المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجزعن الترجيح وتحير فماذا يفعل - المهذب في علم أصول الفقه المقارن - جـ ٥

[عبد الكريم النملة]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث في أركان القياس وشروطها وما يتعلق بها

- ‌المطلب الأول تعريف الركن

- ‌المطلب الثاني في بيان أركان القياس إجمالاً

- ‌المطلب الثالث في بيان أسباب عدم ذكر حكم الفرع من أركان القياس

- ‌المبحث الأول في الأصل وحكمه وشروطهما وما يتعلق بهما

- ‌المطلب الأول في بيان المراد بالأصل

- ‌المطلب الثاني في بيان المراد بحكم الأصل

- ‌المطلب الثالث هل حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالنص أو بالعلة

- ‌المطلب الرابع في اشتراط كون حكم الأصل حكماً شرعيا عمليا

- ‌المطلب الخامس اشتراط كون حكم الأصل حكما ثابتا مستمراً

- ‌المطلب السادس اشتراط كون حكم الأصل معقول المعنى

- ‌المطلب السابع اشتراط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاًبعمومه حكم الفرع

- ‌المطلب الثامن هل يثشترط قيام دليل على جواز القياس على الأصل

- ‌المطلب التاسع هل يشترط في الأصل أن يكون قد انعقد الإجماععلى أن حكمه معلل، أو أن تثبت علته بالنص

- ‌المطلب العاشر هل يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين

- ‌المطلب الحادي عشر اشتراط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة

- ‌المطلب الثاني عشر بيان أن حكم الأصل إذا كان ثابتا بنصفإنه يجوز القياس عليه

- ‌المطلب الثالث عشر حكم القياس على أصل ثبت عن طريق الإجماع

- ‌المطلب الرابع عشر هل يشترط في حكم الأصل المقاس عليه أن تجمععليه كل الأمة، أو يكفي اتفاق الخصمين

- ‌المطلب الخامس عشر حكم القياس على الأصل الثابت عن طريق القياس

- ‌المطلب السادس عشر إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه وقد اختلففيه بين الخصمين فهل يجوز القياس عليه

- ‌المطلب السابع عشر هل يُقاس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس

- ‌المبحث الثاني في الفرع وشروطه وما يتعلق به

- ‌المطلب الأول بيان المراد بالفرع

- ‌المطلب الثاني اشتراط كون العلَّة الموجودة في الفرع مثل علة حكمالأصل من غير تفاوت واختلاف

- ‌المطلب الثالث اشتراط عدم كون حكم الفرع منصوصا عليهأو مجمعا عليه

- ‌المطلب الرابع اشتراط كون الحكم في الفرع مماثلاً لحكمالأصل في عينه، أو جنسه

- ‌المطلب الخامس اشتراط عدم تقدم حكم الفرع على حكم الأصل

- ‌المطلب السادس هل يشترط أن تكون العِلَّة في الفرع معلومة قطعا

- ‌المطلب السابع هل يشترط في حكم الفرع: أن يكون مما ثبت بالنص جملة

- ‌المبحث الثالث في العِلَّة وشروطها وما يتعلق بها

- ‌المطلب الأول في تعريف العِلَّة لغة، وأسمائها

- ‌المطلب الثاني في تعريف العِلَّة اصطلاحا

- ‌المطلب الثالث في تقسيمات العِلَّة

- ‌المطلب الرابع في طرق ثبوت العِلَّة " مسالك العِلَّة

- ‌المطلب الخامس هل يشترط أن تكون العلَّة مناسبة أي: مشتملة علىحكمة قصدها الشارع من تشريعه للحكم

- ‌المطلب السادس هل يشترط أن تكون العلَّة ظاهرة جلية أو يجوزالتعليل بالوصف الجلي والخفي

- ‌المطلب السابع حكم التعليل بالحكم الشرعيهل يجوز أن يكون الوصف المعلل به حكما شرعيا

- ‌المطلب الثامن بيان أن العلَّة يشترط فيها أن لا تخالف نصا أو إجماعاً

- ‌المطلب التاسع حكم التعليل بالحكمة

- ‌المطلب العاشر هل يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجوديوتعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، وتعليلالحكم العدمي بالوصف العدمي، وتعليل الحكمالوجودي بالوصف العدمي

- ‌المطلب الحادي عشر حكم التعليل بالوصف المركب

- ‌المطلب الثاني عشر حكم تعليل الحكم بأكثر من عِلَّة " تعدد العِلَل

- ‌المطلب الثالث عشر حكم تعليل حكمين أو أحكام بعِلَّة واحدة

- ‌المطلب الرابع عشر هل الطرد دليل على صحة العِلَّة

- ‌المطلب الخامس عشر في بيان أنه يشترط في الوصف المستنبط المعلل بهأن لا يرجع على الأصل بإبطاله

- ‌المطلب السادس عشر حكم التعليل بالاسم المجرد

- ‌المطلب السابع عشر حكم التعليل بالوصف العرفي

- ‌المطلب الثامن عشر هل يجوز التعليل بالعِلَّة القاصرة

- ‌المطلب التاسع عشر بيان أنه يشترط في العلَّة التي عللنا بها:أن لا تكون معارضة بعلة أخرى تقتضي إبطالها

- ‌المطلب العشرون تخصيص العِلَّة

- ‌الفصل الرابع في قوادح القياس ومبطلاته

- ‌المبحث الأول في سؤال الاستفسار

- ‌المطلب الأول بيان المراد بسؤال الاستفسار

- ‌المطلب الثاني كيفية الجواب عن الاستفسار

- ‌المبحث الثاني في قادح منع الحكم في الأصل

- ‌المطلب الأول في بيان قادح منع الحكم في الأصل

- ‌المطلب الثاني كيفية الجواب عن منع الحكم في الأصل

- ‌المبحث الثالث في قادح منع وجود الوصف في الأصل

- ‌المطلب الأول في بيان منع وجود الوصف في الأصل

- ‌المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الأصل

- ‌المبحث الرابع في قادح منع وجود الوصف في الفرع

- ‌المطلب الأول بيان قادح منع وجود الوصف في الفرع

- ‌المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع

- ‌المبحث الخامس في قادح منع الوصف في الأصل والفرع معا

- ‌المطلب الأول في بيان المراد من منع الوصف في الأصل والفرع

- ‌المطلب الثاني في كيفية الجواب عن قادح منع وجود الوصف في الفرع والأصل

- ‌المبحث السادس في قادح منع كون الوصف عِلَّة

- ‌المطلب الأول في بيان المراد منه

- ‌المطلب الثاني حجيته

- ‌المطلب الثالث كيفية الجواب عن قادح منع كون الوصف عِلَّة

- ‌المبحث السابع في قادح التقسيم

- ‌المطلب الأول في بيان المراد منه

- ‌المطلب الثاني حجيته

- ‌المطلب الثالث شروط التقسيم

- ‌المطلب الرابع في بيان الفرق بين التقسيم والاستفسار

- ‌المطلب الخامس في كيفية الجواب عن هذا القادح

- ‌المبحث الثامن في قادح النقض

- ‌المطلب الأول في بيان المراد بالنقض، وأهميته

- ‌المطلب الثاني حجيته

- ‌المطلب الرابع الحالات التي يرد عليها النقض وحكم كل حالة

- ‌المطلب الرابع هل على المستدل أن يحترز عن النقض في قياسه

- ‌المطلب الخامس بيان كيفية جواب المستدل عن هذا القادح

- ‌المبحث التاسع في قادح التركيب

- ‌المطلب الأول بيان المراد منه

- ‌المطلب الثاني أقسام قادح التركيب

- ‌المطلب الثالث حجية التركيب

- ‌المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح التركيب

- ‌المبحث العاشر في قادح فساد الوضع

- ‌المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الوضع وأقسامه

- ‌المطلب الثاني كيفية الجواب عن قادح فساد الوضع

- ‌المبحث الحادي عشر في قادح فساد الاعتبار

- ‌المطلب الأول بيان المراد من قادح فساد الاعتبار

- ‌المطلب الثاني كيفية الجواب عن هذا القادح

- ‌المطلب الثالث الفرق بين قادح فساد الاعتبار وقادح فساد الوضع

- ‌المبحث الثاني عشر في قادح المعارضة في الأصل

- ‌المطلب الأول بيان المراد من قادح المعارضة في الأصل

- ‌المطلب الثاني بيان أنواع المعارضة في الأصل

- ‌المطلب الثالث في حجية قادح المعارضة في الأصل

- ‌المطلب الرابع بيان أن المعترض لا يحتاج إلى دليل يشهد لوصفهالذي اعترض به

- ‌المطلب الخامس بيان أنه على المعترض بيان انتفاء الوصفالذي اعترض به عن الفرع

- ‌المطلب السادس بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الأصل

- ‌المبحث الثالث عشر في قادح المعارضة في الفرع

- ‌المطلب الأول في بيان المراد منه، وبيان أقسامه

- ‌المطلب الثاني بيان حجيته

- ‌المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح المعارضة في الفرع

- ‌المبحث الرابع عشر في قادح عدم التأثير

- ‌المطلب الأول بيان المراد من قادح عدم التأثير

- ‌المطلب الثاني بيان أن هذا القادح خاص بقياس المعنىإذا كانت علته مستنبطة

- ‌المطلب الثالث أقسام عدم التأثير

- ‌المطلب الرابع كيفية الجواب عن قادح عدم التأثير

- ‌المطلب الخامس بيان سبب إفراد هذا القادح في هذا المبحث

- ‌المبحث الخامس عشر في قادح الكسر

- ‌المطلب الأول بيان المراد من قادح الكسر

- ‌المطلب الثاني بيان حجية قادح الكسر

- ‌المطلب الثالث في بيان كيفية الجواب عن قادح الكسر

- ‌المبحث السادس عشر في قادح القلب

- ‌المطلب الأول المراد من قادح القلب

- ‌المطلب الثاني في بيان حجيته، وأنه معارضة

- ‌المطلب الثالث في بيان أنواعه

- ‌المطلب الرابع في بيان كيفية الجواب عن قادح القلب

- ‌المبحث السابع عشر في قادح القول بالموجب

- ‌المطلب الأول بيان المراد من قادح القول بالموجَب - بفتح الجيم

- ‌المطلب الثاني أنواعه، وبيان كيفية الجواب عن كل نوع

- ‌المطلب الثالث في بيان أنه لا يجوز للمعترض تغيير كلام المستدل

- ‌الباب السادس في الاجتهاد والتقليد

- ‌الفصل الأول في الاجتهاد

- ‌المبحث الأول في تعريف الاجتهاد

- ‌المبحث الثاني مجالات الاجتهاد ومواضعه

- ‌المبحث الثالث شروط المجتهد

- ‌المبحث الرابع حكم الاجتهاد

- ‌المبحث الخامس هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرفدقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب

- ‌المبحث السادس هل يجوز الاجتهاد في زمان صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث السابع هل يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد

- ‌المبحث الثامن هل وقع الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث التاسع هل يجوز الخطأ في اجتهاد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر هل كل مجتهد مصيب في الفروع أو المصيب واحد

- ‌المبحث الحادي عشر هل كل مجتهد مصيب في أصول الدينأو المصيب واحد

- ‌المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجزعن الترجيح وتحيَّر فماذا يفعل

- ‌المبحث الثالث عشر هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدةقولين متضادين في وقت واحد

- ‌المبحث الرابع عشر المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلومكلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهادفهل يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين

- ‌المبحث الخامس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلَّة قد ذكرهاووجدنا تلك العِلَّة في مسائل أخرى فَما الحكم

- ‌المبحث السادس عشر إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكرعِلَّة ذلك الحكم، ووجدنا مسألة أخرى تشبهها شبها

- ‌المبحث السابع عشر إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص على مسألةأخرى تشبهها على حكم آخر فهل يجوز نقل حكمإحداهما وجعله في المسألة الأخرى أو لا

- ‌المبحث الثامن عشر إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدةروايتان مختلفتان وصح هذا النقل عنه

- ‌الفصل الثاني في التقليد

- ‌المبحث الأول تعريف التقليد

- ‌المبحث الثاني هل يجوز التقليد في أصول الدين

- ‌المبحث الثالث هل يجوز التقليد في الفروع

- ‌المبحث الرابع بيان طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه

- ‌المبحث الخامس مجهول الحال هل يجوز تقليده

- ‌المبحث السادس إذا كان في البلد مجتهدان فأكثرفأيهم الذي يستفتيه العامي

- ‌المبحث السابع إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثته فحكم أحدهمابأنه يجوز فيها كذا، وحكم الآخر بأنه لا يجوز فيها كذا

- ‌المبحث الثامن إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهمافي جميع الأحوال

- ‌الباب السابع في التعارض والجمع والترجيح

- ‌الفصل الأول في التعارض

- ‌المبحث الأول تعريف التعارض

- ‌المبحث الثاني شروط التعارض

- ‌المبحث الثالث إذا ثبت تعارض دليلين فهل يقدم الجمع أو الترجيح

- ‌الفصل الثاني في الجمع

- ‌المبحث الأول تعريف الجمع بين الأدلة المتعارضة

- ‌المبحث الثاني شروط الجمع بين الأدلة المتعارضة

- ‌الفصل الثالث في الترجيح

- ‌المبحث الأول تعريف الترجيح

- ‌المبحث الثالث شروط الترجيح بين الدليلين

- ‌المبحث الرابع هل الترجيح لا يوجد إلا إذا وجد التعارضأم الترجيح لا يكون بين المتعارضين

- ‌المبحث الخامس هل يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين أو لا

- ‌المبحث السادس في حكم العمل بالراجح من الدليلين

- ‌المبحث السابع هل يجوز الترجيح بكثرة الأدلة

- ‌المبحث الثامن في طرق الترجيح بين الأدلة

- ‌المطلب الأول في طرق الترجيح بين منقولين

- ‌المطلب الثاني في طرق الترجيح بين معقولين

- ‌المطلب الثالث في طرق الترجيح بين منقول ومعقول

الفصل: ‌المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجزعن الترجيح وتحير فماذا يفعل

‌المبحث الثاني عشر إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز

عن الترجيح وتحيَّر فماذا يفعل

؟

لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:

المذهب الأول: أن عليه التوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من

الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة

الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما.

وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر الشافعية، والحنابلة، وهو الحق

عندي؛ للأدلة التالية:

الدليل الأول: أن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين

المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛

وذلك لأن التخيير يلزم منه الجمع بين النقيضين؛ لأن التخيير هو

تساوي الطرفين، وهو الإباحة، والمباح نقيض المحرم، فإذا تعارض

دليل مبيح مع دليل محرم، فخيرنا المجتهد بين كونه محرما يأثم

بفعله، وبين كونه مباحا لا إثم على فاعله: كان ذلك جمعا بين

هذين المتناقضين، والجمع بينهما باطل.

الدليل الثاني: أنه لو تعارض دليلان عند المجتهد، أحدهما

يقضي بإيجاب الحكم، والآخر يقضي بإباحته، ثم ذهب المجتهد

إلى المذهب الثاني - وهو: تخيير المجتهد بينهما - فقد تضمن هذا

ترجيح الدليل المبيح على الدليل الموجب بلا دليل، وهذا تحكم،

والتحكم باطل بالاتفاق.

ص: 2362

المذهب الثاني: أنه إذا تعارض دليلان عند المجتهد، ولم يترجح

أحدهما على الآخر عنده، فإنه يتخير بينهما، فإن شاء أخذ بهذا

الدليل، وإن شاء أخذ بالدليل الآخر، ولا يرجح أحدهما على

الآخر، ولا يجوز له التوقف.

وهو مذهب بعض الحنفية كالجرجاني، والجصاص، وبعض

المعتزلة كأبي علي وابنه، وبعض المالكية كأبي بكر الباقلاني.

أدلة هذا المذهب:

الدليل الأول: أن أمام المجتهد احتمالات خمسة باطلة إلا واحد،

وهي كما يلي:

الاحتمال الأول: إما أن يعمل المجتهد بالدليلين معا؛ المثبت

والنافي، وهذا محال؛ لأنه جمع بين متناقضين.

الاحتمال الثاني: وإما أن يسقط المجتهد الدليلين معا، فلا يعمل

بهما وهو باطل؛ لأنه يؤدي إل تعطيل دليلين قد ثبتا. -

الاحتمال الثالث: وإما أن يتوقف فلا يعمل بهما معا حتى يرد ما

يرجح أحدهما، وهو باطل؛ لأن التوقف إلى غير غاية فيه تعطيل

لدليلين قد ثبتا، ويمكن أن يكون الحكم في المسألة لا يقبل التأخير

بأي حال.

الاحتمال الرابع: وإما أن يرجح أحدهما فيعمل به، دون الآخر،

وهو باطل؛ لأنه تحكم، أي: هو تعيين بلا دليل، وليس أحدهما

بأوْلى من الآخر.

الاحتمال الخامس: وإما أن يتخير بينهما، فيختار ما شاء منهما

فيأخذه فيعمل به على طريقة الإباحة، وهذا هو الصحيح؛ وذلك

ص: 2363

لكون كل واحد منهما في قوة الآخر، وليس أحدهما بأوْلى من

الآخر، وهو مذهبنا.

جوابه:

لا نسلم صحة الاحتمال الخامس؛ لما ذكرناه من الدليلين السابقين

على أن التخيير باطل.

بل المسلم هو الاحتمال الثالث وهو: التوقف - وهو مذهبنا -

وليس فيه تعطيلاً للدليلين، حيث إنا لا نقصد به التوقف المطلق،

بل نقصد أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر، فإن

لم يعلم فإنه يسقطهما، ويعدل إلى دليل آخر كالبراءة الأصلية؛

قياساً على القاضي إذا تعارضت عنده بينتان.

ومعروف أنه لا توجد أية حادثة إلا ويوجد لها دليل يدلنا على

الحكم فيها؛ لأن اللَّه تعالى قد كلفنا بأن نوجد أحكاما شرعية لكل

الحوادث المتجددة، ولا سبيل لإيجاد هذه الأحكام إلا بدليل شرعي،

فلو لم يجعل دليلاً لذلك: كان هذا تكليفا بما لا يطاق.

والتوقف واقع في الشريعة في صور، ومنها:

1 -

أن المجتهد إذا سأله بعض المستفتين عن حكم مسألة لم يجد

لها دليلاً يعتمد عليه من نقل، أو عقل، فإنه حينئذٍ يتوقف.

2 -

أنه إذا حدثت حادثة للعامي، فلم يجد مجتهداً يفتيه بها

بحكم، فليس أمامه إلا التوقف، لأنه لا يعرف الأدلة حتى يجتهد

لنفسه.

الدليل الثاني: قياس المجتهد على العامي؛ حيث إن العامي إذا

حدثت له حادثة، فسأل مجتهداً عن حكمها فأفتاه بأن حكمها

ص: 2364

الجواز، وسأل مجتهدا آخر فافتاه بأن حكمها التحريم: فإن العامي

يختار أيهما شاء إما حكم الجواز، أو التحريم، ولا حرج عليه في

ذلك، فكذلك المجتهد إذا تعارض عنده دليلان يختار أيهما شاء ولا

فرق بجامع: أن كلًّا منهما يتخير، فالعامي يتخير بين حكمين،

والمجتهد يتخير بين دليلين.

جوابه:

يجاب عن ذلك بجوابين:

الجواب الأول: أنا لا نُسَلِّمُ الحكم في الأصل المقاس عليه وهو

العامي؛ حيث إن العلماء اختلفوا في العامي إذا أفتاه مجتهدان قد

اختلفا في الحكم على أقوال:

فقيل: إن العامي يتخير بين فتوى هذا، وفتوى ذاك، وهو رأي

أكثر العلماء.

وقيل: إن العامي ينظر في أعيان المجتهدين، فيقبل قول أدينهما،

وأعلمهما، وهو مذهب كثير من الحنابلة، وبعض الشافعية.

وقيل: إن العامي يأخذ بالأثقل والأغلظ من قولي المجتهدين؛

احتياطاً.

وقيل: إن العامي يأخذ بالأسهل والأخف من قوليهما؛ لأن

الشريعة جاءت باليسر.

وقيل: إن العامي يأخذ بالأرجح دليلاً في اعتقاده.

وقيل: إنه ينبغي أن يسأل مجتهداً ثالثا.

إذن الحكم في الأصل مختلف فيه، فلا يجوز لكم أن تقيسوا على

أصل قد اختلف في حكمه.

ص: 2365

الجواب الثاني: سلمنا أن الأصل المقاس عليه قد اتفق على حكمه

وهو: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن هذا القياس فاسد؛ لأنه

قياس مع الفارق، ووجه الفرق:

أن العامي ليس أهلاً للنظر في الأدلة، ولم يتعبَّده الشارع باتباع

موجب ظنه.

وكذلك فإن العامي لا يكلف بأن يرجح بين حكمي المجتهدين في

حادثته.

أما المجتهد فإنه يختلف عنه في ذلك؛ فإنه أهل للنظر في الأدلة،

وقد تعبّده اللَّه باتباع موجب ظنه، وهو مكلف بترجيح أحد الدليلين

إذا تعارضا.

فأما إذا تعارض دليلان، ولم يجد مرجحا لأحدهما على الآخر،

فإنه لم يغلب على ظنه ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ لأنه لا ظن

له هنا، فحينئذٍ يجب عليه التوقف.

الدليل الثالث: أن التخيير بين الحكمين في الشرع قد وقع في

صور، ومنها:

1 -

التخيير بين خصال كفارة اليمين بين الإعتاق، أو الإطعام،

أو الكسوة.

2 -

أن من دخل الكعبة، فإنه يخير بأن يستقبل أي جدار أراد.

ووقوع التخيير في الشرع دليل على أن التخيير بين الدليلين بالنسبة

للمجتهد ليس ببعيد ولا بمستنكر.

جوابه:

أنا لا ننكر أن التخيير قد ورد في الشرع كما ذكرتم من الأمثلة،

ص: 2366

وهذا التخيير ليس فيه جمع بين نقيضين، فلم يمتنع عقلاً، فجاز

عقلاً وشرعا.

لكن الذي ننكره هو التخيير الذي يؤدي إلى الجمع بين النقيضين

مثل: أن يتخير بين الواجب، وغير الواجب، والحرام، والمباح،

فهذا لم يرد به الشرع، ويمتنع عقلاً؛ لأنه محال.

بيان نوع الخلاف:

الخلاف هنا معنوي، وهو واضح؛ حيث إنه يجوز الاستدلال

بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان،

وهذا بناء على المذهب الأول.

أما بناء على المذهب الثاني: فإنه لا يجوز الاستدلال بالبراءة

الأصلية عند تعارض الدليلين، بل يختار أحد الدليلين ويعمل به.

ص: 2367