الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني في طرق الترجيح بين معقولين
ويشتمل على المسائل التالية:
المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأصل.
المسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العِلَّة.
المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الفرع.
المسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمور
الخارجية.
المسألة الأولى: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى
الأصل:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكان الأصل في أحدهما
حكمه قطعي، وفي الآخر حكمه ظني: فإنه يرجح القياس الذي
حكمه قطعي؛ لأن ما كان حكم أصله ظنيا يتطرق إليه الخلل،
بخلاف ما كان حكمه قطعيا.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، وحكم أحدهما قد جرى
على وفق القياس، ومقتضى القواعد الكلية، وحكم القياس الآخر
معدول به عن سنن القياس، فإنه يرجح القياس الأول؛ لكونه أبعد
عن التعبد، وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل.
الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان وأحدهما يقتضي الإباحة،
والآخر يقتضي التحريم؛ فإنا نرجح القياس المقتضي للتحريم؛
لأمرين:
أولهما: أنه إذا اشتبه المباح بالمحظور غلب جانب الحظر.
ثانيهما: أن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها.
الطريق الرابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما يثبت الحد،
والآخر يسقط الحد، فإنه يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، وهو
مذهب كثير من الشافعية، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم:
"ادرأوا الحدود بالشبهات "،
والقياس المعارض أقل درجاته أن يكون فيه شبهه، والشبهه تدرأ الحدود.
الدليل الثاني: أن الحدود ضرر، والضرر منفي في الإسلام،
لقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ".
الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان أحدهما ينفي العتق، والآخر
يثبت العتق، فإنه يرجح الثاني - وهو إثبات العتق -؛ لأمرين:
الأول: أن العتق يتشوف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما
يتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع مقاصد الشريعة، وأهداف
الإسلام.
الثاني: أن الأصل زوال قيد ملك اليمين وهو الأصل، فيكون
القياس الموافق لهذا الأصل هو المرجح.
الطريق السادس: إذا تعارض قياسان، واتفق أهل القياس على
تعليل أحدهما، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول - وهو المتفق
على تعليل حكم أصله -؛ لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف
الطريق السابع: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد اتفق على عدم
نسخ حكم أصله، والآخر قد اختلف في نسخ حكم أصله، فإنه
يرجح الأول؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود.
***
المسألة الثانية: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى العلة:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما قاصرة،
وعلة الآخر متعدية: فإنه ترجح العِلَّة المتعدية؛ لأن العِلَّة المتعدية أتم
فائدة من العلَّة القاصرة، وأكثر منفعة؛ لأنها تفيد تعميم الأحكام،
وهو الأصل.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان، أحدهما وجدت العِلَّة فيه
بصورة قطعية، والآخر وجدت العلَّة فيه بصورة ظنية، فإنه يرجح
الأول؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.
الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما منعكسة
- أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم -، وعلة الآخر ليست
كذلك: فإنه يرجح الأول؛ لأن عدم الحكم عند عدم الوصف دليل
اختصاص الحكم بالعِلَّة، وأكدت تعلقه به.
الطريق الرابع: إذا تعارض قياس أحدهما جلي - وهو: ما علم
فيه نفي الفارق بين الأصل والفرع -، والآخر خفي - وهو ما لم
يعلم ذلك - فإنه يقدم الجلي؛ نظراً لقوة الجلي.
الطريق الخامس: إذا تعارض قياسان، أحدهما ثبتت عِلَّته عن
طريق النص، والآخر عن طريق الإجماع، فإنه يرجح الثاني؛ لأن
الإجماع لا يحتمل النسخ والتأويل، بخلاف النص.
وكذلك النص يقدم على الإيماء.
الطريق السادس: إذا تعارض قياسان أحدهما ثبتت عِلَّته عن
طريق الإيماء بجميع أنواعه، والآخر ثبتت علَّته عن طريق غيره من
الطرق الاجتهادية كالمناسبة، والدوران، فإَنه يرجح الأول؛ لأن
الإيماء طريق أقوى من غيره، وما كان متفقا عليه أوْلى بالاتباع.
وهكذا في جميع الطرق المثبتة للعلية - مسالك العلَّة - يقدم
الأقوى على الأضعف: فيقدم الناسب على الدوران، والدوران
على ما ثبتت عليته بالسبر والتقسيم، وهكذا.
الطريق السابع؛ إذا تعارض قياسان، أحدهما علَّته عامة توجد
في جميع الأفراد، والآخر علَّته خاصة قد خرج منها بعض الأفراد،
فإنه يرجح الأول؛ لكثرة فوائد عِلَّته.
الطريق الثامن: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلَّته تقتضي
الاحتياط، والآخر عِلته تقتضي عدم ذلك: فإنه يرجح الأول، وهو
واضح.
الطريق التاسع: إذا تعارض قياسان: أحدهما يشهد لعلته أصلان
- أي: يمكن استنباطها من أصلين - والآخر يشهد له أصل واحد،
فإنه يرجح الأول؛ لأن ما يشهد له اثنان أقوى مما يشهد له واحد.
الطريق العاشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علَّته ناقلة - أى:
مفيدة حكما شرعيا جديداً - والآخر علَّته مبقية على الأصل، فإنه
يرجح الأول - وهو القياس الذي عِلَّته ناقلة -؛ لأمرين:
أولهما: أن الناقلة من قبيل المثبت، والأخرى من قبيل النافي،
فيقدم المثبت على النافي؛ لأن فيها زيادة علم؛ قياسا على الخبرين.
ثانيهما: أن الناقلة تفيد حكما شرعيا، والأخرى لا تفيد شيئاً إلا
ما كان ثابتا قبل ذلك، فما كان مفيداً حكما شرعيا جديدأ أوْلى؛
قياسا على الخبرين المتعارضين.
الطريق الحادي عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما عِلته مفردة،
وعلة الآخر مركبة من أوصاف، فإنه يرجح الأول؛ لأنه كلما كانت
العَلَّة أقل أوصافا كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في
الظن، وأقل اجتهاداً.
الطريق الثاني عشر: إذا تعارض قياسان: أحدهما علته وصفا
مشتملاً على الحكمة، والآخر علَّته نفس الحكمة: فإنه يرجح
الأول؛ لإجماع العلماء على صحةَ التعليل بالعلَّة، واختلافهم في
جواز التعليل بالحكمة.
المسألة الثالثة: طرق الترجيح بين الأقيسة الثي ترجع إلى
الفرع:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان: أحدهما الفرع فيه مقطوع
بوجود العلة فيه، والآخر مظنون بوجود العلة فيه: فيرجح ما كان
الفرع مقطوعاً بوجود العِلَّة فيه؛ لأنه أغلب على الظن، وأبعد عن
احتمال.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما ورد الفرع فيه متأخر
عن أصله، والآخر متقدم، فيرجح الأول؛ نظراً لسلامته من
الاضطراب، وبعده عن الاختلاف.
الطريق الثالث: إذا تعارض قياسان مشتركان في عِلَّة الحكم أو
جنسه، أو في العلَّة: فإنه يرجح القياس الذي كان الفرع فيه مشاركا
للأصل في عين الحكم وعين العِلَّة، على القياس الذي كان الفرع فيه
مشاركاً للأصل في جنس الحكم، وجنس العِلَّة؛ لأن التعدية باعتبار
الاشتراك في المعنى الأخص أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى
الأعم.
***
المسألة الرابعة: طرق الترجيح بين الأقيسة التي ترجع إلى الأمر
الخارجي:
الطريق الأول: إذا تعارض قياسان، أحدهما قد وافقه عمل أهل
المدينة؛ بخلاف الآخر، فإنه يرجح الأول؛ لأن موافقته لعمل أهل
المدينة قوى الظن به، بخلاف الآخر.
الطريق الثاني: إذا تعارض قياسان: أحدهما قد وافقه ظاهر
الكتاب أو السُّنَّة، بخلاف الآخر: فإنه يرجح الأول؛ لما سبق.
الطريق الثالث: يرجح القياس الذي وافقه عمل الخلفاء الأربعة
على القياس الذي لم يوافقه عملهم.
الطريق الرابع: يرجح القياس الذي وافقه قياس آخر، على
القياس الذي لم يوافقه قياس آخر، وهذا على مذهب جمهور
العلماء؛ لما سبق ذكره.