الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز
عن الترجيح وتحيَّر فماذا يفعل
؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن عليه التوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من
الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة
الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما.
وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، والحنابلة، وهو الحق
عندي؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: أن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين
المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛
وذلك لأن التخيير يلزم منه الجمع بين النقيضين؛ لأن التخيير هو
تساوي الطرفين، وهو الإباحة، والمباح نقيض المحرم، فإذا تعارض
دليل مبيح مع دليل محرم، فخيرنا المجتهد بين كونه محرما يأثم
بفعله، وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله: كان ذلك جمعا بين
هذين المتناقضين، والجمع بينهما باطل.
الدليل الثاني: أنه لو تعارض دليلان عند المجتهد، أحدهما
يقضي بإيجاب الحكم، والآخر يقضي بإباحته، ثم ذهب المجتهد
إلى المذهب الثاني - وهو: تخيير المجتهد بينهما - فقد تضمن هذا
ترجيح الدليل المبيح على الدليل الموجب بلا دليل، وهذا تحكم،
والتحكم باطل بالاتفاق.
المذهب الثاني: أنه إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح
أحدهما على الآخر عنده، فإنه يتخير بينهما، فإن شاء أخذ بهذا
الدليل، وإن شاء أخذ بالدليل الآخر، ولا يرجح أحدهما على
الآخر، ولا يجوز له التوقف.
وهو مذهب بعض الحنفية كالجرجاني، والجصاص، وبعض
المعتزلة كأبي علي وابنه، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن أمام المجتهد احتمالات خمسة باطلة إلا واحد،
وهي كما يلي:
الاحتمال الأول: إما أن يعمل المجتهد بالدليلين معا؛ المثبت
والنافي، وهذا محال؛ لأنه جمع بين متناقضين.
الاحتمال الثاني: وإما أن يسقط المجتهد الدليلين معا، فلا يعمل
بهما وهو باطل؛ لأنه يؤدي إل تعطيل دليلين قد ثبتا. -
الاحتمال الثالث: وإما أن يتوقف فلا يعمل بهما معا حتى يرد ما
يرجح أحدهما، وهو باطل؛ لأن التوقف إلى غير غاية فيه تعطيل
لدليلين قد ثبتا، ويمكن أن يكون الحكم في المسألة لا يقبل التأخير
بأي حال.
الاحتمال الرابع: وإما أن يرجح أحدهما فيعمل به، دون الآخر،
وهو باطل؛ لأنه تحكم، أي: هو تعيين بلا دليل، وليس أحدهما
بأوْلى من الآخر.
الاحتمال الخامس: وإما أن يتخير بينهما، فيختار ما شاء منهما
فيأخذه فيعمل به على طريقة الإباحة، وهذا هو الصحيح؛ وذلك
لكون كل واحد منهما في قوة الآخر، وليس أحدهما بأوْلى من
الآخر، وهو مذهبنا.
جوابه:
لا نسلم صحة الاحتمال الخامس؛ لما ذكرناه من الدليلين السابقين
على أن التخيير باطل.
بل المسلم هو الاحتمال الثالث وهو: التوقف - وهو مذهبنا -
وليس فيه تعطيلاً للدليلين، حيث إنا لا نقصد به التوقف المطلق،
بل نقصد أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر، فإن
لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعدل إلى دليل آخر كالبراءة الأصلية؛
قياساً على القاضي إذا تعارضت عنده بينتان.
ومعروف أنه لا توجد أية حادثة إلا ويوجد لها دليل يدلنا على
الحكم فيها؛ لأن اللَّه تعالى قد كلفنا بأن نوجد أحكاما شرعية لكل
الحوادث المتجددة، ولا سبيل لإيجاد هذه الأحكام إلا بدليل شرعي،
فلو لم يجعل دليلاً لذلك: كان هذا تكليفا بما لا يطاق.
والتوقف واقع في الشريعة في صور، ومنها:
1 -
أن المجتهد إذا سأله بعض المستفتين عن حكم مسألة لم يجد
لها دليلاً يعتمد عليه من نقل، أو عقل، فإنه حينئذٍ يتوقف.
2 -
أنه إذا حدثت حادثة للعامي، فلم يجد مجتهداً يفتيه بها
بحكم، فليس أمامه إلا التوقف، لأنه لا يعرف الأدلة حتى يجتهد
لنفسه.
الدليل الثاني: قياس المجتهد على العامي؛ حيث إن العامي إذا
حدثت له حادثة، فسأل مجتهداً عن حكمها فأفتاه بأن حكمها
الجواز، وسأل مجتهدا آخر فافتاه بأن حكمها التحريم: فإن العامي
يختار أيهما شاء إما حكم الجواز، أو التحريم، ولا حرج عليه في
ذلك، فكذلك المجتهد إذا تعارض عنده دليلان يختار أيهما شاء ولا
فرق بجامع: أن كلًّا منهما يتخير، فالعامي يتخير بين حكمين،
والمجتهد يتخير بين دليلين.
جوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهو
العامي؛ حيث إن العلماء اختلفوا في العامي إذا أفتاه مجتهدان قد
اختلفا في الحكم على أقوال:
فقيل: إن العامي يتخير بين فتوى هذا، وفتوى ذاك، وهو رأي
أكثر العلماء.
وقيل: إن العامي ينظر في أعيان المجتهدين، فيقبل قول أدينهما،
وأعلمهما، وهو مذهب كثير من الحنابلة، وبعض الشافعية.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأثقل والأغلظ من قولي المجتهدين؛
احتياطاً.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأسهل والأخف من قوليهما؛ لأن
الشريعة جاءت باليسر.
وقيل: إن العامي يأخذ بالأرجح دليلاً في اعتقاده.
وقيل: إنه ينبغي أن يسأل مجتهداً ثالثا.
إذن الحكم في الأصل مختلف فيه، فلا يجوز لكم أن تقيسوا على
أصل قد اختلف في حكمه.
الجواب الثاني: سلمنا أن الأصل المقاس عليه قد اتفق على حكمه
وهو: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه
قياس مع الفارق، ووجه الفرق:
أن العامي ليس أهلاً للنظر في الأدلة، ولم يتعبَّده الشارع باتباع
موجب ظنه.
وكذلك فإن العامي لا يكلف بأن يرجح بين حكمي المجتهدين في
حادثته.
أما المجتهد فإنه يختلف عنه في ذلك؛ فإنه أهل للنظر في الأدلة،
وقد تعبّده اللَّه باتباع موجب ظنه، وهو مكلف بترجيح أحد الدليلين
إذا تعارضا.
فأما إذا تعارض دليلان، ولم يجد مرجحا لأحدهما على الآخر،
فإنه لم يغلب على ظنه ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ لأنه لا ظن
له هنا، فحينئذٍ يجب عليه التوقف.
الدليل الثالث: أن التخيير بين الحكمين في الشرع قد وقع في
صور، ومنها:
1 -
التخيير بين خصال كفارة اليمين بين الإعتاق، أو الإطعام،
أو الكسوة.
2 -
أن من دخل الكعبة، فإنه يخير بأن يستقبل أي جدار أراد.
ووقوع التخيير في الشرع دليل على أن التخيير بين الدليلين بالنسبة
للمجتهد ليس ببعيد ولا بمستنكر.
جوابه:
أنا لا ننكر أن التخيير قد ورد في الشرع كما ذكرتم من الأمثلة،
وهذا التخيير ليس فيه جمع بين نقيضين، فلم يمتنع عقلاً، فجاز
عقلاً وشرعا.
لكن الذي ننكره هو التخيير الذي يؤدي إلى الجمع بين النقيضين
مثل: أن يتخير بين الواجب، وغير الواجب، والحرام، والمباح،
فهذا لم يرد به الشرع، ويمتنع عقلاً؛ لأنه محال.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه يجوز الاستدلال
بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان،
وهذا بناء على المذهب الأول.
أما بناء على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز الاستدلال بالبراءة
الأصلية عند تعارض الدليلين، بل يختار أحد الدليلين ويعمل به.