الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب العشرون تخصيص العِلَّة
قلنا: إن العِلَّة مطردة، ومعنى ذلك: أنه كلما ثبتت العِلَّة في
محل: ثبت بها الحكم، وهذا الاطراد هو بمثابة العموم؛ قياسا
على اللفظ:
فكما أن اللفظ الذي يشمل عدداً غير محصور يُسمى عاما، فكذا
العِلَّة التي تكون في محال كثيرة تسمى عِلَّة عامة من حيث وجودها
في كل هذه المواضع والمحال.
وإذا كان اللفظ العام يرد عليه ما يخصصه - كما سبق بيانه -:
فهل العلَّة التي ثبت وجودها في مواضعها، وتخلف حكمها في
مواضع منها يصح أن يحمل هذا التخلف على التخصيص، وتبقى
العِلَّة ويبقى حكمها فيما عداه من المواضع والمحال، أو أن وجودها
في موضع دون حكمها يؤثر عليها، ويكون هذا دليلاً على أنها
ليست بعِلَّة؛ لأنها لو كانت عِلَّة صحيحة لثبت بها الحكم في جميع
المحال.
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب.
المذهب الأول: أنه يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء
كانت منصوصة أو مستنبطة.
وهو مذهب كثير من الحنفية كالكرخي، وصدر الشريعة،
والدبوسي، وبعض الشافعية، كصفي الدين الهندي، وبعض
الحنابلة كأبي الخطاب، وحكي عن الأئمة الثلاثة: أْبي حنيفة،
ومالك، والشافعي، وهو رواية للإمام أحمد.
وهو مذهب المعتزلة، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: القياس على الأدلة اللفظية: فكما أن التخصيص
لا يقدح في كون العام حُجَّة، فكذلك تخلف الحكم عن الوصف
في بعض المواضع لا يقدح في كون الوصف عِلَّة؛ لأنه يكون
تخصيصا للعلَّة، والجامع: أن كلًّا من اللفظ اَلعام والعِلَّة دليل
شرعي: فالعَام لفظ الشارع، والعِلَّة معنى لفظ الشارع.
الدليل الثاني: أن العِلَّة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع،
ووجودها في موضع معَ تخلف الحكم عنها لا يخرجها عن كونها
أمارة؛ لأنه ليس من حقيقة الأمارة ملازمة حكمها في كل موضع
وحال، بدليل: أن الغيم الرطب أمارة على نزول المطر، وإن لم
يكن المطر ملازما له في بعض الأحوال.
المذهب الثاني: لا يجوز تخصيص العِلَّة مطلقا، أي: سواء
كانت منصوصة، أو مستنبطة.
وهو مذهب بعض المالكية كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي
عبد الوهاب، وبعض الشافعية كفخر الدين الرازي، والأستاذ أبي
إسحاق، وبعض الحنابلة كأبي يعلى، وبعض المعتزلة كأبي الحسين
البصري، وهو رواية عن الإمام أحمد.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العِلَّة لو صحت مغ تخلف الحكم عنها للزم
من ذلك ثبوت الحكم في المحل الذي وجدت فيه العلة؛ لأن من
لازم كون العِلَّة صحيحة أن يثبت بها الحكم.
جوابه:
لا نسلم أنه قولكم: إنه من لازم العِلَّة ثبوت الحكم بها؛ لأنه
ليس المراد بالعلَّة: ما يلزم الحكم لها مطلقا، وإنما المراد بالعلَّة: ما
اشتمل على معنى مقصود للشارع من شرع الحكم ببعث المكلف على
الامتثال، وهي بذلك المعنى يتوقف ثبوت الحكم بها على عدم المانع
ووجود الشرط، وحينئذٍ: لا يلزم من صحة العِلَّة ثبوت الحكم بها.
الدليل الثاني: قياس العِلَّة الشرعية على العِلَّة العقلية، فكما أن
العِلَّة العقلية لا يجوز تخصَيصها، بل يلزم من ثبوتها في محل
ثبوت حكمها، فكذلك العِلَّة الشرعية لا يجوز تخصيصها: فيلزم
من ثبوتها ثبوت حكمها، وإلا لم تكن عِلَّة.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أن هذا القياس لا يصح؛ لانه قياس مع الفارق،
ووجه الفرق: أن العلَل العقلية علَل مقتضية للحكم بذاتها، أما
العلَل الشرعية فهي عَلَل بوضع الشرع لها، وقد يتخلف عنها
حكمها.
الجواب الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهي:
العِلَل العقلية، حيث إن العِلَل العقلية يتخلف عنها حكمها إذا وجد
مانع مثل: تخلف الإحراق عن النار حيثما يكون الحطب رطبا لكون
الرطوبة مانعة من الإحراق.
المذهب الثالث: أنه يجوز تخصيص العِلَّة إذا كانت منصوصة،
أما إذا كانت العِلَّة مستنبطة فلا يجوز.
وهو مذهب أكثر الحنفية كالبزدوي، والسرخسي، وكثير من
المالكية كالباجي، وأكثر الشافعية، ومنهم: أبو إسحاق الشيرازي.
دليل هذا المذهب:
أن العِلَّة المنصوصة لفظ الشارع، واتباع مقتضى لفظه واجب،
قإذا خص بعض ما تناولته العِلَّة، فإن ما عدا الصورة المخصوصة
يبقى على حاله وهو الوجوب، بخلاف العِلَّة المستنبطة، فهي
تكتسب اعتبارها بوجود حكمها معها في جميع المحال، فإذا تخلف
عنها في محل تبين أنها ليست بعِلَّة كاملة، وإنما هي بعض العِلَّة.
جوابه:
إن هذا الدليل مبني على قصر اعتبار العِلَّة على وجودها في جميع
المحال مع حكمها، وهذا غير مسلم؛ لأحد أمرين:
أحدهما: كون مسلك الاطراد غير معتبر لإثبات العِلَّة.
ثانيهما: أو أنه لا بد مع الاطراد من توفر كون الوصف مناسبا.
المذهب الرابع: عكس الثالث، وهو: أنه يجوز التخصيص إذا
كانت العِلَّة مستنبطة، ولا يجوز إذا كانت العِلَّة منصوصة.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن العِلَّة التي ثبتت بالنص تتناول محل النقض بعمومها النصي،
فتثبت فيه العِلَّة صريحا، فلا يقبل التخصيص؛ لأننا لو قلنا بجواز
تخصيصه للزم من ذلك إبطال دلالة النص، بخلاف العِلَّة المستنبطة
فإنها ثبتت بالاستنباط من قبل المجتهد؛ ودليلها اقتران الحكم بها مع
عدم المانع، ولا يصح تخلف الحكم عنها مع عدم وجود مانع، أو
تخلف شرط.
جوابه:
أن العموم النصي إن كان قطعيا، فإنا نسلم أنه لا يقبل التخصيص
كغيره من العمومات التي تدل على أفرادها دلالة قطعية، وهذا لا
يختص بتخصيص العِلَّة، فيكون هذا خارجا عن محل النزاع.
أما إن كان العموم ظاهراً في الدلالة، فيجوز تخصيصه، ويقدر
وجود مانع في محل التخلف.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي راجع إلى تفسير العِلَّة أهي موجبة أو مقتضية؛
فمن فسرها على أنها مقتضية: فإنه أجاز تخصيصها؛ لأن كونها
مقتضية يتوقف على اشتراط شروط، وانتفاء موانع، فربما تخلف
عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه لا يرى تخصيصها في العِلَّة الموجبة
التي لا يتخلف عنها الحكم.
ومن فسر العِلَّة على أنها موجبة: فإنه لم يجز تخصيصها؛ لأن
الموجبة هي التيَ لا يتخلف عنها الحكم، ومفهوم هذا: أنه يرى
جواز تخصيصها في العِلَّة المقتضية التي ربما تخلف عنها الحكم.
تنبيه: موضوع تخصيص العلَّة يُسمى عند بعض العلماء بالنقض
- وهو وجود العِلَّة دون وجود حكمها - وقد اختلف العلماء في كون
" النقض قادحا للعِلَّة أو لا؛ وعندي أنه لا يصلح أن يكون قادحا للعِلَّة
مطلقا كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، لذلك جعلته هنا وسميته
لاتخصيص العِلَّة " كما فعل كثير من العلماء.