الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
862 - " حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه وَقَوْلُ اللهِ عز وجل (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا)
1007 -
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ:
لَمْ أتخَلَّفْ عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْر، وَلَمْ يُعَاتِبْ أحَداً تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْش، حتى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وبيْنَ
ــ
والنساء. ثالثاً: استدل الشيعة بهذا الحديث على أن الخلافة لعلي رضي الله عنه، واعتبروه نصاً صريحاً على خلافته، قال القسطلاني: ولا متمسك لهم فيه، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ويؤيده أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لأنّه توفي قبل موسى بنحو أربعين سنة.
الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك "
862 -
" حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وقول الله عز وجل: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) "
1007 -
معنى الحديث: أن كعب بن مالك يقصّ علينا قصة تغيبه عن غزوة تبوك، فيمهد لذلك بقوله " لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها إلَّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش " أي أنه رضي الله عنه لم يكن من عادته التخلف عن الجهاد، فهو رضي الله عنه قد حضر جميع غزوات الرسول، ولم يتغيب عن غزوة منها عدا غزوة بدر، ولا يعد من غاب عنها متخلفاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من المدينة لم يخرج لقتال، وإنما خرج ليتصدّى لقافلة
عَدُوِّهِمْ على غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا على الإسْلامِ، وما أحبُّ أنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وِإنْ كَانَتْ بَدْر أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا، كانَ مِنْ خَبَرِي أني لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى ولا أيْسَرَ حينَ تَخَلفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، والله مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتانِ قَط حَتى جَمَعْتُهمَا في تِلك الْغَزْوَةِ، ولمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ غَزْوَةً إلا وَرى بِغَيْرِهَا حتى كَانَتْ، تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللهَ صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً وعَدُوَّاً كَثِيراً، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ، لِيَتَأهَّبُوا أهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كثِيرٌ، ولا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ
ــ
قريش التجارية ويستولي عليها لمصلحة المسلمين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد العير، واختار الله له النفير فكان القتال، ولذلك لم يعاتب صلى الله عليه وسلم أحداً غاب عن بدر، ثم ذكر أنه إذا كان قد غاب عن غزوة بدر، فإن الله قد عوضه عنها بحضور بيعة العقبة التي كان يعتز بها كثيراً، قال كعب " وما أحب أن لي بها مشهد بدر " أي ولو خيرت بين حضورها أو حضور غزوة بدر لاخترتها، وفضلتها عليها " وإن كانت بدر أذكر في الناس " أي وإن كانت بدر أشهر منها عند غيرى من الناس " وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني " أي لم أكن في حياتي كلها أقوى جسماً، ولا أحسن صحة، ولا أيسر حالاً، مني في هذا الوقت الذي كانت فيه غزوة تبوك، " ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلَّا ورّى بغيرها " أي إلا أظهر للناس أنه يريد جهة أخرى حرصاً على الكتمان " حتى كانت تلك الغزوة " أي حتى حدثت تلك الغزوة، فلم يخفها، لأنها كانت " في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً " أي وعلم
الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فما رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللهِ، وغَزَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْغَزْوَةِ حينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظلالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُول اللهِ المسلمُونَ مَعَهُ، فَطفِقْتُ أغدُو لِكَيْ أتجَهَّزَ مَعَهُمْ فأرْجِعُ ولَمْ أقْضِ شَيْئَاً، فَأقولُ في نَفْسِي أَنا قَادِر عَلَيْهِ، فَلم يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقض مِنْ جِهَازِي شَيْئَاً، فَقُلْتُ: أتجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْم أوْ يَوْمَيْنِ، ثم ألحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أنْ فَصَلُوا لأتَجَهَّزَ،
ــ
أنه سيسير بالمسلمين في فلاة وأراض قاحلة ليس فيها قطرة ماء، حتى إن من يسير فيها يعرّض نفسه للهلاك من شدة العطش " وعدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم " أي فبيّن صلى الله عليه وسلم لهم أنه يريد غزو الروم " ليتأهبوا أهبة غزوهم " بضم الهمزة وسكون الهاء أي ليأخذوا معهم ما يحتاجون إليه في تلك الغزوة الصعبة من سلاح وعتاد " والمسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير " يبلغ عددهم ثلاثين ألفاً " ولا يجمعهم كتاب حافظ " أي لم تقيد أسماؤهم في سجل حتى يعرف الحاضر من الغائب " فما رجل يريد أن يتغيّب إلَّا ظن أن سيخفى له " أي إلَّا اعتقد أنه لا يظهر غيابه وأنه سيخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم " ما لم ينزل فيه وحي الله " فيكشفه ويفضحه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم " وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار " أي نضجت الثمار، وحان اجتناؤها " والظلال " أي ورغب الناس في الجلوس تحت الأشجار يستظلون من وهج الشمس " وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت للغزو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً " أي فبدأت أذهب كل صباح إلى سوق المدينة لكي أشتري ما أحتاج إليه في هذه الغزوة من عتاد وزاد، ولكنني أعود إلى بيتي وأنا لم أحضر معي شيئاً أغزو " فأقول في نفسي أنما قادر عليه " أي فأقول لنفسى محاولاً إقناعها
فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقض شَيْئاً، ثمَّ غَدَوْتُ، ثمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أقض شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرُ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْد خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَطُفْتُ فِيهم أحْزَنَنِي أنَّنِي لا أرى إِلَّا رَجُلاً مَغمُوضاً عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أو رَجُلاً مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى بَلَغَ تَبُوكَ، فقالَ وهُوَ جَالِسٌ في الْقَوْمِ بِتَبُوكٍ:
ــ
إذا كنت لم أخرج اليوم فإنَّ في إمكان الخروج غداً " فلم يزل يتمادى بي " أي فلم يزل هذا الحال مستمراً بي " حتى اشتد بالناس الجِدُّ " حتى ضاعف الناس من جدهم واجتهادهم في التهيؤ والاستعداد لهذه المعركة، ولا زلت أنا كما كنت لم أفعل شيئاً " فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه " أي أصبحوا وقد جهزوا أنفسهم " ولم أقض من جهازي، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين " أي فلجأت إلى التسويف، وصرت أمنّي نفسي، وأحاول إقناعها بأن الفرصة لا زالت مواتية لم تفت بعد، وإن ما لم أفعله اليوم أفعله غداً، والأيام تمر، والوقت يجري " فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز " أي فخرجت إلى السوق بعد أن خرج محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة لأتجهز " ولم أقض شيئاً " أي ولم أفعل شيئاً " ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئاً، ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط القوم " أي ثم صرت أذهب كل يوم صباحاً إلى السوق لأجهز نفسي فأعود إلى بيتي وأنا لم أصنع شيئاً حتى انتهت غزوة تبوك، وأسرع الناس بالرجوع إلى المدينة " فهممت أن أرحل وأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك " أي ولكن لم يرد الله تعالى في الخروج " فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم " أي فكنت إذا مررت بالناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وتجولت بينهم " لا أرى إلا رجلاً مغموضاً عليه النفاق " أي
" ما فَعَلَ كَعْبُ؟ " فَقَالَ رَجُلْ مِنْ بَنِي سَلِمةَ: يا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظرهُ في عِطْفَيْهِ، فقالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَل: بِئْسَمَا قُلْتَ: واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيراً، فَسَكتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فلما بَلَغَنِي أنَّهُ تَوَجَهَ قَافِلاً حَضَرَنِي هَمِّي، فَطَفِقْتُ أتذَكَّرُ الْكَذِبَ، وأقولُ: بماذَا أخرُجُ من سَخَطِهِ غَداً، واسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأيٍ مِنْ أهْلِي، فلمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أظَلَّ قَادِماً زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أنَّي لَنْ أخرُجَ مِنْهُ أبداً بِشَيءٍ فِيه كَذِب، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأصبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَادِماً، وكانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأ بالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثم جَلَسَ لِلنَاسِ، فلمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، جَاءَهُ
ــ
لا أرى إلَّا رجلاً متهماً في دينه " أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء " يعنى أو رجلاً معذوراً شرعاً لمرض بدني أو عجز جسمي كالأعمى والمقعد والمريض ونحوهم " ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك " أي ولم يتذكرني النبي صلى الله عليه وسلم ولم أخطر بباله ولم يتحدث عني حتى وصل إلى تبوك " فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب " يعني أي شيء فعل كعب ولماذا تأخر عنا " فقال رجل من بني سلمة " وهو عبد الله بن أنس، قال الحافظ، وهو غير الجهني الصحابي المشهور:" حبسه برداه " تثنية بُرْد وهو ثوب مخطط، ويجمع على أبرَاد وأبرد وبُرُد " ونظره في عطفيه " تثنية عِطف وهو الجانب، وكنى بالجملتين عن إعجابه بلباسه، وإعجابه بنفسه " فقال معاذ: بئسما قلت " أي ما أقبح هذا القول الذي نطقت به، فإنك قد اغتبت الرجل في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم " فلما بلغني أنه توجه قافلاً " أي فلما وصلتني الأخبار عن توجهه من تبوك عائداً إلى المدينة " حضرني همّي " أي بَدَأتِ الأفْكار والهموم تسيطر على نفسي
الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَة وثمانينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلانِيتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرائِرَهُمْ إلى اللهِ تَعَالى، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ علَيْهِ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثم قَالَ:" تَعَالَ " فجِئْتُ أمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي:" مَا خَلَّفَكَ ألمْ تَكُنْ قَد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ "، فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللهِ يا رَسُولَ اللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنيا لَرَأيْتُ أنْ سَأخرُجَ
ــ
" فطفقت أتذكر الكذب " أي فخطر في بالي أن أعتذر إليه بعذر كاذب " وأقول في نفسي بماذا أخرج من سخطه غداً " وفي رواية ابن أبي شيبة: وطفقت أعد العذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء وأهيىء الكلام " واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهْلي " أي وصرت أستشير كل صاحب رأي سديد من أقاربي مستعيناً برأيه " فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظَلَّ قَادماً " يعني قد دنا قدومه من المدينة " زاح عني الباطل " أي زالت من رأسي جميع الأفكار السيئة " وعرفت أني لن أخرج منه أبداً " أي لن أتخلص وأنجو حقيقة " بشيء فيه كذب " لأن حبل الكذب قصير " فأجمعت صدف " لأن النجاة في الصدق " وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس " أي لاستقبالهم والحديث معهم وإرشادهم وتعليمهم، والحكم بينهم " فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون، فطفقوا يعتذرون " بالأعذار الكاذبة " ويحلفون له " الأيمان الباطلة " وكانوا بضعة وثمانين رجلاً " والبضع على المشهور ما بين ثلاث إلى تسع " فقبل منهم علانيتهم " أي قبل منهم ظاهر أمرهم " ووكل سرائرهم إلى الله تعالى " أي ترك الحكم على ما أضمروه وأخفوه في نفوسهم إلى الله تعالى يحكم فيهم بما يشاء " فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسّم المغضب " أي تبسم لي ولكن آثار الغضب بادية على وجهه، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقابل إنساناً بما يكره "ثم
مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أعْطِيتُ جَدَلاً، ولكنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، ليوشِكَنَّ اللهُ أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْق تَجِدُ عليَّ فِيهِ أنَّي لأرجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أقْوَى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" أما هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ " فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَبّعَونِي،
ــ
قال: تعال " أي تقدم إليَّ، واقترب مني " فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ " أي ما هو سبب تغيبك عن هذه الغزوة وما عُذْرك في ذلك؟ " ألم تكن قد ابتعت ظهرك " أي اشتريت راحلتك " فقلت: بلى والله يا رسول الله، ولو جلست عند غيرك من أهل الدنيا " أي لو جلست عند الناس العاديين من الحكام والملوك والأمراء " لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر " أي لوجدت عذراً كاذباً يرضيه، وتخلصت منه بهذا العذر الكاذب " ولقد أعطيت جدلاً " أي ولقد أعطيت منطقاً قوياً " ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب " أي لو اعتذرت لك اليوم بعذر كاذب " ترضى به عني ليوشكن الله، يسخطك عليّ " أي ليأتينك الوحي قريباً فيفضح كذبي عندك، فتسخط عليّ وتغضب مني " ولئن حدثتك حديث صدق " واعترفت لك بالحقيقة، وقلت لك قولاً صادقاً مطابقاً للواقع " تجد عليّ فيها " أي تغضب علي اليوم بسببه " إني لأرجو فيه عفو الله " أي فإني حين أقول الصدق الذي يغضبك اليوم مني أنتظر أن يعفو الله عني مكافأة لي على صدقي، ثم قال: "والله ما كان لي من عذر " فاعترف أنه لا عذر " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق " وأخبر بالواقع " فقم حتى يقضي الله فيك " أي فقم الآن من مجلسي هذا، وانتظر حتى يحكم الله فيك "وثار رجال
فَقَالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أذنَبْتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا، ولَقَدْ عَجَزْتَ أن لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما اعْتَذَرَ بِهِ الْمُتَخَلِّفُونَ، وَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنبكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ لَكَ، فَواللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حتى أردْتُ أن أرجِعَ فَأكَذِّبَ نَفْسِي، ثم قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعي أحدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلانِ، قَالا مِثْلَ مَاْ قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيعِ العَمْرِي وهِلَالُ ابْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، فذَكَرُوا لي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْراً، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، ونَهى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتَغيَّرُوا لنا، حتَّى
ــ
من بني سلمة" أي فقمت من مجلسه، وقام معي رجال من بني سلمة " فقالوا لي: ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا " أي لم يسبق أن أذنبت ذنباً أو ارتكبت معصية قبل هذه المرة " ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت " أي فلماذا لم تخلص من غضبه صلى الله عليه وسلم بعذر من الأعذار التي اعتذر بها المتخلفون " وكان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك " أي ولو اعتذرت إليه لأستغفر لك، فكان استغفاره لك كافياً لمحو خطيئتك وتكفير ذنبك " وما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فَأًكذِّبَ نفسي " أي فأكذّب نفسي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولي السابق " ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك " أي قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم قم حتى يقضي الله فيك " فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الوافقي " وكلاهما أنصاريان من الأوس " فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً " وفازا بقول الله تعالى لهم: "يا أهل بدر، اعملوا ما شئتم فقد
تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الأرْضُ، فَمَا هِيَ التَّي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا على ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فأمَّا صَاحِبَايَ فاسْتَكَانَا وقَعدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيَانِ، وأمَّا أنا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأطوفُ في الأسْوَاقِ، ولا يُكَلمُنِي أحدٌ، وآتِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ في مَجْلسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأقولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا؟ ثُمَّ أصَلي قَرِيباً مِنْهُ، فَأسَارِقُهُ النَّظر، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلَاِتي أقبَلَ إِلَيَّ، وَإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ من جَفوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَورْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قُتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأحبُّ النَّاسِ إِليَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: يا أبا قَتَادَةَ أنشُدُكَ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُنِي أَُحبُّ الله وَرَسُولَهُ،
ــ
غفرت لكم" " فيهما أسوة " أي لي فيهما قدوة صالحة وأسوة حسنة " فمضيت حين ذكروهما لي " أي فلم سمعت بهما قررت الاستمرار فيما أنا عليه من الالتزام بالصدق " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة " برفع الثلاثة على أنها خبر لأي، والمعنى فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن التكلم معنا نحن الثلاثة المذكورون " فاجتنبنا الناس " أي قاطعونا وهجرونا " حتى تنكرت في نفسي الأرض " أي حتى تغير في عيني كل شيء على هذه الأرض " فأمّا صاحبي فاستكانا " أي اعتزلا في دارهما " وأما أنا فكنت أشبَ القوم " أي أصغرهم سِنَّاً " وأجلدهم " أي أقواهم جسماً " فكنت أخرج فأشهد الصلاة " أي صلاة الجماعة " فأسلّم عليه " أي على النبي صلى الله عليه وسلم " فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه يرد السلام عليَّ أم لا؟ " أي أشك في كونه رد السلام أو لم يرده " فأسارقه النظر " أي أنظر إليه خفية "فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا
فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتْ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أنَا أمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أنباطِ أهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً من مَلِكِ غَسَّانَ، فَإذا فِيهِ أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أن صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأتُهَا: وَهَذَا أيْضاً مِنَ الْبَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ ليْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم -يَأتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ
ــ
التفت نحوه أعرض عني" أي صرف نظره عني ليظهر لي الغضب والمقاطعة " حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس " أي من مقاطعتهم وهجرانهم " مشيت حتى تسورت جدار حائط " أي بُسْتان " أبي قتادة وهو ابن عمّي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ " أي أسألك بالله تعالى هل تعلم محبتى لله ورسوله " فسكت " ولم يجبه بشيء، ثم أعاد عليه هذا السؤال مرَّةً أخرى كما قال: " فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم " وتخلص من الجواب برد العلم إلى الله ورسوله " فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي " بفتح النون وكسر الطاء، أي فإذا في أفاجأ بفلاح من الشام، " فطفق الناس يشيرون له " فبدأ الناس يشيرون إليَّ، ويدلونه عليَّ " حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتاباً من ملك غسان " وهو جبلة بن الأيهم " فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أنْ صاحبك " يعني النبي صلى الله عليه وسلم " قد جفاك " أي قد هجرك هو وأصحابه،
اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأمُرُكَ أن تَعْتَزِلَ امْرأتَكَ، فَقُلْتُ: أطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: لا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلا تَقْرَبْهَا، وأرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَتكُونِي عِنْدَهُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ، قَالَ كَعْبُ: فَجَاءَتْ امْرأةُ هِلَالِ بْنِ أمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِم، فَهَلْ تَكْرَهُ أن أخدِمَهُ، قَالَ: لا، وَلَكِنْ لا يَقرَبْكِ، قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ ما بِهِ حَرَكَة إِلَى شَيْءٍ، وَاللهِ ما زَالَ يَبْكِي مُنذُ كَانَ مِنْ أمرِهِ مَا كَانَ إلى يَوْمِهِ هذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لو استَأذَنْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في امْرَأتِكَ، كما أذِنَ لامْرأةِ هِلَالِ بْنِ أمَيَّةَ أن تَخْدِمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لا اسْتَأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وما يُدْرِيني مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَأذَنْتُهُ فِيهَا، وأَنا رَجُلٌ شَابٌ، فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً من حِينِ نَهى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَلامِنَا، فلما صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صُبح خَمْسِينَ
ــ
وأصبحوا يعاملونك بعداوة وجفاء" ولم يجعلك الله بدار هوان " أي ولست ممن يقبل الضيم، أو يرضي الإِقامة بأرض يهان فيها "ولا مضيعة " أي ولست ممن يضيع حقه، أو تهدر كرامته " فألحق بنا نواسك " أي فاحضر إلينا تجد كل مواساة وعون وإكرام " فقلت لما قرأتها: وهذا والله من البلاء " أي وهذا امتحان آخر يَبْتَلِيني الله به، لأن ملك غسان أراد بذلك أن ينتهز هذه الفرصة ليفتن كعب بن مالك عن دينه " فتيممت بها التنور " أي فقصدت بها التنور فألقيتها فيها " فسجرته بها " أي فأشعلت ناره بها " حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك " أي أن لا تقربها ولا تباشرها "فقلت لامرأتي الحقي
لَيْلَةً، وأَنا على ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَينَا أنَا جَالِسٌ علَى الْحَال الذي ذَكَرَهُ اللهُ تعالى: قَدْ ضَاقَتْ علَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عليَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أوفَى على جَبَلِ سَلْعٍ بأعلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أبشِرْ، قَالَ: فخَرَرْتُ سَاجِداً، وعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِتَوبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ، فذهَبَ النَّاسَ يُبَشَرونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشَرُونَ، وَرَكَض إليَّ رَجُلٌ فرَساً، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فأوْفَى علَى الْجبَلَِ، فكَانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ
ــ
بأهلك" بفتح الحاء أي اذهبي إلى دار أهلك " فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنَّ هلال بن أمية شيخ " أي رجل عجوز، وشيخ كبير طاعن في السن، " ضائع " أي غير قادر على خدمة نفسه لضعف جسمه " فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك " أي لا يباشرك أي مباشرة زوجية " قالت: إنه والله ما به حركة " أي ليس له أي رغبة أو حركة إلى النساء لسوء حالته النفسية " فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة " أي من صبح الليلة المكملة للخمسين ليلة " فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله " أي على الصفة التي وصفنا الله تعالى بها في قوله عز وجل (وضاقت عليهم الأرض بما رحبت) " قد ضاقت عليَّ نفسي " لما كنت أشعر به من ضيق الصدر، وامتلاء القلب بالهموم والغموم " وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت " أي وشعرت بأن هذه الأرض الواسعة قد ضاقت عليَّ من شدة الألم والحزن والخوف الذي أصابني " سمعت صوت صارخ " أي صوت رجل ينادي بأعلى صوته " أوفى على جبل سلع " أي صعد فوق جبل سلع، وصار ينادي " يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً " حمداً لله تعالى وشكراً له على توبته عليه " وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا " أي أعلن
الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَي فَكَسَوْتُهُ إِيَاهُمَا بِبُشْرَاهُ، واللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوجاً يُهَنِّؤُونِي بالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبُ: حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إليَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صافَحَنِي، وَهَنَّأنِي، وَاللهِ مَا قَامَ إليَّ رَجُل مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، ولا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبُ: فَلمَّا سَلَّمْتُ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ رَسُولُ اللهَ صلى الله عليه وسلم وَهُو يَبْرقُ وَجْهُهُ مِنَ السرورِ: أبشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عليكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أمُّكَ، قَالَ قُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله، وكانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
ــ
في الناس توبة الله علينا، " وركض إليَّ رجل فرساً " أي وامتطى رجل جواداً واستحثه على الإِسراع إليَّ، فجاء يجري بسرعة كي يبشرني بهذه البشارة " وسعى ساع من أسلم " أي وجاء رجل آخر يجري بسرعة " فأوفى على الجبل " أي صعد فوق جبل سلع، فجعل ينادي بأعلى صوته يبشرني بالتوبة " فلما جاءني الذي سمعت صوته نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه " أي كسوته ثَوْبيَّ اللذين لا أملك غيرهما، مكافأة له على بشارته لي " وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجاً فوجاً " أي جماعة جماعة " يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك " بكسر النون كما رجحه الحافظ، وقال السفاقسي: الأصوبُ فتح النون لأنه من الهناء " فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور " أي يتلألأ وجهه تلألؤ البرق من شدة الفرح: " أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك "
إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فلما جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ مِنْ تَوبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلى اللهِ وإلى رَسُولِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بِخَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِّي بِالصِّدْقِ، وِإنَّ مِنْ تَوْبَتي أن لا أحَدِّثَ إلَّا صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فَواللهِ ما أعْلَمُ أحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ أبلاهُ اللهُ في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسُولَ اللهَ صلى الله عليه وسلم أحسَنَ مِمَّا أبلانِي، ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى يَوْمِي هَذَا كَذِباً، وَإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فيما بَقِيتُ، وأنْزَلَ اللهُ عز وجل عَلَى رَسُولِهِ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
ــ
أي أبشر يا كعب بخير يوم مرَّ عليك في حياتك كلها " قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله " لعله أراد هل أنزل الله تعالى في توبته عَليَّ قرآناً يتلى أم لا؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله أنزل في توبته عليه وعلى صاحبيه قرآناً "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار" أي ظهر السرور على محيّاه فأضاء وجهه الشريف إضاءة القمر المنير " قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي " أي أن أتصدق بكل مالي في سبيل الله " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك " أي تصدق بالبعض فقط، وأبق عندك شيئاً من مالك لكي تنفق به على نفسك وعيالك، " فقلت: يا رسول الله إن الله نجَّاني بالصدق " أي بسبب أني صدقت القول معك واعترفت لَكَ أن لا عذر لي " فوالله ما أعلم أحداً من السلمين أبلاه الله في صدق الحديث " أي لا أعلم أحداً اختبره الله في الصدق
فَوَاللهِ مَا أنْعَمَ اللهُ عليَّ مِنْ نِعمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي للإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِى مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الذَّينَ كَذَبُوا، فَان اللهَ تَعَالى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أنزلَ الْوَحْيَ شَرَّ ما قَالَ لأحدٍ، فَقال اللهُ عز وجل (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إِلى قَوْلِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).
ــ
" أحسن مما أبلاني " أي أحسن مما اختبرني " وأنزل الله عز وجل على رسوله (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) " يعني وأنزل الله فينا قوله تعالى (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وهذه منقبة كبرى، وشرف عظيم لنا، حيث أعلن الله تعالى توبته علينا في هذه الآيات الكريمة، وأنزل في حقنا قرآناً يتلى إلى يوم القيامة مكافأة لنا على صدقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخلد ذكرنا وجعلنا مثلاً يحتذى، وأمر المؤمنين أن يكونوا صادقين مثلنا، فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ثم قال كعب " فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني الله للإِسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا " يعني ما أعطاني الله نعمة بعد نعمة الإِسلام -في حياتي كلها- أعظم وقعاً في نفسي من كونه وفقني إلى الصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصمني من الكذب فلم أهلك كما هلك الذين كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين " فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي
شرَّ ما قال لأحد" أي قال فيهم شر كلام قاله في أحد من البشر، ووصفهم بأقبح الصفات القبيحة " فقال الله عز وجل (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)" يعني فقال الله في حقهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه. حيث أمر عز وجل بالإِعراض عنهم وعدم معاتبتهم احتقاراً لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم، لأنهم " رجس "، والرجس والنجس بمعنى واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الإِمام إذا استنفر المسلمين للغزو لزمهم النفير، ولحق اللوم من تخلف منهم، ولذلك اشتد الغضب على من تخلف عن غزوة تبوك، وإن كان الجهاد في حد ذاته فرض كفاية، ولكن لما أمر صلى الله عليه وسلم بالنفير العام تعيّن الخروج على كل قادر عليه. ثانياًً: جواز ترك السلام على المذنب، وهجره أكثر من ثلاثة أيام. ثالثاً: فائدة الصدق وعاقبته الحميدة، فإن الله تعالى تاب على هؤلاء الثلاثة، وعفا عنهم بسبب صدقهم كما قال كعب:" إنما نجَّاني الله بالصدق ". رابعاً: شؤم الكذب وعاقبته الوخيمة، فإن المنافقين الذين اختلقوا الأعذار الكاذبة سرعان ما فضحهم الله وهتك سترهم، ووصفهم بأقبح الصفات في قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ). خامساً: أن الخطأ لا يعالج بخطأ آخر، وِإلا تفاقم الشر، وتضاعف الخطأ، وأصبحت المعصية معصيتين، ولذلك آثر كعب الصدق لئلا يجمع بين ذنبين. سادساً: مشروعية التبشير بالخير والتهنئة بالنعمة كما فعل
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة. سابعاً: استحباب سجود الشكر عند حدوث نعمة من النعم. ثامناً: استحباب المبادرة إلى الصدقة وأعمال البر والإِحسان عند التوبة لقول كعب رضي الله عنه: " إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله ". تاسعاً: قال ابن القيم: وقول كعب لامرأته الحقي بأهلك دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة طلاق ما لم ينوه. عاشراً: أن أمرهم باعتزال نسائهم في آخر المدة كما قال ابن القيم فيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشد المئزر، وفي هذا إيذان بقرب الفرج. الحادي عشر: قال ابن القيم: وفيه دليل على أن إعطاء البشير من مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف، وعلى تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، والأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام. الثاني عشر: قال ابن القيم: فيه (1) دليل على أن خير أيام العبد على الإِطلاق، وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله توبته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمّك ". الثالث عشر: في قوله صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك " دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى منه بقية، ولم يعين له صلى الله عليه وسلم قدراً، ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وفي الحديث فوائد كثيرة، فقد قال العيني:" فيه أكثر من خمسين فائدة " وما لا يدرك كله لا يترك جله. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث المذكور هو حديث كعب المنصوص عليه في الترجمة.
(1)" زاد المعاد في هدى خير العباد " لابن القيم.