن شعيب، عن هرمي بن عبد الله، عن خزيمة. ووقع عند ابن ماجه وفي الموضع الثَّاني من «المسند»:«عبد الله بن هرمي» ، وهو وهم، وقيل في اسمه غير ذلك. وفي إسناده اختلاف كثير. وصحَّحه ابن الجارود (728)، وابن حبَّان (4198، 4200)، وابن حزم في «المحلَّى» (9/ 221)، وقال المنذري في «التَّرغيب» (3/ 198):«أحد أسانيده جيِّد» ، وقال ابن حجر في «الفتح» (8/ 191):«إسناده صالح» ، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (2005).
لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ».
وقال الشَّافعيُّ
(1)
: أخبرني عمِّي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أُحَيحَة بن الجُلَاح، عن خزيمة بن ثابتٍ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن إتيان النِّساء في أدبارهنَّ، فقال:«حلال» . فلمَّا ولَّى دعاه فقال: «كيف قلتَ في أيِّ الخُرْبتين
(2)
ــ أو: في أيِّ الخُرْزتين ــ أو: في أيِّ الخُصْفَتين ــ أمِن دبرها في قبلها؟ فنعم. أم من دبرها في دبرها؟ فلا. إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أدبارهنَّ».
قال الرَّبيع: فقيل للشَّافعيِّ: فما تقول؟ فقال: عمِّي ثقةٌ. وعبد الله بن علي ثقةٌ، وقد أثنى على الأنصاريِّ خيرًا يعني عمرو بن الجُلاح. وخزيمة ممَّن لا يُشكُّ في ثقته. فلست أرخِّص فيه، بل أنهى عنه.
(1)
في «الأمّ» (5/ 186). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (8943 - 8946)، والطَّحاويُّ في «مشكل الآثار» (6132) وفي «معاني الآثار» (3/ 43)، وغيرهما. وفي إسناده اختلاف كثير. وصحَّحه الشَّافعيُّ كما في «خلاصة البدر المنير» (2/ 201)، وابن الملقِّن، وأعلَّه ابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (3/ 367) بقوله:«فيه عمرو بن أحيحة، وهو مجهول الحال» ، وتعقَّبه الألبانيُّ في «الإرواء» (7/ 67).
(2)
حط: «الخرتين» ، والخُرْت: الثقب أيضًا غير أن المروي هنا ما أثبت.
قلت: ومن هنا
(1)
نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحةُ من السَّلف والأئمَّة، فإنَّهم أباحوا أن يكون الدُّبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدُّبر لا في الدُّبر؛ فاشتبه على السَّامع «مِنْ» بـ «في» ، أو لم يظنَّ بينهما فرقًا. فهذا الذي أباحه السَّلف والأئمَّة، فغلط عليهم الغالطُ أقبحَ الغلط وأفحشَه.
وقد قال تعالى: {تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222]. قال مجاهد: سألت ابن عبَّاسٍ عن قوله تعالى: {تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فقال: تأتيها من حيث أُمِرْتَ أن تعتزلَها
(2)
. يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج، ولا يَعْدُه
(3)
إلى غيره
(4)
.
وقد دلَّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين:
أحدهما: أنَّه أباح إتيانها في الحَرْث وهو موضعُ الولد، لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى. وموضعُ الحرث هو المراد من قوله:{فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} الآية، قال:{لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]. وإتيانُها في قُبلها من دبرها مستفادٌ من الآية أيضًا، لأنَّه قال:{حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: من أين شئتم من أمامٍ أو من خلفٍ. قال ابن عبَّاسٍ: {لَكُمْ فَأْتُوا} يعني: الفرج
(5)
.
(1)
ل، ن:«هاهنا» ، وفي د:«هذا» .
(2)
أخرجه الدَّارمي (1160)، والطَّبري في «تفسيره» (3/ 735)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (2/ 585) أيضًا لابن المنذر.
(3)
ز، س:«ولا تعده» بالتاء.
(4)
أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (3/ 736)، والبيهقي في «الكبرى» (1/ 309، 7/ 196)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (2/ 585) أيضًا لابن المنذر.
(5)
أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (3/ 746)، والبيهقي في «الكبرى» (7/ 196).
وإذا كان الله حرَّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظَّنُّ بالحُشِّ الذي هو
(1)
محلُّ الأذى اللَّازم، مع زيادة المفسدة بالتَّعرُّض لانقطاع النَّسل، والذَّريعة القريبة جدًّا من أدبار النِّساء إلى أدبار الصِّبيان
(2)
.
وأيضًا: فللمرأة حقٌّ على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوِّت حقَّها ولا يقضي وطرها، ولا يحصِّل مقصودها.
وأيضًا: فإنَّ الدُّبر لم يتهيَّأ لهذا العمل ولم يُخلَق له، وإنَّما الذي هيِّئ له الفرجُ؛ فالعادلون عنه إلى الدُّبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا.
وأيضًا: فإنَّ ذلك مضرٌّ بالرَّجل. ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطبَّاء من الفلاسفة وغيرهم، لأنَّ للفرج خاصِّيَّةً في اجتذاب الماء المحتقَن
(3)
وراحة الرَّجل منه، والوطءُ في الدُّبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يُخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر
(4)
الطَّبيعيِّ.
وأيضًا: فيضرُّ من وجهٍ آخر، وهو إحواجُه
(5)
إلى حركاتٍ متعبةٍ جدًّا لمخالفته للطَّبيعة.
وأيضًا: فإنَّه محلُّ القذر والنَّجْو، فيستقبله الرَّجل بوجهه ويلابسه.
(1)
«هو» ساقط من س.
(2)
وهذا الوجه الثاني من دلالة الآية.
(3)
في ل هنا وفيما يأتي: «المختنق» .
(4)
ل، د:«الأمر» .
(5)
ما عدا ف، د، ن:«إخراجه» ، تصحيف.
وأيضًا: فإنَّه يضرُّ بالمرأة جدًّا، لأنَّه واردٌ غريبٌ بعيدٌ عن الطِّباع، منافرٌ لها غاية المنافرة.
وأيضًا: فإنَّه يُحدث الهمَّ والغمَّ والنُّفرة عن الفاعل والمفعول.
وأيضًا: فإنَّه يسوِّد الوجه، ويُظلِم الصَّدرَ، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشةً تصير عليه كالسِّيماء يعرفها من له أدنى فراسةٍ.
وأيضًا: فإنَّه يوجب النُّفرة والتَّباغض الشَّديد والتَّقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بدَّ.
وأيضًا: فإنَّه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادًا لا يكاد يرجى بعده صلاحٌ إلا أن يشاء الله بالتَّوبة النَّصوح.
وأيضًا: فإنَّه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدَّها؛ كما يذهب بالمودَّة بينهما، ويُبدلهما بها تباغضًا وتلاعنًا.
وأيضًا: فإنَّه من أكبر أسباب زوال النِّعم وحلول النِّقم، فإنَّه يوجب اللَّعنة والمقتَ من الله، وإعراضَه عن فاعله، وعدمَ نظره إليه. فأيَّ خيرٍ يرجوه بعد هذا! وأيَّ شرٍّ يأمنه! وكيف حياةُ عبد قد حلَّت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه!
وأيضًا: فإنَّه يذهب بالحياء جملةً. والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلبُ استحسن القبيحَ، واستقبح الحسنَ؛ وحينئذٍ فقد استحكم فسادُه.
وأيضًا: فإنَّه يحيل الطِّباع عمَّا ركَّبها اللَّه، ويُخرج الإنسان عن طبعه إلى طبعٍ لم يركِّب الله عليه شيئًا من الحيوان. بل هو طبعٌ منكوسٌ، وإذا نُكِسَ الطَّبع انتكس القلبُ والعملُ والهديُ، فيستطيب حينئذٍ الخبيثَ من الأعمال
والأفعال
(1)
والهيئة
(2)
، ويفسُد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره.
وأيضًا: فإنَّه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه.
وأيضًا: فإنَّه يورث من المهانة والسِّفال والحقارة ما لا يورثه غيره.
وأيضًا: فإنَّه يكسو العبدَ من حُلَّة المقت والبغضاء، وازدراء النَّاس له واحتقارهم إيَّاه، واستصغارهم له= ما هو مشاهَدٌ بالحسِّ.
فصلوات الله وسلامه على مَن سعادةُ الدُّنيا والآخرة في هديه واتِّباعِ ما جاء به، وهلاكُ الدُّنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به.
فصل
والجماع الضَّارُّ نوعان: ضارٌّ شرعًا، وضارٌّ طبعًا. فالضَّارُّ شرعًا: المحرَّم، وهو مراتب بعضها أشدُّ من بعضٍ. والتَّحريم العارض منه أخفُّ من اللَّازم كتحريم الإحرام والصِّيام والاعتكاف، وتحريم المُظاهِر منها قبل التَّكفير، وتحريم وطء الحائض، ونحو ذلك. ولهذا لا حدَّ في هذا الجماع.
وأمَّا اللَّازم، فنوعان: نوعٌ لا سبيل إلى حلِّه البتَّة كذوات المحارم. فهذا من أضرِّ الجماع، وهو يوجب القتل حدًّا عند طائفةٍ من العلماء كأحمد بن حنبلٍ وغيره
(3)
. وفيه حديثٌ مرفوعٌ ثابتٌ
(4)
.
(1)
سقط «والأفعال» من طبعة عبد اللطيف، وتابعتها النشرات الأخرى.
(2)
كذا بالتاء المربوطة في جميع النسخ إلا ن التي فيها: «الهيئات» ، ومثله في النسخ المطبوعة، وهو أشبه بالسياق.
(3)
انظر: «الروايتين والوجهين» (2/ 317)، و «الإشراف لابن المنذر» (7/ 289). وانظر:«الداء والدواء» (ص 409)، و «روضة المحبين» (ص 511).
(4)
هو حديث البراء رضي الله عنه قال: لقيتُ عمِّي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقَه، وآخذَ ماله. أخرجه أبو داود (4456، 4457)، والتِّرمذي (1362)، والنَّسائي (3331، 3332)، وابن ماجه (2607، 4457)، وأحمد (18557، 18578، 18579، 18608 - 18610، 18620، 18626)، وقد اختُلف فيه اختلافًا كثيرًا. قال التِّرمذيُّ:«حسن غريب» ، وتبعه البغويُّ في «شرح السنة» (10/ 305)، وقال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (2/ 201):«إسناده صالح» ، وصحَّحه ابن حبَّان (4112)، والحاكم (2/ 191)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (2/ 762)، وقال المصنِّف في «تهذيب السُّنن» (6/ 267):«له طرق حِسان يؤيِّد بعضُها بعضًا» ، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (2351). وفي الباب عن قرَّة بن إياس وابن عبَّاس رضي الله عنهم.
والثَّاني: ما يمكن أن يكون حلالًا كالأجنبيَّة. فإن كانت ذات زوجٍ ففي وطئها حقَّان: حقٌّ للَّه، وحقٌّ للزَّوج. فإن كانت مكرهةً ففيه ثلاث
(1)
حقوق. وإن كان لها أهلٌ وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربع حقوق. فإن كانت ذات محرمٍ منه صار فيه خمس حقوق. فمضرَّة هذا النَّوع بحسب درجاته في التَّحريم.
وأمَّا الضَّارُّ طبعًا
(2)
، فنوعان أيضًا: نوعٌ ضارٌّ بكيفيَّته
(3)
كما تقدَّم. ونوعٌ ضارٌّ بكمِّيَّته، كالإكثار منه فإنَّه يُسقِط القوَّة، ويضرُّ بالعصَب، ويُحدث الرَّعشة والفالج والتَّشنُّج، ويُضعِف البصر وسائر القوى، ويطفئ الحرارة الغريزيَّة ويوسِّع المجاري ويجعلها مستعدَّةً للفضلات المؤذية.
(1)
كذا في جميع النسخ: «ثلاث» ، و «أربع» ، و «خمس» ، إلا ن التي فيها «ثلاثة» ، و «أربعة» ، و «خمس» !
(2)
حط، د، ن:«شرعًا» ، وهو غلط.
(3)
بعده في ن زيادة: «طبعًا» ، وهي غلط أيضًا.