الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب السادس عشر إذا كان حكم الأصل منصوصا عليه وقد اختلف
فيه بين الخصمين فهل يجوز القياس عليه
؟
لقد بيَّنت فيما سبق: أنه يجوز القياس على حكم الأصل
المنصوص عليه، واتفق عليه الخصمان، وبيَّنت أن الحكم الذي اتفق
الخصمان عليه يجوز القياس عليه.
لكن إذا نص على حكم أصل، ولكن اختلف الخصمان فيه،
فهل يجوز القياس عليه؟
لقد اختلف العلماء فيه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز القياس على الأصل وحكمه إذا كان
منصوصاً عليه، وإن خالف فيه أحد الخصمين، فلا ينظر إلى
خلافه، وقد بيَّنا ذلك فيما سبق.
مثاله: قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء، فإنه يغسل ذلك
الإناء سبع مرات؛ قياسا على الكلب بجامع: أن كلًّا منهما حيوان
نجس.
فإن منع الخصم في ولوغ الكلب - أي: فإن خالف الخصم في
حكم الأصل - فإن المستدل يرد ويقول: إن غسل الإناء من ولوغ
الكلب سبع مرات قد ثبت بالنص.، وهو قوله عليه السلام:
" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا "،
فيصح قياس الخنزير على الكلب، وإن خالف الخصم في الأصل وحكمه.
لكن صحة هذا مشروطة بأن يكون النص غير شامل للفرع، فإن
كان شاملاً للفرع أخذنا حكمه من النص، ولا داعي للقياس.
هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق، لأن الأصل
وحكمه يعتبران من أركان القياس، فإذا خالف أحد في هذا الأصل،
فيجوز للمستدل أن يثبته بدليل معتمد كالنص وغيره، وهذا حال
جميع أركان القياس إذا خالف في أحدها بعض المعترضين، وليس
طريق إثبات حكم الأصل مقصوراً على الاتفاق - فقط -، بل
يكفي أي دليل يجعل المجتهد يغلب على ظنه أنه قد أثبت ذلك
الحكم، والنص يغلِّب الظن، فيجب أن يثبت به الأصل وحكمه
كالإجماع، لأن الفرق بينهما تحكم.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضاً -: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تجوزوا
القياس على ما ثبت بالقياس، مع أن القياس يغلب على الظن أنه
عبت للأصل.
جوابه:
إن الأصل عندنا لا يثبت بالقياس، لذلك لا يجوز القياس على ما
ثبت بالقياس، لأن العِلَّة الجامعة بين الأصل الأول والثاني إن كانت
موجودة في الفرع، فلَيقم المستدل ويقيسه على الأصل الثاني مباشرة
ويكفيه، وإن لم تكن العلَّة موجودة في الفرع لم يصح القياس؛
لأن القياس مبني على وجوَد العِلَّة، وهي هنا ليست كوجودة، لهذا
السبب منعنا القياس على ما ثبت بالقياس.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز القياس على المختلف فيه وإن كان
منصوصا عليه.
وهو مذهب بعض العلماء.
دليل هذا المذهب:
أن القياس المختلف فيه بين الخصمين، يؤدي ويفضي إلى الانتقال
من مسألة إلى مسألة أخرى، بيان ذلك:
أن المستدل إذا قاس على أصل مختلف فيه بين الخصمين، فإن
المعترض يمنع ذلك، ويقول: لا أسلم ثبوت ذلك الأصل بذلك
النص، فإن أثبت المستدل الأصل بدليل آخر كالمفهوم، أو الإجماع
السكوتي، أو نحوهما: جاز للمعترض أن يمنع الاستدلال بذلك،
فيكون مختلفاً فيه، وهكذا إن حاول المستدل أن يثبت الأصل بأي
دليل عارضه خصمه فيه، فينتقل الكلام من مسألة إلى مسألة أخرى،
ويبني الخلاف على الخلاف، وليس أحد الخصمين بأوْلى من الآخر
في ذلك، حيث إن كلًّا منهما قد بلغ درجة الاجتهاد.
جوابه:
إن الأصل وحكمه يثبت بالنص كغيره من أحكام الشريعة كثبوت
الأحكام بأخبار الآحاد، والظواهر من النصوص، والمجتهد الذي
يثبت حكماً بأي نص يعمل به ويفتي به، ولا يضره مخالفة الخصم
وعدم أخذه بذلك النص، فكذلك هنا فإنه يُثبت الأصل وحكمه بأي
نصٍ صح عنده ويبني عليه أحكاما أخرى من قياس عليه، ونحو
ذلك.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي، وهو واضح.