الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1045 - " بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ
"
1196 -
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وبئْسَتِ الفَاطِمَةُ ".
ــ
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن من الفتن التي يصاب بها العبد السلم أن يرى من ولي الأمر شيئاً من المعاصي والظلم، فيجب عليه في هذه الحالة الصبر والسمع والطاعة، محافظة على جماعة المسلمين، ما دام لم ير منه كفراً صريحاً، ولم يكرهه على معصية، لما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" السمع والطاعة كل المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا جمع ولا طاعة "، أخرجه الشيخان وأبو داود. ثانياًً: التحذير الشديد من الخروج على إمام المسلمين، وكونه كبيرة من الكبائر، لقوله صلى الله عليه وسلم:" فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية " فإن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلّا على مرتكب الكبيرة وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لا في ذلك من حقن الدماء. ثالثاً: استدل به الأصوليون على حجيّة الإِجماع. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ".
1045 -
" باب ما يكره من الحرص على الإمارة "
1196 -
معنى الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستحرصون على الإِمارة " أي ترغبون أشد الرغبة في تولّي الإِمارة وغيرها من الأعمال الحكومية ذات النفوذ والسلطان، كالقضاء، والشرطة وغيرها، "وستكون ندامة يوم
القيامة" لمن لم يكن لها أهلاً، حيث يعاقب أشد العقوبة على عدم القيام بمسؤولياتها " فنعم المرضعَة " أي فما أحسن الوظيفة عندما يتولاها صاحبها في الدنيا فيتمتع بعزها ومركزها ونفوذها، " وبئست الفاطمة " أي وما أسوأ الوظيفة وما أشد ضررها على صاحبها يوم القيامة -إن لم يقم بواجباتها- حيث يسأل عما عمله فيها ويحاسب على تفريطه، وعدم قيامه بمسؤولياتها، فيشتد عذابه، وتنقطع عنه لذاتها، وتبقى له حسراتها، فيكون حاله كحال الرضيع عند فطامه عن ثدي أمه.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: أن الولاية أياً كان نوعها مسؤولية خطيرة، سواء كانت إمارة أو قضاء أو شرطة. يجب ألا يتولاها إلّا من تتوفر فيه الشروط اللازمة والصلاحية التامة لها، قال ابن تيمية: فيجب على ولي الأمر أن يولّي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" من استعمل رجلاً من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين "(1) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولي من أمر المسلمين شيئاً فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه في الإِمارة:" إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذ بحقها وأدّى الذي عليه فيها " رواه مسلم. أما شروط الولاية فأهمها كما قال ابن تيميّة: ركنان القوة والأمانة (2)، كما قال تعالى:(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، فإن الحرب خُدْعة والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم
(1) وفي سنده حسن بن قيسي الرحبي، وهو متروك. (ع).
(2)
" السياسة الشرعية " لابن تيمية.
بالعدل والقدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله وترك خشية الناس، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:" القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فرجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ". واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، قال عمر: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فيقدم في إمارة الحروب كما قال ابن تيمية الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، فقد سئل الإِمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ فقال: أمّا الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر. قال ابن تيمية: وإن كانت الحاجة في الولاية (1) إلى الأمانة أشد قدم الأمين، مثل حفظ الأموال، قال: ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، قدم فيما يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. ثانياً: أنه يحرم طلب الولاية (2) لمن لم يكن لها أهلاً لجهله أو لضعفه أو لغلبة الهوى عليه، فقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:" إنكم تحرصون على الإِمارة، وستكون ندامة يوم القيامة " أي تكون ندامة على من لم يقم بمسؤولياته فيها ولم يؤدّ حق الله وحق العباد أثناء قيامه بها، لأنها أمانة وقد قال صلى الله عليه وسلم:" ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلاّ لم يجد رائحة الجنة " أخرجه الشيخان. الحديث: أخرجه أيضاً النسائي. والمطابقة: في تحذيره صلى الله عليه وسلم من الحرص على الإِمارة، وهو ما ترجم له البخاري.
(1)" السياسة الشرعية " لابن تيمية.
(2)
ويكره طلبها أيضاً لمن توفرت فيه شروطها لما ورد أن من سألها وُكِلَ إليها، إلاّ إذا تعينت عليه، وتبين بحق أنه لا يصلح لها غيره، فإنه يطلبها، كما فعل يوسف حين قال:(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).