الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث كيفية الجواب عن قادح منع كون الوصف عِلَّة
لما قلنا: إن للمعترض منع كون الوصف الذي ذكره المستدل عِلَّة
للحكم، أي: للمعترض مطالبة المستدل بإقامة الدليل على كون
الوصف عِلَّة، فإنه يجب على المستدك حينئذ أن يجيب عن هذا المنع
بإثبات كون الوصف عِلَّة للحكم.
ويثبت كون الوصف يصلح لأن يكون عِلَّة بالطرق المثبتة للعلية،
وهي مسألة العِلَّة التي ذكرناها فيما سبق، وهي: النص الصريح،
والنص الظاهر، والإجماع، والإيماء، والمناسبة، والإخالة،
والسبر والتقسيم، وتنقيح المناط، والدوران، والوصف الشبهي.
مثال ذلك: قول المستدل: النباش يُقاس على السارق في وجوب
قطع يده، والعِلَّة: أخذ المال بخفية.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون " أخذ المال بخفية " علة للقطع.
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف - " وهو أخذ المال
بخفية"عِلَّة؟
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون هذا الوصف علة
للقطع قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) .
والسرقة: الأخذ بخفية، فقد ورد الحكم وهو مقرون بالفاء بعد
الوصف مباشرة، وهذا من أنواع الإيماء إلى العِلَّة المعتبرة - كما سبق
بيانه.
مثال آخر: قول المستدل: لا يباع العنب بالزبيب؛ لأن العنب إذا
جف نقص، فلم يصح البيع قياسا على بيع الرطب بالتمر.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون النقصان بالجفاف علة لمنع البيع،
أو يقول: ما الدليل على كون هذا الوصف علة للحكم؟
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على كون وصف الجفاف علَّة
لمنع البيع هو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم
حينما سئل عن بيع الرطَب بالتمر - قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ "
قالوا: نعم، قال:"فلا إذن "
أي: فلا تبيعوا الرطب بالتمر.
فهنا: قد رتب الرسول صلى الله عليه وسلم الوصف -
وهو النقصان بالجفاف - على الحكم - وهو عدم جواز البيع -
بما يدل بالإيماء على التعليل، وقد سبق بيان ذلك.
مثال ثالث: قول المستدل: تجري على الصغير الولاية في
النكاح؛ لأنه صغير، فجرت عليه الولاية فيه؛ قياسا على الولاية في
المال.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون الصغر عِلَّة في ولاية المال، أو
يقول: بين الدليل على كون هذا الوصف عِلَّة لهذا الحكم.
فيجيب المستدل بقوله: إن الدليل على ذلك هو: الإجماع.
مثال رابع: قول المستدل: المطلقة طلاقا ثلاثا بائنا في مرض
الموت ترث من زوجها معاملة له بنقيض قصده؛ قياسا على القاتل.
فيقول المعترض: أنا أمنع كون المعاملة بنقيض المقصود علَّة في منع
القاتل من الإرث، أو يقول: ما الدليل على أن هذا الوَصف عِلَّة
لهذا الحكم؟
فيجيب المستدل: الدليل على كون المعاملة بنقيض المقصود عِلَّة في
منع القاتل من الإرث هو: مناسبة هذا الوصف لهذا الحكم؛ َ حيث
إن القاتل قتل مورثه لتعجيل حصوله على مال مورثه، فعاملناه جزاء
تصرفه الممنوع بأن منعنا عنه هذا المال.
وهكذا يثبت المستدل علية الوصف بأحد طرق ثبوت العِلَّة.
موقف المعترض من ذلك:
إن اقتنع المعترض بهذا الطريق أو المسلك، والدليل المثبت لعلية
الوصف: صح قياس المستدل، وانقطع المعترض.
وإن لم يقتنع المعترض فإن له أن ينظر في هذا الدليل أو المسلك
الذي أقامه المستدل، ويعترض عليه إذا أمكنه ذلك بأن يورد
الاعتراضات المناسبة لكل دليل أو مسلك من المسالك التي اعتمد
عليها المستدل، وكأن المستدل قد أورد هذا الدليل ابتداء.
فمثلاً: إذا استدل المستدل على كون الوصف يصلح أن يكون علَّة
لهذا الحكم عن طريق الكتاب، فإن المعترض يورد عليه الاعتراضات
التي تورد على الاستدلال بالكتاب ابتداء، وإذا استدل عليها عن
طريق السُّنَّة، فإن المعترض يورد عليها الاعتراضات التي تورد على
الاستدلال بالسُّنَّة، وهكذا.
ففي المثال الأول السابق - وهو: قياس النباش على السارق -
حيث إن المستدل استدل على كون الوصف - وهو أخذ المال بخفية -
عِلَّة بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فقد
يعترض المعترض بأحد الأمور التالية:
فقد يقول - أي: المعترض -: إن هذه الآية منسوخة، والمنسوخ
لا يستدل به.
وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد استدللت بالمفهوم
المخالف من الآية، وأنا لا أحتج بالمفهوم.
وقد يقول المعترض: إنك أيها المستدل قد أوردت هذه الآية على
قراءة لإثبات كون الوصف علَّة، وأنا عندي قراءة أخرى لا يمكن
معها إثبات كون الوصف عِلَّةَ.
وهكذا في بقية الاعتراضات على الكتاب، ويقول ذلك أيضا في
السُّنَة، ويزيد: اعتراض المعترض على سند الحديث.
موقف المستدل من ذلك:
إن اقتنع المستدل بأحد هذه الاعتراضات: فإنه يبطل قياسه،
ولنقطع.
وإن لم يقتنع، فإن عليه أن ينظر في هذه الاعتراضات، ويجيب
عنها كل اعتراض بحسبه:
فإن كان الاعتراض بالنسخ، فإن المستدل ينظر فيه من حيث تعيين
الناسغ، وتاريخ النسخ، وإمكان الجمع.
وإن كان الاعتراض بالمفهوم، فإن المستدل يبين حجية المفهوم
بالأدلة، وهكذا.