الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالبصرة، حتى ثبت أنه مات فى ثلثة أيام عدة مايتى ألف وعشرة آلاف، فى كل يوم سبعين ألف نفر. فسمى طاعون الجارف. وفيها قتل المختار ابن أبى عبيد الثقفى، قتله مصعب بن الزبير فى شهر رمضان من هذه السنة، وبعث برأسه إلى أخيه عبد الله بن الزبير، وسمّر يده على حايط المسجد، ولم تزل مسمرة حتى قدم الحجاج بن يوسف الكوفة فأمر بها فانتزعت ودفنت.
ذكر المختار ونبذ من أخباره
هو المختار بن أبى عبيد الثقفى، وكان لأبيه آثار جميلة فى الإسلام، وأخت المختار صفية بنت أبى عبيد، زوج عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما. (97) والمختار هو كذاب ثقيف الذى جاء فيه الحديث، وكان يزعم أنه يوحى إليه فى قتلة الحسين عليه السلام. فقتلهم بكل موضع، وكانت له أسجاع يضعها وألفاظ يبتدعها ويزعم أنها تنزل إليه، وقيل للأحنف بن قيس أن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال:
صدق، إن الشياطين ليوحى بعضهم إلى بعض.
وكانت أم المختار تقول لما حملت بالمختار: رأيت فى النوم قايلا يقول: ابشرى بولد أشد من الأسد إذا الرجال فى كبد. وكان مع أبيه حين
وجهه عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى العراق. وكان يوم قتل أبوه عمره ثلث عشرة سنة، وكان المختار يقول: والله لأعلونّ منبرا بعد منبر، ولألفّنّ عسكرا بعد عسكر، ولأخيفنّ أهل الحرمين، ولأذعرنّ أهل المشرقين والمغربين. وإنّ خبرى لفى زبر الأوّلين حتى لتكونن العالمين لى تالين.
وكان المختار عثمانيا أولا. فلما بعث الحسين بن علىّ عليه السلام مسلم بن عقيل، نزل دار المختار بالكوفة، فبايعه المختار فيمن بايعه. فأخذه ابن زياد فحبسه، ثم شفع فيه عنده فأطلقه، وكان بن زياد قد ضرب المختار عند حبسه إياه بقضيب فشتر عينه،. فلمّا أخرجه من الحبس، لقيه ابن الغرق، فلما رأى عينه استرجع، فقال المختار: شتر عينى ابن الزانية، قتلنى الله إن لم أقطع أنامله وأباجله وأعضاءه إربا إربا، اسمع هذا الكلام منّى. ثم ذكر بن الزبير فقال: إن سمع منّى وقبل عنّى كفيته أمر الناس، وإلاّ فلست بدون رجل من العرب، وإن الفتنة قد برقت ورعدت وكأن قد انبعت فوطبت فى خطامها.
ثم قدم على بن الزبير فى أول شأنه فرحب به وأوسع. . . له ابن الزبير (98) عن أهل العراق فقال: هم لسلطانهم فى العلانية أولياء وفى
(8)
الغرق: انظر تاريخ الطبرى 2/ 996 (حوادث 77)؛ فى الكامل 4/ 169: «العرق»
(13 - 14) أوسع. . . العراق: فى أنساب الأشراف 5/ 216: «أوسع له ثم قال له: ما حال العراق»
السر أعداء. ثم سأله المختار أن يقلده أمره، فلم يفعل ثم عابه بن الزبير وانحرف عنه المختار. فعوتب على ذلك فقال: رأيته منحرفا عنّى. فقيل له: إنك كلمته علانية، وهذا أمر يضرب عليه الستور. فأتاه ليلا فقال المختار: إنه لا خير فى الإكثار من المنطق، ولا حظّ فى التقصير عن الحاجة. وقد جيتك لأبايعك على أن لا تقضى أمرا دونى، وأن أكون أوّل من تأذن له. فإذا ظهرت استعنت بى على أفضل عملك. فقال له ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله عز وجل وسنّة نبيه. فقال المختار: لو أتاك شر غلمانى لبايعته هذه المبايعة العامّة: والله لا أبايعك إلا على هذا.
فبسط ابن الزبير يده فبايعه.
وشهد المختار مع بن الزبير الحصار الأول فقاتل أشد قتال، وكان يقول: أنا المختار، أنا الكرّار غير الفرّار، أنا المقدم غير المحجم إلىّ ياهل الحفاظ [و] حماة الأدبار. ثم رأى المختار أن ابن الزبير لا يوليه شيا، فأتى الكوفة، فلما صار نهر الحيرة، اغتسل وأدّهن ولبس ثيابه واعتمّ وتقلّد سيفه وركب راحلته وجعل لا يمر بمسجد إلا سلّم على أهله ودعا لمبايعة محمد بن الحنفية. وكان عند شخوصه إلى الكوفة لقى بن الحنفية فقال: أنا ساير للطلب بدمايكم والانتصار لكم، فلم يجبه بشئ. فقال:
إن سكوته إذن، ويقال إن بن الحنفية قال له: لست آمرك بحرب ولا إراقة
دم. فكفى بالله لناصرا ولحقّنا آخذا ولدماينا طالبا.
وبايعه أهل الكوفة على النصرة لآل علىّ، فكان يقول: أما ورب البحا [ر والنخل والأشجار] والمهامه والقفار، والملايكة الأبرار، والمصطفين (99) الأخيار، لأقتلنّ كل جبّار، بكل لدن خطّار، ومهنّد بتّار، فى جموع من الأنصار، ليسوا بميل الأغمار، ولا عزل أشرار، حتى إذ أقمت عمود الدين، ورأبت صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت ثأر أبناء النبيين، لم يكبر علىّ فراق الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى. ثم وجّه الشيعة رسلا إلى محمد بن الحنفية يستأذنونه فى طاعة المختار، فقال لهم: وددت والله أن الله سبحانه وتعالى لينتصر لنا بمن شاء من خلقه. وكان المختار، عند مسيرهم أشفق أن لا يأذن لهم ابن الحنفية فى الوثوب مع المختار فلما عادوا من عند بن الحنفية خبروه بالإذن له ولهم، فجمع عند ذلك الشيعة وقال: إن نفرا منكم أحبوا أن يعلموا مصداق ما جيت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى، وابن خير من جلس ومشى، بعد النبى المصطفى، فسألوه فأخبرهم أنى وزيره، وظهيره، ورسوله وأمينه، ثم قام أوليك النفر فشهدوا بذلك.
(1)
لناصرا: فى أنساب الأشراف 5/ 218: «لنا ناصرا»
(2 - 8) أما. . . أتى: ورد النص فى الكامل 4/ 173
ثم قال المختار: إنى أرى أن يكون معنا إبراهيم بن الأشتر لبأسه وشرفه وعشيرته. ومضى المختار مع الشيعة حتى دخلوا على ابن الأشتر وأقرأوه كتابا من بن الحنفية، وكان فى الكتاب: من محمد المهدى إلى المختار وغيره وإن المختار، المأمور بأخذ الثأر، لنا من الفجرة الأشرار، بأوليانا الأبرار، المصطفين الأخيار، فمن والاه فقد والانا، ومن خذله فقد عصانا. فقال ابن الأشتر: إنى كاتبت محمد بن الحنفية وكاتبنى مرات، فما كاتبنى قط إلا باسمه واسم أبيه، وقد استربت بهذا الكتاب، فشهد جماعة أنه كتاب محمد بن الحنفية، (100) فتنحّى إبراهيم بن الأشتر عن صدر المجلس وأجلس فيه المختار وبايعه، وأجمعوا أنهم يخرجوا منتصف شهر ربيع الأول سنة ست وستين.
فوثبوا وحصروا بن مطيع أمير الكوفة فى القصر، وخرج بن مطيع ليلا من القصر بعد أن أمر الناس بالتفرق عنه واستأمن أصحابه. فآمنهم ابن الأشتر، ودخل المختار القصر وقام خطيبا. فقال: الحمد لله الذى وعد وليّه النصر، وعدوه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر، وعدا مفعولا، وقضاء مقضيّا، قد خاب من افترى. إنه قد رفعت إلينا راية، ومدّت لنا غاية. فقيل لنا فى الراية: ارفعوها ولا تضعوها، وفى الغاية:
اجروا إليها ولا تعتدوها، فسمعنا دعوة الداعى، وإهابة الراعى. فكم من ناع وناعية، لقتيل فى الواغية، بعدا لمن طغى، وكذّب وتولّى، ألا فادخلوا أيها الناس كافة، فبايعوا بيعة هدى، فو الذى جعل السماء سقفا
(18)
بعدا: فى أنساب الأشراف 5/ 228: «وبعدا»
مكفوفا، والأرض فجاجا سبلا، ما بايعتم بيعة بعد بيعة أمير المؤمنين علىّ وآل علىّ، هى أهدى منها. فوثب الناس وبايعوه على كتاب الله سبحانه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبعث المختار إلى ابن مطيع يقول: إنى قد عرفت مكانك وقد ظننت أن بك عجز عن النهوض وقد بعثت إليك بماية ألف درهم.
فأخذها ابن مطيع وشخص إلى البصرة، وقاتل المختار أهل جبّانة السّبيع فهزمهم. وقتل من شهد قتل الحسين عليه السلام بعد أن أسرهم، وكان فى الأسرى سراقة بن مرداس فجعل يقول <من الرجز>:
امنن علىّ اليوم يا خير معدّ
…
وخير من لبّى وحيّا وسجد
فخلاه فقال فيه شعرا يقول فيه إنه رأى الملايكة تقاتل مع المختار (101) على خيل بلق، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيعلم الناس بما رأى ففعل، ثم هرب إلى مصعب بن الزبير، وهو بالبصرة، فقال <من الوافر>:
ألا أبلغ أبا إسحق أنّى
…
رأيت البلق دهما مصمتات
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا
…
علىّ قتالكم حتى الممات
أرى عينىّ ما لم تبصراه
…
كلانا عالم بالتّرّهات
قال رفاعة: دخلت على المختار فرأيت وسادتين ملقاتين. فقلت ما هاتان؟ قال إنه قام عن إحديهما جبريل وعن الأخرى ميكاييل. قال:
فو الله ما منعنى أن أقتله بسيفى إلا حديث حدّثنيه عمرو بن الحمق قال:
(5)
البصرة: فى أنساب الأشراف 5/ 228: «الكوفة»
(7 - 14) سراقة. . . بالتّرّهات: ورد النص أيضا فى تاريخ الطبرى 2/ 663 - 665؛ الكامل 4/ 235،237 - 238
(17)
عمرو بن الحمق: انظر الأعلام 5/ 244