الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرف الميم
ماء
(1)
: مادَّة الحياة، وسيِّد الشَّراب، وأحد أركان العالم؛ بل ركنه الأصليُّ، فإنَّ السَّماوات خُلِقت من بخاره، والأرضُ من زَبَده. وقد جعل الله منه كلَّ شيءٍ حيٍّ.
وقد اختلف فيه: هل يغذو، أو ينفذ الغذاء فقط؟ على قولين، وقد تقدَّما
(2)
، وذكرنا القول الرَّاجح ودليله.
وهو باردٌ رطبٌ، يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته، ويردُّ عليه بدلَ ما تحلَّل منه، ويرقِّق الغذاء، وينفذه في العروق
(3)
.
وتعتبر جودة الماء من عشرة طرقٍ:
أحدها: من لونه بأن يكون صافيًا.
الثَّاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحةٌ البتَّة.
الثَّالث: من طعمه بأن يكون عذب الطَّعم حلوه، كماء النِّيل والفرات.
الرَّابع: من وزنه بأن يكون خفيفًا رقيق القوام.
الخامس: من مجراه بأن يكون طيِّب المجرى والمسلك.
السَّادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع.
(1)
كتاب الحموي (ص 484 - 490).
(2)
في ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في الشراب (ص 324).
(3)
سبقت هذه الفقرة أيضًا في هديه صلى الله عليه وسلم في الشراب.
السَّابع: من بروزه للشَّمس والرِّيح، بأن لا يكون محتقَنًا
(1)
تحت الأرض، فلا تتمكَّن الشَّمس والرِّيح من قَصَارته
(2)
.
الثَّامن: من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة.
التَّاسع: من كثرته بأن يكون له كثرةٌ تدفع الفضلات المخالطة له.
العاشر: من مصبِّه بأن يكون آخذًا إلى الشَّمال من الجنوب
(3)
، أو من المغرب إلى المشرق
(4)
.
وإذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة: النِّيل، والفرات، وسيحان، وجيحان.
وفي «الصَّحيحين»
(5)
من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيحان، وجيحان، والنِّيل، والفرات= كلُّها من أنهار الجنَّة» .
وتعتبر خفَّة الماء من ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: سرعة قبوله للحرِّ والبرد. قال بقراط
(6)
: الماء الذي يسخن سريعًا، ويبرد سريعًا أخفُّ المياه.
الثَّاني: بالميزان.
(1)
ل: «مخفيا» . وفي ز، س:«مختفيًا» ، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(2)
يعني: من تصفيته.
(3)
ل: «من الشمال إلى الجنوب» ، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تحريف.
(4)
الطرق الخمس الأُوَل ذكرها الحموي (ص 485) بالنص، وسائرها استخرجها المصنف من كلام الحموي قبلها ومن كلام ابن سينا بعدها.
(5)
كذا قال الحموي. والحديث أخرجه مسلم (2839) وحده.
(6)
س، حط، ل:«أبقراط» .
الثَّالث: أن تبلَّ قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين، ثمَّ يجفَّفان تجفيفًا بالغًا، ثمَّ توزنان، فأيهما كانت أخفَّ فماؤها كذلك.
والماء وإن كان في الأصل باردًا رطبًا، فإنَّ قوَّته تنتقل وتتغيَّر لأسبابٍ عارضةٍ توجب انتقالها، فإنَّ الماء المكشوف للشَّمال، المستور عن الجهات الأُخَر يكون باردًا، وفيه يبسٌ مكتسبٌ من ريح الشَّمال. وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخَر. والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن، ويؤثِّر في البدن تأثيرَه.
والماء العذب نافع للمرضى والأصحَّاء. والبارد منه أنفع وألذُّ. ولا ينبغي شربه على الرِّيق، ولا عقيب الجماع، ولا الانتباه من النَّوم، ولا عقيب الحمَّام، ولا عقيب أكل الفاكهة. وقد تقدَّم.
وأمَّا على الطَّعام، فلا بأس به إذا اضطرَّ إليه، بل يتعيَّن. ولا يُكثِرْ منه، بل يتمصَّصه مصًّا، فإنَّه لا يضرُّه البتَّة. بل يقوِّي المعدة، وينهض الشَّهوة، ويزيل العطش.
والماء الفاتر ينفخ، ويفعل ضدَّ ما ذكرناه. وبائته أجود من طريِّه، وقد تقدَّم. والبارد ينفع من داخلٍ أكثر من نفعه من خارجٍ، والحارُّ بالعكس. وينفع البارد من عفونة الدَّم وصعود الأبخرة إلى الرَّأس، ويدفع العفونات، ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارَّة. ويضرُّ كلَّ حالةٍ
(1)
تحتاج إلى نضجٍ وتحليلٍ، كالزُّكام والأورام. والشَّديد البرودة منه يؤذي
(1)
د: «على كل حالة» ، وهنا تبعت طبعة الرسالة أصلها. وفي النسخ الأخرى وكتاب الحموي ما أثبت.
الأسنان. والإدمانُ عليه يُحدث انفجار الدَّم، والنَّزلات، وأوجاع الصَّدر.
والباردُ والحارُّ بإفراطٍ ضارَّين
(1)
للعصب ولأكثر الأعضاء، لأنَّ أحدهما محلِّلٌ والآخر مكثِّفٌ. والماء الحارُّ يسكِّن لذع الأخلاط [و]
(2)
الحدَّة والوجع
(3)
، ويحلِّل ويُنضج، ويخرج الفضول، ويرطِّب، ويسخِّن. ويفسد الهضمَ شربُه، ويطفو بالطَّعام إلى أعالي المعدة ويُرخيها، ولا يسرع في تسكين العطش، ويُذبل البدن، ويؤدِّي إلى أمراضٍ رديَّة. ويضرُّ في أكثر الأمراض، على أنَّه صالحٌ للشُّيوخ وأصحاب الصَّرع والصُّداع البارد والرَّمد. وأنفعُ ما اسْتُعمِل من خارجٍ.
ولا يصحُّ في المسخَّن بالشَّمس حديثٌ ولا أثرٌ
(4)
، ولا كرهه أحدٌ من قدماء الأطبَّاء، ولا عابوه.
(1)
كذا في جميع النسخ الخطية ونسختي كتاب الحموي (ص 489). وفي النسخ المطبوعة: «ضارَّان» .
(2)
زيادة من كتاب الحموي. وفي ل: «أوجاع الأخلاط الحدة ولذعها» ، وهو تغيير كامل للسياق. وفي غيرها:«الأخلاط الحدة» ، وفي هامش ن أن في نسخة:«الأخلاط الحادة» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3)
في الأصل (ف) وحده: «والوقع» وهو تحريف ما أثبت من كتاب الحموي. وعلى الكلمة في الأصل خطٌّ كأنه خط الضرب، وقد يكون من آثار الأرضة التي عاثت في أطراف النسخة فسادًا.
(4)
روي ذلك عن عائشة وأنس وابن عباس مرفوعًا، وعن عمر موقوفًا عليه، وكلها واهية لاسيما الروايات المرفوعة. انظر:«سنن الدارقطني» (86 - 88) و «سنن الكبرى» للبيهقي (1/ 6) و «تنقيح التحقيق» (1/ 64) و «البدر المنير» (1/ 421) و «إرواء الغليل» (1/ 50).