الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب للخُراج
(1)
: يكتب عليه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 105 - 107].
كمأة
(2)
: ثبت عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «الكمأة من المنِّ وماؤها شفاءٌ للعين» . أخرجاه في «الصَّحيحين»
(3)
.
قال ابن الأعرابيِّ: الكمأة: جمعٌ، واحده كَمْءٌ
(4)
. وهذا خلاف قياس العربيَّة فإنَّ ما بينه وبين واحده التَّاء فالواحدُ منه بالتَّاء، وإذا حذفت كان للجمع. وهل هو جمعٌ أو اسم جمعٍ؟ على قولين مشهورين. قالوا: ولم يخرج عن هذا إلا حرفان: كمأةٌ وكمءٌ، وجَبْأةٌ وجَبْءٌ
(5)
. وقال غير ابن الأعرابيِّ: بل هي على القياس: الكمأة للواحد، والكمء للكثير
(6)
. وقال
(1)
لم يذكره الحموي، فلا أدري أهذه الرقية من استنباطات المؤلف رحمه الله ومجرَّباته أم أخذها من بعض الكتب.
(2)
كتاب الحموي (ص 131 - 135)، (ص 451 - 452).
(3)
البخاري (4478) ومسلم (2049) من حديث سعيد بن زيد.
(4)
«كتاب النبات» للدينوري (ص 71). وانظر ما حكاه عنه شمر في «تهذيب اللغة» (10/ 409).
(5)
انظر: «شرح الشافية» للرضي (2/ 193). وفي «التهذيب» عن أبي الهيثم: «لا يجمع على فَعْلة إلا كمء وكمأة، ورَجْل ورَجْلة» . والجبأة من الكمأة.
(6)
في «التهذيب» أنه قول أبي خيرة وحده.
غيرهما: الكمأة تكون واحدًا وجمعًا
(1)
.
واحتجَّ أصحاب القول الأوَّل بأنَّهم قد جمعوا كَمْأً على أكمُؤٍ. قال الشَّاعر
(2)
:
ولقد جنيتُك أكمُؤًا وعساقلًا
…
ولقد نهيتُك عن بنات الأوبر
(3)
وهذا يدلُّ على أنَّ كَمْأً مفردٌ، وكمأةً جمعٌ
(4)
.
والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع. وسمِّيت كمأةً لاستتارها. ومنه كمَأ الشَّهادةَ، إذا سترها وأخفاها. والكمأة مختفية
(5)
تحت الأرض، لا ورق لها ولا ساق. ومادَّتها من جوهرٍ أرضيٍّ بخاريٍّ محتقنٍ في الأرض نحو سطحها. يحتقن ببرد الشِّتاء، وتنمِّيه أمطار الرِّبيع، فيتولَّد ويندفع نحو سطح الأرض متجسِّدًا. ولذلك يقال لها:«جُدَريُّ الأرض» تشبيهًا بالجدريِّ في صورته ومادَّته، لأنَّ مادَّته رطوبةٌ دمويَّةٌ، تندفع عند سنِّ التَّرعرع في الغالب وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوَّة.
(1)
حكاه الحموي عن أبي زيد ولعل مصدره «كتاب النبات» (ص 71).
(2)
أنشده صاحب «العين» (2/ 290) وأبو عمرو الشيباني في «الجيم» (2/ 333) وأبو عبيد في «الغريب المصنَّف» (1/ 484) والمبرِّد في «المقتضب» (4/ 48) وغيرهم، وهو من الشواهد النحوية المشهورة، ولم يعرف قائله.
(3)
جنيتُك: جنيتُ لك. العساقل: ضرب من الكمأة كبار بيض. بنات أوبر: ضرب من الكمأ صغار مزغَّب.
(4)
هذا الاحتجاج مع الشاهد من مصدر غير كتاب الحموي.
(5)
ل: «مخفيَّة» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
وهي ممَّا يوجد في الرَّبيع، ويؤكل نيئًا ومطبوخًا. وتسمِّيها العرب:«نبات الرَّعد» لأنَّها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض. وهي من أطعمة أهل البوادي وتكثر بأرض العرب. وأجودها: ما كانت أرضها رملةً قليلة الماء.
وهي أصنافٌ. منها: صنفٌ قتَّالٌ يضرب لونه إلى الحمرة، يُحدث الاختناق.
وهي باردةٌ رطبةٌ في الدَّرجة الثانية
(1)
، رديَّة للمعدة، بطيئة الهضم. وإذا أدمنت أورثت القُولنج، والسَّكتة، والفالج، ووجع المعدة، وعسر البول. والرَّطبةُ أقلُّ ضررًا من اليابسة. ومن أكلها فليدفنها في الطِّين الرَّطب، ويسلقها بالماء والملح والصَّعتر، ويأكلها بالزَّيت والتَّوابل الحارَّة؛ لأنَّ جوهرها أرضيٌّ غليظٌ وغذاؤها رديٌّ، لكن فيها جوهرٌ مائيٌّ لطيفٌ يدلُّ عليه خفَّتها. والاكتحالُ بها نافعٌ من ضعف البصر والرَّمد الحادِّ
(2)
. وقد اعترف فضلاء الأطبَّاء بأنَّ ماءها يجلو العين. وممَّن ذكره: المسيحيُّ
(3)
وصاحب «القانون»
(4)
وغيرهما.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «الكمأة من المنِّ» ، فيه قولان:
(1)
في النسخ المطبوعة: «الثالثة» .
(2)
في النسخ المطبوعة: «ظلمة البصر والرمد الحارّ» . وفي كتاب الحموي كما أثبت، وانظر:«الأربعين الطبية» للموفق (ص 111).
(3)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة وفي «الآداب الشرعية» (3/ 128) و «فتح الباري» (17/ 481 ــ طبعة الرسالة) وكلاهما صادر عن «الزاد» . والصواب: «مسيح» كما في كتاب الحموي. وقد سبق مثل هذا الخطأ في فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج ذات الجنب (ص 114). وانظر ما تقدم أيضًا في هديه في رقية القرحة (ص 268).
(4)
انظر: «القانون» (1/ 527).
أحدهما: أنَّ المنَّ الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرةً منَّ الله عليهم بها من النَّبات الذي يوجد
(1)
عفوًا من غير صنعةٍ ولا علاجٍ ولا حرثٍ. فإنَّ المنَّ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي ممنونٌ به. فكلُّ ما رزقه الله العبدَ عفوًا بغير كسبٍ منه ولا علاجٍ فهو منٌّ من
(2)
الله تعالى عليه، لأنه لم يشُبْه كسبُ العبد، ولم يكدِّره تعبُ العمل. فهو
(3)
منٌّ محضٌ، وإن كانت سائر نعمه منًّا منه على عبده، فخصَّ منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم «المنِّ» فإنَّه منٌّ بلا واسطة العبد. وجعل سبحانه قوتهم بالتِّيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز، وجعَل أُدمهم السَّلوى وهو يقوم مقام اللَّحم، وجعل حلواهم الطَّلَّ الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى= فكمل عيشهم.
وتأمَّل قوله صلى الله عليه وسلم: «الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» فجعَلها من جملته، وفردًا من أفراده. والتَّرَنْجَبين الذي يسقط على الأشجار نوعٌ من المنِّ، ثمَّ غلب استعمال المنِّ عليه عُرفًا حادثًا.
والقول الثَّاني: أنَّه شبَّه الكمأة بالمنِّ المنزَّل من السَّماء، لأنَّه يُجمَع من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، ولا زرع بزرٍ ولا سقيٍ
(4)
.
(1)
ز، س، ن:«يؤخذ» .
(2)
هكذا ضبط في حط، ل. وفي س، ن ضبط:«مِن منِّ» .
(3)
العبارة: «منٌّ من الله
…
فهو» ساقطة من طبعة الرسالة.
(4)
وهذا قول أبي عبيد وغيره. انظر: «أعلام الحديث» (3/ 1800)، و «شرح البخاري» لابن بطال (9/ 413)، و «كشف المشكل» لابن الجوزي (1/ 257 - 258). وهنا انتهى النقل من كتاب الحموي.
فإن قلت: فإذا كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضَّرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أنَّ الله سبحانه أتقن كلَّ شيءٍ صنَعه، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقه، فهو عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تامُّ المنفعة لما هيِّئ وخُلِق
(1)
. وإنَّما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمورٍ أخرى من مجاورةٍ أو امتزاجٍ واختلاطٍ أو أسبابٍ أُخَر تقتضي فساده. فلو تُرك على خلقته الأصليَّة من غير تعلُّق أسباب الفساد به لم يفسد.
ومن له معرفةٌ بأحوال العالم ومبدئه يعرف أنَّ جميع فساده
(2)
في جوِّه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادثٌ بعد خلقه، بأسبابٍ اقتضت حدوثه. ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرُّسل تُحدث لهم من الفساد العامِّ والخاصِّ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطَّواعين، والقحوط والجدوب، وسَلْب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسَلْبِ منافعها، أو نقصانها= أمورًا متتابعةً يتلو بعضها بعضًا.
فإن لم يتَّسع علمك لهذا، فاكتفِ بقوله سبحانه:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41]
(3)
، ونزِّل هذه الآية على أحوال
(1)
في ل بعده زيادة: «له» وكذا في طبعة الفقي. وهذه الزيادة ليست بلازمة، فالعائد يجوز حذفه إن جُرَّ بحرفٍ وجُرَّ الموصول بمثله لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى:{وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} أي مما تشربون منه.
(2)
هكذا في ن. وفي غيرها: «فساد» ، وقد ضبط الدال في س بتنوين الكسرة. وكتب ناسخ ل «فساد العالم» ثم ضرب على لفظ «العالم» ، وضبط الدال بتنوين الكسرة. وفي النسخ المطبوعة:«الفساد» .
(3)
هنا انتهى الخرم في الأصل (ف).
العالم، وطابِق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كلَّ وقتٍ في الثِّمار والزَّرع والحيوان، وكيف تحدث من تلك الآفات آفاتٌ أخر متلازمةٌ، بعضُها آخذٌ برقاب بعضٍ. وكلَّما أحدث النَّاس ظلمًا وفجورًا أحدث لهم ربُّهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم، من النَّقص والآفات ما هو موجَبُ أعمالهم وظلمهم وفجورهم.
ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر ممَّا هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد
(1)
بإسناده: أنَّه وُجِد في خزائن بعض بني أميَّة صُرَّةٌ فيها حنطةٌ أمثال نوى التَّمر، مكتوبٌ عليها: هذا كان ينبت أيَّام العدل. وهذه القصَّة ذكرها في «مسنده» على إثر حديثٍ رواه
(2)
.
وأكثر هذه الآفات والأمراض
(3)
العامَّة بقيَّةُ عذابٍ عذِّبت به الأمم السَّالفة ثمَّ بقيت منها بقيَّةٌ مُرْصَدةٌ لمن بقيت عليه بقيَّةٌ من أعمالهم حكمًا قسطًا وقضاءً عدلًا. وقد أشار النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله في الطَّاعون: «إنَّه بقيَّة
(1)
برقم (7949) بإسناده عن أبي قحذم قال: «وُجد في زمن زياد ــ أو: ابن زياد ــ صرَّةٌ فيها حبٌّ أمثالُ النَّوى، عليه مكتوبٌ: هذا نبَت في زمانٍ كان يُعمَل فيه بالعدل» . وأخرجه ابن أبي شيبة (36312) والعباس الدوري في «تاريخه» عن ابن معين (3897) والدينوري في «المجالسة» (1/ 394) بمثله. وأبو قحذم لا يعرف مَن هو. وانظر: تعليق محققي «المسند» .
(2)
نقلها المصنف في «الداء والدواء» (ص 160) أيضًا.
(3)
ز، حط، ن:«الأمراض والآفات» .
رجزٍ أو عذابٍ أُرسل على بني إسرائيل»
(1)
.
وكذلك سلَّط الله سبحانه الرِّيحَ على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيَّامٍ، ثمَّ أبقى في العالم منها بقيَّةً في تلك الأيَّام أو في نظيرها عظة وعبرة.
وقد جعل الله سبحانه أعمال البرِّ والفجور مقتَضِياتٍ لآثارها في هذا العالم اقتضاءً لا بدَّ منه. فجعل منعَ الإحسان والزَّكاة والصَّدقة سببًا لمنع الغيث من السَّماء والقَحْط والجَدْب، وجعل ظلمَ المساكين والبخسَ في المكاييل والموازين وتعدِّي القويِّ على الضَّعيف سببًا لجور الملوك والولاة الذين لا يَرحمون إن استُرْحِموا، ولا يَعطِفون إن استُعْطِفوا. وهم في الحقيقة أعمال الرَّعايا ظهرت في صور ولاتهم. فإنَّ الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهِر للنَّاس أعمالَهم في قوالب وصورٍ تناسبها: فتارةً بقحطٍ وجدبٍ، وتارةً بعدوٍّ، وتارةً بولاةٍ جائرين، وتارةً بأمراضٍ عامَّةٍ، وتارةً بهمومٍ وآلامٍ وغمومٍ تحضرها نفوسُهم لا ينفكُّون عنها، وتارةً بمنع بركات السَّماء والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشَّياطين عليهم تؤزُّهم إلى أسباب العذاب أزًّا، لتحقَّ عليهم الكلمة، وليصير كلٌّ منهم إلى ما خُلِق له.
والعاقلُ يسيِّر بصيرته بين أقطار العالم، فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته. وحينئذٍ يتبيَّن له أنَّ الرُّسل وأتباعهم خاصَّةً على سبيل النَّجاة، وسائرُ الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون. والله بالغٌ أمره، لا معقِّب له، ولا رادَّ لأمره. وباللَّه التَّوفيق.
(1)
أخرجه بهذا اللَّفظ التِّرمذيُّ (1065)، وابن حبَّان (2954)، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما -، وقال التِّرمذي:«حديث حسن صحيح» . وهو في الصَّحيحين، وقد تقدَّم تخريجه.
فصل
(1)
وقوله صلى الله عليه وسلم في الكمأة: «وماؤها شفاءٌ للعين» فيه ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّ ماءها يُخْلَط في الأدوية الَّتي يعالَج بها العين، لا أنَّه يستعمل وحده. ذكره أبو عبيدٍ
(2)
.
الثَّاني: أنَّه يُستعمَل بحتًا بعد شيِّها واستقطار مائها، لأنَّ النَّار تلطِّفه وتُنْضِجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المُرْدِية
(3)
، ويبقى النَّافعُ
(4)
.
الثَّالث: أنَّ المراد بمائها الماءُ الذي يحدث به من المطر، وهو أوَّل قطرٍ ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقترانٍ، لا إضافة جزءٍ. ذكره ابن الجوزيِّ
(5)
، وهو أبعد الوجوه وأضعفها.
وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجرَّدًا شفاء. وإن
(1)
لفظ «فصل» ساقط من طبعة الفقي وكذا من طبعة الرسالة.
(2)
في «غريب الحديث» (1/ 388).
(3)
ن: «المؤذية» .
(4)
أعجم حرف المضارعة في «يبقى» في ز، حط فقط. وضبط «النافع» في ل بضم العين. وفي النسخ المطبوعة:«وتبقى المنافع» . ونقل ابن الجوزي هذا القول في «كشف المشكل» (1/ 159) عن إبراهيم الحربي. قال إبراهيم: وقال لي صالح وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل: إنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة، فدقَّاها وعصراها، فاكتحلا بمائها، فهاجت أعينهما ورمدت.
(5)
نقله في «كشف المشكل» (1/ 259) عن شيخه أبي بكر بن عبد الباقي. وانظر: «لقط المنافع» لابن الجوزي (1/ 374). والمصنف صادر عن كتاب الحموي (ص 135).