الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الأئمة كلهم لهم المنزلة العظيمة عندنا، وعند غيرنا من أهل العلم، يعرفون لهم فضلهم وجهادهم وعلمهم، لا شك في هذا، ولكن لا يلزم من قولنا - نعظمهم ونعرف لهم أقدارهم - أن نوافق على ما قد يقع من خطأ من بعضهم، لأن كل إمام يقع له بعض الأخطاء وبعض الأغلاط، وكل إمام يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن قوله هو الحق كما قال مالك رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، يعني الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لأحد من الناس، حكاه إجماعا لأهل العلم، وهذا صحيح، فإن الواجب على الأمة كلها تقديم ما قاله الله ورسوله في مسائل النزاع وفي مسائل الإجماع، فكما أن مسائل الإجماع يجب أن تحترم وأن يؤخذ بها، وألا يلتفت إلى من خالفها فهكذا من باب أولى الكتاب والسنة يجب تعظيمهما والأخذ بهما، وترك ما خالفهما من أقوال الناس.
143 -
رد بعض الشبه حول جواز إهداء القرآن للميت
س: في رد لسماحتكم مجيبين عن السؤال الآتي: هل تجوز تلاوة القرآن على المتوفى أو إهداء ثوابه له؟ علمت من ردكم أن هناك خلافا بين العلماء في هذا الأمر، وكما قلتم: إنه ليس هناك دليل من الشارع
على هذه المسألة أرجو من فضيلة مولانا المزيد من الإيضاح في تعليقه على هذه الملاحظات، إذا جاز لنا أن نحج عن المتوفى وأن نتصدق له ألا يعني هذا أن من يحج عن المتوفى عليه أن يؤدي مناسك الحج جميعها المفروض منها والمسنون؟ فإذا قام مثلا بصلاة ركعتين عند المقام والسنة ألا يهدي ثواب هذه الصلاة للمتوفى، وبالتالي ألا يكون ما قرأه من القرآن في صلاته كان مهداة للمتوفى كسائر أعمال الحج، فضيلة مولانا الشيخ، الدعاء للمتوفى جائز، أليس الدعاء مخ العبادة، وإذا كان القرآن رحمة وشفاء للمؤمنين، ألا يكون المتوفى أحوج لهذه الرحمة، وأن القرآن يحتوي على الكثير من آيات الدعاء، والخلاصة إذا كانت تلاوة القرآن لا تجوز على المتوفى هذا يعني ألا نتلو الآيات الشاملة على الترحم له؟ أرجو إلقاء المزيد من الضوء على هذا الدرب، وجزاكم الله عن الأحياء والأموات خيرا (1)
ج: إني أشكر للسائل عنايته واهتمامه بهذه الأمور الشرعية العظيمة، وأسأل الله له ولنا المزيد من كل خير، أيها الأخ السائل: إن أمور العبادات ليست محل قياس، والعبادات توقيفية كما قال أهل العلم، لا يقال فيها بالرأي المجرد، والقياس من عبادة على عبادة ولكن يتلقى أمر
(1) السؤال الثاني عشر من الشريط رقم (113).
العبادة عن الشارع عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا نقيس شيئا على شيء بدون حجة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أقر الحج عن الميت، وأذن فيه، وعن العاجز أيضا كالشيخ الكبير العاجز يحج عنه، والصلاة التي يصليها الطائف تبعا للطواف يكون ثوابها وثواب الطواف للميت من غير حاجة إلى أن يهدي الصلاة أو يهدي القراءة، لأنه صلى تبعا للطواف، وهذه الصلاة جازت تبعا لا استقلالا، ولا يشرع لأحد أن يصلي عن ميت أو يصوم عنه تنفلا، لأن هذا لم يرد في الشرع والعبادات مثل ما تقدم توقيفية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (1)» ويقول الله عز وجل في ذلك ما هو أعم من هذا: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (2) ويقول عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا -يعني في ديننا وشرعنا - ما ليس منه فهو رد (3)» يعني: فهو مردود. فالواجب على أهل الإسلام الاتباع لما جاء به نبيهم عليه الصلاة والسلام، وليس لهم أن يبتدعوا فالحج بأعماله الواجبة والمشروعة جاءت من الشارع، فإذا حج عن الميت أو عن العاجز، وصار الآجر للمحجوج عنه عن النفل
(1) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، برقم (1718).
(2)
سورة الشورى الآية 21
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم (2697)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (1718).
والفرض جميعا حسب ما جاء عن الشارع، ولا نقيس على هذا فنقول: كما جازت الصلاة تبع الطواف للميت المحجوج عنه لنا أن نصلي عن الموتى ونصوم عنهم، لا، هذا قياس غير مناسب، فالحج عبادة مستقلة، فلا يقاس عليها أن نصوم عنه نافلة أو نصلي عنه نافلة، بل علينا أن نتبع ونقف عند الشرع، وهكذا التلاوة التي يقرؤها الإنسان في الصلاة عن الميت، والتلاوة في ركعتي الطواف، والتلاوة في الطواف، كل هذه تبع فلا يقاس عليها، التلاوة المستقلة، كونه يقرأ على الميت ويجعل الثواب للميت، أو يقرأ على القبر أو يقرأ خارج ذلك في أي مكان وينوي للميت هذا يحتاج إلى دليل، وإن كان جملة من أهل العلم ذهبوا إلى جواز ذلك وأنه لا بأس به، وقاسوه على الحج، والدعاء والصدقة، لكن مثل ما تقدم القاعدة الشرعية عدم القياس، وأن علينا أن نتبع ولا نخترع، ولا نبتدع في ديننا ما لم يأذن به الله، وإذا فتح هذا الباب دخل الناس في البدع، ولم يقفوا عند حد، فلهذا قلت سابقا وأقول الآن: إن الأرجح عدم تثويب التلاوة للميت، وعدم الصلاة عنه، وعدم الصوم عنه إلا إذا كان عليه دين صوم واجب كرمضان أو من كفارة أو نذر فلا مانع من الصوم عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من مات وعليه صيام صام عنه وليه (1)» وسئل غير مرة عمن مات وهو عليه صيام، فأفتى المستفتي
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم برقم (1952) ومسلم في كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت برقم (1147).
أن يصوم عن ميته، هكذا نقول مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من مات وهو عليه صيام يصام عنه (1)» ، هذا مشروع بأمر النبي عليه الصلاة والسلام حتى رمضان على الصحيح، إذا مات وهو عليه صيام ولم يقضه من دون عذر شرع لأوليائه أن يصوموا عنه كما يصومون عنه الكفارات والنذور، وبعض أهل العلم خص ذلك بالنذر، والصواب أنه لا يخص النذر بل يعم، لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من مات وعليه صيام صام عنه وليه (2)» هكذا قال عليه الصلاة والسلام: من مات - هذا عموم - وعليه صيام صام عنه وليه، فيعم من مات وعليه صوم رمضان أو صوم كفارة أو صوم نذر، ومن زعم تخصيص ذلك بالنذر فلا دليل عليه، وليس معه حجة يحسن الاعتماد عليها، ولم يقل عليه الصلاة والسلام من مات وعليه صلاة صلى عنه وليه، ولم يقل: من مات فليقرأ عنه وليه. لكن الدعاء نعم شرع لنا أن ندعو للأموات ونصلي وندعو لهم، والله يقول سبحانه وتعالى في كتابه العظيم مثنيا على عباده الصالحين بقوله:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} (3) فالدعاء أمر مطلوب للميت والحي جميعا، ولهذا شرع الله صلاة الجنازة لما فيها من
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم برقم (1952) ومسلم في كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت برقم (1147).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم برقم (1952) ومسلم في كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت برقم (1147).
(3)
سورة الحشر الآية 10
الدعاء للميت، فأرجو يا أخي ألا يشتبه عليك الأمر، وأن تطمئن إلى أن السنة أن تلزم ما جاءت به الشريعة، وألا تحيد عنه، وألا تزيد عليه في العبادات لأنها توقيفية، والله ولي التوفيق.
كذلك ينبغي ألا يستعمل كلمة مولانا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«ولا يقل العبد لسيده مولاي فإن مولاكم الله (1)» هكذا روى مسلم في الصحيح، فينبغي للمؤمن تركها، وقد أجازها بعض أهل العلم واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حق العبد:«وليقل سيدي ومولاي (2)» قالوا: هذا يدل على جوازها كما جازت في حق العبد يعني يقولها لسيده، فالأولى في هذا ألا نقيس على العبد، بل هذا خاص بالعبد يقوله لسيده، أما غيره فينبغي له أن يتأدب بالأدب الشرعي، فيقول: يا فلان، يا أخي، يا أبا فلان، يا شيخ فلان، ويكفي هذا، ليحتاط لدينه ويبتعد عن الشيء الذي فيه شبهة.
(1) أخرجه مسلم في كتاب الألفاظ في الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد، برقم (2249).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق، برقم (2552) ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد، برقم (2249).