الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتَّصل بجسم المسحور. بل تنفث على العقدة وتعقِدها، وتتكلَّم بالسِّحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسُّط الأرواح السُّفليَّة الخبيثة. فتقابلها
(1)
الرُّوح الزَّكيَّة الطَّيِّبة بكيفيَّة الدَّفع والتَّكلُّم بالرُّقية وتستعين بالنَّفث؛ فأيُّهما قوي كان الحكم له. ومقابلةُ
(2)
الأرواح بعضها لبعضٍ وتحاربُها وآلتُها من جنس مقابلة الأجسام ومحاربتها وآلتها سواءً. بل الأصل في المحاربة والتقابل
(3)
للأرواح والأجسام آلتُها وجندُها، ولكن مَن غلب عليه الحسُّ لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها، لاستيلاء سلطان الحسِّ عليه، وبُعدِه من عالم الأرواح وأحكامها وأفعالها.
والمقصود: أنَّ الرُّوح إذا كانت قويَّةً، وتكيَّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنَّفث والتَّفل= قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النُّفوس الخبيثة، فأزالته. والله أعلم.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج لدغة العقرب بالرُّقية
روى ابن أبي شيبة في «مسنده»
(4)
من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال:
(1)
د: «فتقاتلها» .
(2)
ل، د:«مقاتلة» .
(3)
ما عدا س، ل، ز:«التقاتل» .
(4)
قال البوصيريُّ في «الإتحاف» (4/ 465): «عزاه ابن القيِّم لمسند ابن أبي شيبة، ولم أره فيه» . وقد صدق. وابن القيم رحمه الله صادر هنا عن كتاب الحموي (ص 127 - 128)، وفيه:«رواه ابن أبي شيبة» ، فزاد ابن القيم:«في مسنده» ، ولعل الحموي قصد في «مصنَّفه» ، غير أن الحديث فيه عن علي، ولم يرد فيه قراءة «قل هو الله أحد» . وأخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (3/ 106) من طريق الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود رضي الله عنه. والحسن متروكٌ، وقال الدَّارقطنيُّ في «العلل» (5/ 303):«ولم يتابع عليه. ورواه مطرِّف وحمزة الزَّيَّات، عن المنهال بن عمرو، عن ابن الحنفيَّة مرسلًا. وهو أصحُّ» . وأخرجه ابن أبي شيبة (24019، 30420)، والطَّبرانيُّ في «الأوسط» (5890) و «الصَّغير» (830)، وغيرهما من طريق المنهال، عن ابن الحنفيَّة، عن عليٍّ رضي الله عنه، وحسَّن إسناده الهيثميُّ في «المجمع» (5/ 111)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (548)، لكنَّه معلولٌ كما بيَّن الدَّارقطنيُّ أيضًا في «العلل» (4/ 122) وأنَّ الصَّواب فيه الإرسال.
بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي إذ سجد، فلدغته عقربٌ في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«لعن الله العقربَ، ما تدع نبيًّا ولا غيره» . قال: ثمَّ دعا بإناءٍ فيه ماءٌ وملحٌ، فجعل يضع موضعَ اللَّدغة في الماء والملح، ويقرأ:(قل هو الله أحدٌ)
(1)
والمعوِّذتين حتَّى سكنت.
ففي هذا الحديث العلاج بالدَّواء المركَّب من الأمرين الطَّبيعيِّ والإلهيِّ. فإنَّ في سورة الإخلاص من كمال التَّوحيد العلميِّ الاعتقاديِّ وإثباتِ الأحديَّة للَّه المستلزمة نفيَ كلِّ شركةٍ عنه، وإثباتِ الصَّمديَّة المستلزمة لإثبات كلِّ كمالٍ له، مع كون الخلائق تصمُد إليه في حوائجها أي: تقصده الخليقةُ وتتوجَّه إليه علويُّها وسفليُّها؛ ونفي الوالد والولد والكفءِ عنه، المتضمَّنِ لنفي الأصل والفرع والنَّظير والمماثل= ما
(2)
اختصَّت به،
(1)
لم يرد ذكر سورة الإخلاص في «المصنف» كما مرَّ في التخريج. وفي معجمي الطبراني الصغير والأوسط ذكرت مع المعوذتين سورة الكافرون. نعم في «شعب الإيمان» (4/ 169) ذكرت سورة الإخلاص.
(2)
الموصولة اسم إنَّ في قوله: «فإنَّ في سورة الإخلاص
…
». وفي س، ث، ل:«مما» ، وهو غلط.
وصارت تعدل ثلثَ القرآن. ففي اسمه «الصَّمد» إثباتُ كلِّ كمال
(1)
، وفي نفي الكفء التَّنزيهُ عن الشَّبيه والمثال، وفي «الأحد» نفيُ كلِّ شريكٍ لذي الجلال. وهذه الأصول الثَّلاثة هي مجامع التَّوحيد.
وفي المعوِّذتين: الاستعاذة من كلِّ مكروهٍ جملةً وتفصيلًا. فإنَّ الاستعاذة من شرِّ ما خَلَق تعُمُّ كلَّ شرٍّ يستعاذ منه، سواءٌ كان في الأجسام أو الأرواح. والاستعاذةُ من شرِّ الغاسق ــ وهو اللَّيل وآيتِه ــ وهو القمر إذا غاب ــ تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة الَّتي كان نور النَّهار يحول بينها وبين الانتشار، فلمَّا أظلم عليها
(2)
اللَّيل وغاب القمر انتشرت وعاثت. والاستعاذةُ من شرِّ النَّفَّاثات في العُقَد يتضمَّن
(3)
الاستعاذةَ من شرِّ السَّواحر وسحرهنَّ. والاستعاذةُ من شرِّ الحاسد يتضمَّن الاستعاذةَ من النُّفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها. والسُّورة الثَّانية تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ شياطين الإنس والجنِّ. فقد جمعت السُّورتان الاستعاذةَ من كلِّ شرٍّ.
ولهما شأنٌ عظيمٌ في الاحتراس والتَّحصُّن من الشُّرور قبل وقوعها. ولهذا أوصى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عُقْبة بن عامرٍ بقراءتهما عقيبَ
(4)
كلِّ صلاةٍ. ذكره الترمذي في «جامعه»
(5)
. وفي هذا سرٌّ عظيمٌ في استدفاع الشُّرور من الصَّلاة
(1)
في حط، ن:«الكمال» .
(2)
ث، ل:«عليه» .
(3)
لم ينقط حرف المضارع في الأصل (ف) هنا وفيما بعد، وفي معظم النسخ ما أثبت.
(4)
ل: «عقب» .
(5)
برقم (2903) وقال: «هذا حديث حسن غريب» . وأخرجه أيضًا أبو داود (1523)، والنَّسائيُّ (1336)، وأحمد (17417، 17792)، وغيرهم. وصحَّحه ابن خزيمة (755)، وابن حبَّان (2004)، والحاكم (1/ 252)، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (4/ 433):«حسن غريب» ، وصحَّحه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (2/ 290).
إلى الصَّلاة. وقال: «ما تعوَّذ المتعوِّذون بمثلهما»
(1)
. وقد ذُكِر أنَّه صلى الله عليه وسلم سُحِر في إحدى عشرة عقدةً، وأنَّ جبريل نزل عليه بهما. فجعل كلَّما قرأ آيةً منهما انحلَّت عقدةٌ، حتَّى انحلَّت العقد كلُّها، وكأنَّما نُشِط من عقالٍ
(2)
.
وأمَّا العلاج الطَّبيعيُّ فيه، فإنَّ في الملح نفعًا لكثيرٍ من السُّموم، ولا سيَّما لدغة العقرب. قال صاحب «القانون»
(3)
: يضمَّد به مع بِزْر الكتَّان للسع العقرب. وذكره غيره أيضًا
(4)
. وفي الملح من القوَّة الجاذبة المحلِّلة ما
(1)
هذا جزء حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، رواه الحميدي (874) وأبو داود (1463) والطحاوي في «مشكل الآثار» (127) والطبراني (17/ 345) والبيهقي (2/ 394)، وعندهم اللفظ «تعوذ متعوذٌ» ، ولفظ «المتعوذون» لم أجده إلا عند الدولابي في «الكنى والأسماء» (2/ 553).
(2)
أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (2/ 198) من طريق جُوَيبر، عن الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما - بنحوه، وجويبر ضعيفٌ جدًّا، وأعلَّه ابن حجر في «الفتح» (10/ 236) وفي «التَّلخيص الحبير» (4/ 76) بالانقطاع. وأخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (6/ 248) من طريق محمَّد بن السَّائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ومحمَّد بن السَّائب هو الكلبيُّ متَّهمٌ بالكذب. وأخرجه البيهقيُّ أيضًا في «الدَّلائل» (7/ 92 - 94) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه، وفي إسناده محمَّد بن عبيد الله العرزميُّ وهو متروكٌ، وينظر:«السِّلسلة الضَّعيفة» (6/ 618) .. وأورده الثَّعلبيُّ في «الكشف والبيان» (10/ 338) عن ابن عبَّاس وعائشة بلا إسنادٍ، قال ابن كثير في «تفسيره» (8/ 538):«فيه غرابةٌ، وفي بعضه نكارةٌ شديدةٌ» .
(3)
في فصل الأطلية والأضمدة (3/ 330) والنقل من كتاب الحموي (ص 128).
(4)
قال الحموي: «وكذا ذكره الغافقي وغيرهما» . وانظر: «الحاوي» للرازي (5/ 290).
يجذب السُّموم ويحلِّلها
(1)
. ولمَّا كان في لسعها قوَّةٌ ناريَّةٌ تحتاج إلى تبريدٍ وجذبٍ وإخراجٍ جمَعَ بين الماء المبرِّد لنار اللَّسعة، والملح الذي فيه جذبٌ وإخراجٌ. وهذا أتمُّ ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله. وفيه تنبيهٌ على أنَّ علاج هذا الدَّاء بالتَّبريد والجذب والإخراج. والله أعلم.
وقد روى مسلم في «صحيحه»
(2)
عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللَّه، ما لقيتُ من عقربٍ لدغتني البارحة! فقال: «أمَا، لو قلتَ حين أمسيتَ: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلَق= لم يضرَّك
(3)
».
واعلم أنَّ الأدوية الإلهيَّة تنفع من الدَّاء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مُضِرًّا وإن كان مؤذيًا. والأدوية الطَّبيعيَّة إنَّما تنفع بعد حصول الدَّاء. فالتَّعوُّذات والأذكار إمَّا أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإمَّا أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التَّعوُّذ وقوَّته وضعفه.
فالرُّقى والعُوَذ تستعمل لحفظ الصِّحَّة، ولإزالة المرض
(4)
. أمَّا الأوَّل فكما في «الصَّحيحين»
(5)
من حديث عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفَث في كفَّيه بـ (قُل هو الله أحدٌ) والمعوِّذتين، ثمَّ يمسح بهما وجهَه وما بلغت يدُه من جسده.
(1)
لم يشر المؤلف إلى فائدة الملح في لدغة العقرب في قسم المفردات.
(2)
برقم (2709).
(3)
أهمل حرف المضارع في ث، ل وفي ن بالتاء كما في مطبوعة «صحيح مسلم» . وفي غيرها بالياء.
(4)
انظر: كتاب الحموي (ص 264).
(5)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو سهو. وإنما أخرجه البخاري (5748).
وكما في حديث عُوذة أبي الدَّرداء المرفوع: «اللَّهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، عليك توكَّلت، وأنت ربُّ العرش العظيم» وقد تقدَّم. وفيه: «من قالها أوَّلَ نهاره لم تُصِبه مصيبةٌ حتَّى يمسي، ومن قالها آخرَ نهاره لم تُصِبه مصيبةٌ حتَّى يُصْبح»
(1)
.
وكما في «الصَّحيحين»
(2)
: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفَتاه» .
وكما في «صحيح مسلم»
(3)
عن النِّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «من نزل منزلًا، فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلق= لم يضرُّه شيءٌ حتَّى يرتحل من منزله ذلك» .
وكما في «سنن أبي داود»
(4)
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في السَّفر يقول
(1)
أخرجه الخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق» (868)، والطَّبراني في «الدُّعاء» (343)، وابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (57)، والبيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» (344). وقد تقدَّم تخريجه وبيان أنَّه ضعيفٌ جدًّا.
(2)
من حديث أبي مسعود البدري. البخاري (4008) ومسلم (807).
(3)
من حديث خولة بنت حكيم السُّلَمية (2708).
(4)
برقم (2603) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما -. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (7813، 10322)، وأحمد (6161، 12249)، وغيرهما. وصحَّحه ابن خزيمة (2572)، والحاكم (1/ 446 - 447، 2/ 100)، والضِّياء في «المختارة» (286، 287)، وحسَّنه ابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (5/ 164)، لكن في إسناده الزُّبير بن الوليد الرَّاوي عن ابن عمر، قال النَّسائيُّ:«شاميٌّ، ما أعرف له غيرَ هذا الحديث» ، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (2/ 68):«تفرَّد عنه شريح بن عُبيد» ؛ ولذا أورده الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (4837).