الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
262 -
حكم البكاء والنياحة على الميت
س: أنا أختكم في الله، توفيت والدتي في رمضان، وبكينا عليها بكاء كثيرا مدة طويلة، قيل لنا: لا بد من صيام الأيام التي بكينا فيها، وأنه يعذب الميت في قبره ببكاء أهله عليه، وقيل: إنه يأتي ملكان فيرشان على الميت الماء الساخن، ويقولان: هذا هدية أهلك لك. فهل الحديث هذا صحيح، وهل نحن آثمون على بكائنا؟ وما حكم تذكر الميت بعد وفاته بوقت طويل، وما حكم البكاء عليه وهل للميت أضحية؟ (1)
ج: البكاء على الميت فيه تفصيل، فإن كان البكاء بدمع العين بدون نياحة فلا حرج في ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم:«العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون (2)» وقال صلى الله عليه وسلم ذات يوم لأصحابه: «اسمعوا إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم (3)» وأشار إلى لسانه، وقال صلى الله عليه وسلم:«الميت يعذب في قبره بما نيح عليه (4)» فالميت إذا نيح عليه بالصوت المرتفع
(1) السؤال العاشر من الشريط رقم (251).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنا بك لمحزنون، برقم (1303)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال، برقم (2315).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم (1304) ومسلم في كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم (924).
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، برقم (1292) ومسلم في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه برقم (927).
الصياح هذا جاء في الحديث أنه يعذب، في الحديث الصحيح عذاب، الله أعلم بحقيقته، عذاب، الله يعلمه سبحانه وتعالى، وذلك يفيد أنه لا يجوز لأهل الميت أن ينوحوا عليه، أي يرفعوا الصوت بالنياحة عليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ليس منا من لطم الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية (1)» ويقول صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة (2)» الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق شعرها، والشاقة: هي التي تشق ثوبها، هذا كله لا يجوز، أما الحديث الذي ذكره السائل أنه يأتي ملكان يرشان ماء ساخنا فلا نعلم له أصلا، هذا الحديث ليس له أصل فيما نعلم، وإنما المحفوظ والمعروف:«أن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه (3)» هذا ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام لكنه عذاب، الله أعلم بكيفيته، وفيه تحذير للأقارب والأصدقاء من النياحة على الميت؛ لأنه يضره، وأما الصيام فلا أصل له، الصيام عن الميت بعدد الأيام التي نيح عليه فيها فهذا لا أصل له، ليس على أهله الصيام، إنما عليهم التوبة
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب ليس منا من شق الجيوب برقم (1293).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة، برقم (1296) ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب برقم (104).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، برقم (1292) ومسلم في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه برقم (927).
إذا كانوا ناحوا ورفعوا الصوت، عليهم التوبة إلى الله والندم وعدم العود إلى مثل هذا، هذا هو الواجب، هذا من ناح - أي من رفع صوته - يتوب إلى الله ويندم، ويعزم ألا يعود، ويترك ذلك الشيء، هذا هو الواجب التوبة فقط، أما الصيام فلا، والضحية لا بأس بها، إذا ضحى عن الميت أو تصدق عنه كله طيب، إذا ضحى عن الميت أو عنه، وعن الميت ذبيحة واحدة، عن الرجل وأهل بيته، ويدخل فيهم الميت من أبيه، وأمه، أو المرأة عن زوجها، أو عنها وعن زوجها، كله طيب، هكذا الصدقة، الصدقة عن الميت بالمال بالنقود، أو بالطعام أو الملابس، كله طيب، كله ينفع الميت، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جاءه رجل فقال:«يا رسول الله، إن أمي ماتت ولم توص، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم (1)» يعني لها أجر، وقال عليه الصلاة والسلام:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (2)» فالدعاء للميت والصدقة عنه ينفعه الله بذلك، وهكذا العلم النافع الذي خلفه بين الناس، خلف طلبة يعلمون الناس، خلف كتبا نافعة يتعلم منها الناس، هذا ينفعه بعد الموت، كما أن الدعاء له والاستغفار والترحم عليه ينفعه، وهكذا
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغته برقم (1388) ومسلم في كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه برقم (1004) واللفظ لمسلم.
(2)
أخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم (1631).
تعمير المساجد بالنية عنه وقفا له، مسجدا ومدرسة يعلم فيها القرآن والأحاديث والشريعة المحمدية، هذا ينفع الميت، وهكذا الأوقاف الطيبة وقف على الفقراء بيوت تؤجر ويتصدق بأجرتها على الفقراء، ونخيل، بساتين توقف ويتصدق بثمرتها على الفقراء والمساكين، وفي وجوه الخير، كل هذا ينفع الميت.
س: ما الفرق بين النياحة والبكاء الذي برفع الصوت إذا غلب الإنسان على ذلك، أو النياحة بالأجرة كما كان يفعل في المجتمع الجاهلي؟ بم توجهون الناس حول هذا؟ (1)
ج: النياحة مثل ما تقدم رفع الصوت سواء كان بأجرة أو بغير أجرة، هو الذي يرفع صوته من شدة الألم، من شدة الحزن أو مجاراة الغير، أو رياء أو إرضاء لأهل الميت، كل هذا لا يجوز، أما البكاء العادي بدمع العين، أو مع صوت يسير خفيف هذا ما يسمى نياحة؛ لأن هذا قد يقع من الإنسان عند شدة المصيبة، أو كلمات قليلة تسمع من ولد الميت، أو أخيه، مثل ما وقع لفاطمة رضي الله عنها أو غيرها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، الشيء القليل يعفى عنه، أما النياحة التي هي رفع الصوت والاستمرار في ذلك فهذا هو الممنوع، أما الشيء اليسير بدون صوت - يعني دمع العين ولكن بدون صوت يسمع - فهذا لا حرج، يسمى بكاء.
(1) السؤال الحادي عشر من الشريط رقم (251).
س: إذا غلب الإنسان أثناء البكاء وارتفع صوته، غلب ولا قدرة له على ذلك؟ (1)
ج: نرجو ألا يضره إذا كان قليلا ومن غير اختياره وغلبه الأمر، من غير اختيار، من شدة المصيبة، ومن شدة وقعة المصيبة، وقع منه شيء، ثم تراجع وحزن لا حرج في ذلك، نرجو ألا يضره ذلك:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (2).
(1) السؤال الثاني عشر من الشريط رقم (251).
(2)
سورة التغابن الآية 16
س: لا بد يا سماحة الشيخ من وصية للناس. (1)
ج: الوصية تقوى الله، والحذر من المعاصي، النياحة معصية، وإذا كان معها لطم خد أو شق ثوب أو نتف شعر يكون أشد في الجريمة، لا يجوز ذلك، فالمسلم يتصبر، والمسلمة كذلك، فالمصيبة لا بد منها، كل إنسان سيموت فلا بد أن يكون الإنسان عند تحمل، يحمد الله، فالله يقول:{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (2){الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (3) وقال سبحانه: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (4) فلا بد من صبر.
(1) السؤال الثالث عشر من الشريط رقم (251).
(2)
سورة البقرة الآية 155
(3)
سورة البقرة الآية 156
(4)
سورة البقرة الآية 157