الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث شروط المجتهد
الاجتهاد لا يقبل ولا يعمل به ولا ينظر فيه إلا إذا صدر من شخص
قد توفرت فيه شروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن يكون عارفا بكتاب اللَّه تعالى وما يتعلَّق به:
فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة، فإنه لا بد أن
يعرف عنها ما يلي:
أولاً: هل هي ناسخة أو منسوخة حتى لا يستدل بآية منسوخة.
ثانيا: سبب نزولها؛ لأنه يساعده على معرفة معنى الآية.
ثالثاً: أقوال الصحابة فيها؛ لأنهم أعرف بمعناها من غيرهم.
رابعا: أقوال كبار التابعين فيها؛ لأنهم يقربون من الصحابة في
ذلك.
خامسا: تفاسير علماء الشريعة وعلماء اللغة لها.
سادساً: معرفة ما يعارضها من ظواهر الآيات الأخرى، والأحاديث.
سابعاً: معرفة نوع دلالتها هل دلَّت على الحكم بمنطوقها، أو
مفهومها، ونوع هذا المنطوق، ونوع هذا المفهوم.
ولا يشترط حفظ القرآن كله، ولا يشترط حفظ آيات الأحكام
- كما قال بعضهم - بل يكفيه أن يعرف مواقع آيات الأطعمة من
القرآن، وآيات الحدود منه، وآيات النكاح والطلاق والرضاع،
والنفقات، ونحو ذلك، حتى إذا نزلت حادثة في الأطعمة مثلاً
يذهب إلى المواضع التي توجد فيها آيات الأطعمة، ويستدل على
حكم حادثته بآية منها، بعد أن يطبق عليها ما ينبغي معرفته عنها.
الشرط الثاني: أن يكون عارفا بسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم،
فإذا أراد المجتهد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف
عنه مثل معرفته عن الآية تماماً، وقد سبق ذلك.
ويزاد في الحديث: أن يعرف سند الحديث، وطريق وصوله إلينا،
وحال رواته من العدالة والضبط، ومعرفة الصحيح من الأحاديث
والضعيف.
ولا يشترط حفظ الأحاديث كلها، ولا حفظ أحاديث الأحكام
- كما قال بعضهم - بل يكفي معرفة ما تتعلق به الأحكام إجمالاً كما
قال جمهور العلماء؛ ذلك لأن المجتهد الذي توفرت فيه جميع
شروط المجتهد إذا لم يطلع على حديث مما يمكن أن يغيب عن ذهنه
بعد البحث الجاد عن كل ما يتصل بموضوع اجتهاده من النصوص لا
يمنعه ذلك من تحصيل الظن بالحكم الشرعي بدليل آخر، يؤيد ذلك
الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا يجتهدون بالنوازل ويستدلون
على ذلك بأدلة، ثم يظهر لهم بعد ذلك حديث يخالف اجتهادهم
أو يوافقه.
فمثال المخالفة: قول ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نخابر
أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج بأن صلى الله عليه وسلم قد نهى عن المخابرة.
ومثال الموافقة: أن ابن مسعود رضي الله عنه قد قضى في
المفوضة بأن لها مهر مثيلاتها، ولها الميراث؛ وعليها العدة، فاخبره
معقل بن سنان الأشجعي أن هذا القضاء لك يا ابن مسعود هو قضاء
النبي صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق من جماعتنا،
ففرح ابن مسعود على أن قضاءه قد وافق قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم.
والأمثلة على خفاء بعض الأحاديث عن بعض الصحابة كثيرة.
ويقع هذا منهم، ولم يسلب ذلك منهم ملكة الاجتهاد، أو
وصف الاجتهاد.
الشرط الثالث: أن يكون عالِما بالمجمع عليه، والمختلف فيه.
واشترط ذلك؛ لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على
حكمها.
ولا يلزم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع، بل في كل مسألة يفتي
فيها ينبغي أن يعلم أن فتواه غير مخالفة للإجماع.
وأما المختلف فيها من المسائل، فلا بد للمجتهد أن يعرف المسألة،
وأدلة كل فريق.
ولقد كان الأئمة الأربعة ومن تبعهم يعرفون الاختلافات والمناظرات
والمحاورات التي جرت بين الصحابة، ومن جاء بعدهم ممن يُعتد
بقولهم؛ لذا اهتم كثير من العلماء بهذا - وهو علم الخلاف -
وألفوا فيه كالمحلى لابن حزم، والذخيرة للقرافي، والحاوي
للماوردي، والمغني لابن قدامة، والمجموع شرح المهذب للنووي،
وبداية المجتهد لابن رشد، والمبسوط للسرخسي، وغيرها.
الشرط الرابع: أن يكون عالما بعلم أصول الفقه؛ حيث إنه يجعله
عالِما بأن هناك أدلة متفقا عليها كالكتاب، والسُّنَّة، والإجماع،
والقياس، وأن هناك أدلة مختلف فيها كالاستصحاب،
والاستحسان، وقول الصحابي، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع،
والعرف، وشرع من قبلنا، وأن هناك قواعد أصولية.
ويعرف أقسامها، وشروط كل دليل، وترتيبها، وفك التعارض
بينها.
الشرط الخامس: أن يكون عالما بالقياس، حيث إن أكثر من
نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروط كل ركن،
وقوادحه، ونحو ذلك مما قلناه في باب القياس، قال الإمام الشافعي:
" من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد: " لا
يستغني أحد عن القياس "، وعرف بعضهم الاجتهاد بأنه القياس،
وهذا كله يدل على أهمية القياس.
الشرط السادس: أن يكون عالما باللغة العربية وقواعدها من لغة
ونحو، وبلاغة، وبديع، ومعرفة كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛
لأن القرآن والسُّنَّة وردا بلغة العرب، ولا يمكن لأي شخص أن
يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفته باللغة العربية.
ولا يشترط أن يتعمق في علم النحو واللغة، ومعرفة دقائق ذلك
كسيبويه، أو الكسائي، أو الخليل بن أحمد، أو المبرد.
وإنما ينبغي معرفة القدر الذي يفهم به خطاب العرب، وعاداتهم
في الاستعمال إلى حد يفرق بين صريح الكلام، وظاهره،
ومجمله، وحقيقته، ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه،
ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومعرفة
أي شيء يساعد على فهم الأحكام الشرعية من الألفاظ.
ويتفطن للمراد هل أريد باللفظ المعنى اللغوي له، أو العرفي، أو
الشرعي بقرائن السياق، والقرائن العقلية، وحال المتكلم،
والموضوع الذي قيل فيه، والغرض الذي سيق لأجله.
الشرط السابع: معرفة مقاصد الشريعة بأن يفهم المجتهد مقاصد
الشارع العامة من تشريع الأحكام، وأن يكون خبيراً بمصالح الناس،
وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.
الشرط الثامن: أن يكون عدلاً مجتنبا للمعاصي القادحة في
العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه: فمن ليس
بعدل فإنه لا تقبل فتواه، ولا يعمل بها الآخرون.
أما هو في نفسه، فيجب عليه أن يعمل باجتهاده إذا توفرت فيه
الشروط السابقة.
سؤال: إن المجتهد الفاسق لو أظهر دليله، وكان دليلاً صالحا
للاحتجاج به، فهل يجب الأخذ بقوله، والاعتماد عليه؟
جوابه:
إن كان المستمع لهذه الفتوى عالِما ومدركا لصحة الدليل، ووجه
دلالته على الحكم فإنه يعمل بفتوى ذلك الفاسق؛ اعتماداً على
الدليل الصحيح الذي أظهره، وليس هذا اعتماداً على اجتهاد المجتهد.
وإن كان المستمع لهذه الفتوى لا يعلم ولا يدرك صحة الدليل الذي
أظهره ذلك المجتهد الفاسق، فإنه لا يعمل بفتواه.