الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث هل يجوز التقليد في الفروع
؟
في ذلك تفصيل:
أولاً: لقد أجمع العلماء على أن أركان الإسلام - وهي:
الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - لا يجوز فيها الاجتهاد؛ لأنه
ثبت بالتواتر ونقلته الأُمَّة خلفا عن سلف، فمعرفة العامي فيها توافق
معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار
التواتر من البلدان كالهند، والصين.
ثانيا: أما فروع الدين - غير ما سبق - كالبيوع، والأنكحة،
والعتاق، والحدود، والكفارات، وبعض جزئيات وتفاصيل
العبادات، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية فقد اختلف الحلماء في
ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز للعامي، أو طالب العلم الذي لم يبلغ
درجة الاجتهاد أن يقلد المجتهد، والأخذ بفتواه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: الإجماع على جواز ذلك قبل ولادة ذلك المخالف؛
حيث إن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم كانوا يُسألون عن
الأحكام فيفتون، وكان السائل يتبع المجتهد والمفتي فيما يقول، وكان
العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق
الحكم، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعا
على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي
الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) .
وجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط
وهم المجتهدون.
الدليل الثالث: أنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي
للمجتهد في الفروع؛ لأن المجتهد لو أخطأ فلا إثم عليه، بل له
أجر، إذن لا خطر على المقلد في هذا.
أما في أمور العقائد، فإن المجتهد إذا أخطأ فعليه إثم، كما بيَّنا
هناك، لذلك جوزنا التقليد في الفروع، دون الأصول.
الدليل الرابع: أن الإجماع قد انعقد أن العامي إذا نزلت به حادثة
فإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وهو بين أمرين لا ثالث لهما:
الأمر الأول: إما أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
الأمر الثاني: أو يعرف حكمها عن طريق التقليد.
أما الأمر الأول فلا يمكن؛ لأنه إذا أراد معرفة حكم حادثته بنفسه
فإنه لا بد أن يبدأ بتعلم العلم، فيعرف الأدلة، وكيفية ترتيبها،
والناسخ منها والمنسوخ، وأقوال العلماء في كل دليل، ومعرفة ما
يعارض ذلك الدليل، وكيفية فك ذلك التعارض، وهذا كله إذا كان
قابلاً للتعلم، وكذلك تعلم القياس وشروط كل ركن من أركانه،
وهذه المعرفة لا يمكنه تحصيلها إلا في زمان طويل، قد يذهب عمره
وهو لم يصل إلى حكم شرعي لحادثته، وكثير من أهل الحديث
يعرفون صحيح الأحاديث وسقيمها، ثم لا يمكنهم الاجتهاد.
إذن لا يمكن للعامي أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
فلم يبق إلا أن يعرف حكمها عن طريق تقليده لغيره من المجتهدين.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التقليد في الفروع، بل يلزم العوام
الاجتهاد والنظر في الدليل.
وهو مذهب معتزلة بغداد، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه قد لا يثق العامي بالمجتهد الذي أفتاه بأن لم
يخلص بالاجتهاد أو نحو ذلك، فيكون فعله مفسدة، فيحتاج العامي
أن يفهم دليل المجتهد ليزول شكه، ويكون واثقا من الحكم الذي
قاله له المجتهد.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن المجتهد لو أخبر العامي بالدليل الذي اعتمد
عليه، فإن هذا لا يفيد شيئاً؛ لأن العامي لا يعرف وضعه وطريقه
وكيفية الاستفادة منه - كما قلنا ذلك فيما سبق -.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل منتقض بخبر الواحد، فإن العالم
لا يأمن أن يكون المخبر قد كذب عليه، فيكون بأخذه ما جاء في
الخبر والاستدلال به فاعلاً للمفسدة، ولكنه يأخذ المجتهد ممن توفرت
شروط الراوي فيه ما يرويه.
الدليل الثاني: قياس الفروع على الأصول، فكما أنه لا يجوز
للعامي التقليد في أصول الدين، فكذلك لا يجوز في الفروع.
جوابه:
أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ويفرق بينهما
من وجهين:
الوجه الأول: أن طرق مسائل أصول الدين من التوحيد،
والنبوات عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمر
الإنسان ومعاشه فيها.
أما الفروع فنظرا إلى كثرة أدلته، وتنوعها، وتشعبها، وتجدد
الاجتهاد فيها، وأنه لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها
إلا بطول بحث وسعة نظر واطلاع، وهذا يفضي إلى الانقطاع عن
المعاش الذي به قوام الدنيا.
الوجه الثاني: أن مسائل الفروع يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه
الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي وهو المجتهد، كما يحصل
للعالم بخبر الواحد عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
بخلاف مسائل الأصول، فلا بد من الجزم فيها.