الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1022 - " بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)
"
1172 -
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ لِي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ سَمُرةَ لا تَسْأَلَ الإِمَارَةَ،
ــ
(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). أما اليمين الغموس: وتسمى أيضاً يمين الزور، واليمين الفاجرة فهي اليمين الكاذبة، ومعناها أن يحلف على شيء يعتقد فيه الكذب اعتقاداً جازماً ويتأكد أنه خلاف الواقع، ولكنه يحلف قاصداً الخيانة، وإضاعة الحق وتأييد الباطل. أما حكمها: فهي كبيرة من أعظم الكبائر لفظاعتها ولا كفارة فيها عند أكثر أهل العلم لفظاعتها وشناعتها، وعظم جرمها، وإنما تجب فيها التوبة، ورد الحقوق إلى أصحابها، وعن ابن مسعود موقوفاً:" كنا نعد الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذباً ليقتطعته ". قالوا: ولا مخالف له من الصحابة، ولكن تكلم ابن حزم في صحة هذا الأثر، وذهب الشافعي وآخرون إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس، واختاره ابن حزم.
1522 -
" باب قول (1) الله تعالى:
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) "
1172 -
معنى الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإِمارة " أي لا تطلب من إمام
(1) هكذا ترجم له في نسخة العيني.
فَإِنَّكَ إِنْ أُوْتِيْتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإنْ أُوْتِيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيتَ غَيْرَها خَيراً مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنكَ، وائْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ".
ــ
المسلمين الإِمارة -بكسر الهمزة- أو غيرها من الولايات التي تتعلق بها مصالح الناس، لأنها أمانة كبرى ومسؤولية عظمى " فإنك إن أوْتِيْتَها عن مسألة وكلت إليها " أي فإنك إن وليت فيها بسبب سعيك وإلحاحك في طلبها وُكِلْتَ إلى جهدك وقوتك دون معونة ربانية وأنت لا تقدر عليها دون عون من الله تعالى "وإن أوتيتها عن غير مسألة" أي وإن جاءتك من غير طلب " أعنت عليها " أي أعانك الله على مسؤولياتها. " وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير " قال في " تيسير العلام ": أي إذا حلفت على أمر لتفعله أو لتدعه، فإن كان لا يترتب على حلفك شيء فأنت مخيّر بين المضاء فيها أو التكفير، وإن كان الأحسن هو فعل المحلوف على تركه، أو ترك المحلوف (1) على فعله، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: كراهية طلب الإِمارة وغيرها من الولايات والحرص عليها لما في ذلك من تعريض النفس لعمل ربما لا يقوم بحقوقه، فيعرِّض نفسه للخطر ولما فيه غالباً من سوء القصد، فإنه لا يطلبها مع وجود من يقدر عليها إلاّ لغرض مال أو جاه أو غير ذلك من المقاصد. ثانياً: أن من جاءته الولاية دون طلب أو استشراف يعان عليها، لأنه يرى القصور في نفسه وحينئذ سيلتجىء إلى الله تعالى فيعينه عليها. ثالثاً: أنه يستحب الحنث في اليمين والتكفير عنها، إذا رأى أن الخير والأفضل والأنفع شرعاً في ترك المحلوف على فعله، أو في فعل المحلوف على تركه، كما فعل الصديق رضي الله عنه عندما
(1)" تيسير العلام " ج 2.
غضب على مسطح، فحلف أن لا يتصدق عليه، فلما نزل قوله تعالى:(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فقال: بلى أحب أن يغفر الله لي، فأعطى مسطح وكفر عن يمينه. رابعاً: وجوب الكفارة على كل من حنث في يمينه كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " فكفّر عن يمينك وائت الذي هو خير " وهو معنى قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) إلخ، وتتلخص كفارة اليمين في أحد أربعة أمور: الأول: إطعام عشرة مساكين من غالب قوت البلد لكل مسكين مُد (1). الثاني: كسوة كل واحد منهم ثوباً وسروالاً ونحوه. الثالث: عتق رقبة. الرابع: إن لم يكن قادراً على الكفارات السابقة يصوم ثلاثة أيام. خامساً: في الحديث تقديم الكفارة على الحنث حيث قال: فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير، إلاّ أنه انعقد الإجماع على مشروعية تقديم الحنث على الكفارة، فذهبت الحنفية (2) إلى وجوب تقديم الحنث، وذهب جماهير أهل العلم إلى أن تقديم الحنث مستحب لا واجب، وأنه يجوز تقديم الكفارة، لما ورد في هذا الحديث، إلاّ في كفارة الصيام عند الشافعي، فإنه لا يجوز تقديمها، لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها عن وقتها، ووقتها بعد الحنث، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: " فكفر عن يمينك ".
…
(1) لكل مسكين مد عند مالك والشافعي، وذهب بعضهم إلى أنه لكل مسكين نصف صاع بر أو صاع من غيره، وهو مذهب أبي حنيفة.
(2)
" سبل السلام " ج 4.