الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب السابع حكم التعليل بالحكم الشرعي
هل يجوز أن يكون الوصف المعلل به حكما شرعيا
؟
مثاله: قول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه
كالمسلم.
مثال آخر: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأنهما
طهران عن حدث.
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أننا قلنا: إن العِلَّة هي المعرف للحكم، ولا
يستبعد أن يجعل حكما ما معرفاً لحكم آخر، كأن يقول الشارع:
"مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني
أثبت الحكم الفلاني فيها أيضا ".
الدليل الثاني: أن الحكم قد يدور مع الحكم الآخر وجوداً وعدما،
فتثبت عليته بذلك، كما ثبتت علة غيره؛ لأن الدوران طريق من
طرق إثبات العِلَّة مطلقاً، أي: من غير فرق بين عِلَّة وعِلَّة - كما
سبق بيانه -.
فمثلاً: صحة ظهار الذمي توجد مع صحة طلاقه، فمن صح
طلاقه صح ظهاره، ومن لم يصح طلاقه لا يصح ظهاره، فتكون
صحة طلاقه عِلَّة لصحة ظهاره.
وكذلك: جواز رهن المشاع يوجد مع جواز بيعه وجوداً وعدما،
فما صح بيعه صح رهنه، وما لم يصح بيعه لا يصح رهنه، فيكون
جواز بيع المشاع عِلَّة لجواز رهنه.
الدليل الثالث: أنه وقع في الشريعة تعليل الحكم الشرعي بالحكم
الشرعي، والوقوع دليل الجواز، من ذلك أن امرأة من جهينة جاءت
إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟
قال: " نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك
دين أكنت قاضيته؟ اقضوا حق الله فالله أحق بالوفاء ".
فهنا نبه الرسول صلى الله عليه وسلم على أن العلَّة لصحة القضاء: كون الشيء صار ديناً في الذمة، فقد قاس صلى الله عليه وسلم إجزاء الحج عن الغير بإجزاء قضاء الدين عنه بعلَّة كون المقضي ديناً، والدين حكم شرعي؛ لأنه لزوم أمر في الذمة، وهذا اللزوم معتبر شرعاً، مترتب على خطاب الله تعالى المتعلق بأداء الحق.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم
الشرعي.
وهو لبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الحكم الذي جعل عِلَّة يحتمل فيه ثلاثة
احتمالات فقط هي:
الاحتمال الأول: إما أن يكون مقارناً للحكم.
الاحتمال الثاني: إما أن يكون متأخراً عنه.
الاحتمال الثالث: إما أن يكون متقدما عليه.
أما الأول - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة مقارنا للحكم
الذي جعل معلولاً - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأَن جعل أحدهما
علَّة والآخر معلولاً تحكما؛ حيث إنه يحتمل أن يكون الحكم الذي
جعله عِلَّة معلولاً، ويحتمل العكس، فلا مزية لأحدهما على
الآخر، فالقطع بكون أحدهما عِلَّة والآخر معلولاً تحكم.
أما الثاني - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل عِلَّة متأخراً عن
الحكم الذي جعل معلولاً - فإنه لا يصح التعليل به؛ لأن المتأخر لا
يكون عِلَّة للمتقدم؛ نظراً لوجود العلول بدون العِلَّة.
أما الثالث - وهو: أن يكون الحكم الذي جعل علَّة متقدما على
الحكم الذي جعل معلولاً - فلا يصح التعليل به - أَيضا -؛ لأن
القول بجوازه يلزم عليه وجود العِلَّة مع تخلف معلولها عنها - وهو
الحكم - وهذا نقض، والنقض من قوادح ومبطلات العِلَّة، وسيأتي
إن شاء اللَّه، وبذلك اتضح أن التعليل بالحكم الشرعي غير جائز.
جوابه:
أنا لا نُسَلِّمُ قولكم في الأول والثاني، بيان ذلك:
أن قولكم: " إن الحكم المقارن لا يكون علَّة " لا نسلمه، بل لا
مانع من جعل الحكم علَّة للحكم المقارن له، ولا يكون في ذلك
تحكم؛ لجواز أن يكون أَحد الحكمين مناسباً، والآخر غير مناسب،
فتكون المناسبة مرجحة لكون ذلك الحكم المناسب عِلَّة.
وقولكم: " إن الحكم المتأخر لا يكون عِلَّة للمتقدم " لا نسلمه،
بل يكون الحكم المتأخر علَّة للحكم المتقدم؛ لأنا نقصد بالعلَّة
المعرف؛ لأن المعرف يجوز أَن يكون متأخراً عن المعرف.
الدليل الثاني: أن الشارع إذا أثبت حكمين في صورة واحدة معا،
فليس أحدهما يتميز عن الآخر في الوجود والافتقار، والمعلومية،
وعلى ذلك فليس جعل أحدهما عِلَّة للآخر أوْلى من العكس،
وحينئذ:
1 -
إما أن لا يكون أحدهما عِلَّة للآخر، وهذا مطلوبنا.
2 -
أو أن يجعل كل واحد منهما عِلَّة للآخر، فيلزم الدور.
جوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا نُسَلِّمُ قولكم: " إنه لا مزية لأحدهما على
الآخر "، بل قد توجد مزية من حيث إنه يجوز أن يكون أحد
الحكمين مناسبا للآخر من غير عكس، أو يجوز أن يكون أحدهما
أكثر مناسبة من الآخر، فيكون المناسب، أو الأكثر مناسبة هو
العلة.
اَلجواب الثاني: لا نُسَلِّمُ أنه يلزم الدور إذا جعلنا كل واحد منهما
علَّة، وذلك لأن العلَّة هي المعرف، ولا مانع من أن يكون كل واحد
مَن الشيئين معرفا للآخر.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إن أصحاب المذهب الثاني لا يجيزون
التعليل بالحكم الشرعي في الأمثلة السابقة، وكذلك مثل: قياس
زكاة مال اليتيم بزكاة غيره في أنه مالك تام الملك، وقياس الرقبة
الواجبة في الظهار على الرقبة الواجبة في القتل، وجعل الإيمان
شرطاً فيهما باعتبار أن كل واحدة منهما كفارة.