الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس هل يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف
دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب
؟
وهي مسألة " تجزؤ الاجتهاد "
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين.
المذهب الأول: أنه يقبل اجتهاده فيها، أي: أنه يجوز تجزؤ
الاجتهاد.
فالشخص العارف لمسألة معينة وأدلتها، وطرق النظر فيها، وما
يئعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها، ويعمل باجتهاده.
وهو مذهب جمهور العلماء.
فمثلاً لو أحاط بمسألة المشركة - وهي: زوج، وذات سدس،
وأخوة لأم، وأخوة أشقاء، فعرف كل ما يتصل وما يتعلق بها من
معرفة علم الفرائض، وأركانه، وشروطه، ثم اجتهد فيها فإنه يقبل
اجتهاده ويعمل به، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى كان يكون
جاهلاً بمسألة المفوضة، أو الجد والإخوة.
وهذا هو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه لو كان العلم في جميع مسائل الفقه شرطا
لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطا لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة
- رضي الله عنهم وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل وعدم
قدرتهم على ذلك مخرجا لهم عن الاجتهاد.
ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث توقف بعض الصحابة عن الفتوى
في بعض المسائل، ومع ذلك لم يزل عنه وصف الاجتهاد، وكذلك
سبق أن بيَّنا أن الإمام أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي، وأحمد كانوا
يكثرون من قولهم: " لا أدري "، ولم يكن ذلك مخرجا لهم عن
درجة الاجتهاد، بل كانوا يجتهدون في المسائل الأخرى فيقبل
اجتهادهم فيها.
الدليل الثاني: أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسألة الأخرى،
فالغفلة غن المسائل الأخرى لا تضره.
فمثلاً: لا صلة لمسالة " المشركة " فى مسألة " الجد والإخوة "،
فيتم اجتهاد المجتهد في مسألة المشركة بلا نقصان، فيقبل اجتهاده فيها.
وكذلك من عرف مسألة " قتل المسلم بالذمي " وما ورد فيها من
الآيات والأحاديث والآثار وأقوال السلف والخلف فيها، فإنه يقبل
اجتهاده فيها، ولا يضره عدم معرفته بمسألة " قتل الحر بالعبد "
وهكذا؛ لأن الاجتهاد تام.
المذهب الثاني: أنه لا يقبل اجتهاده فيها، أي: لا يجوز تجزؤ
الاجتهاد
…
وهو مذهب بعض الحنفية كملا خسرو، والفناري، وبعض
الشافعية كالشوكاني.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: إن لم يحط بأدلة جميع مسائل الفقه لا يحصل له
عند البحث عن حكم مسألة ظن عدم المانع؛ لإمكان وجود ما يتصل
بموضوعه في موضع آخر لم يطلع عليه وينظر فيه، ومن لا يحصل
له ذلك الظن لا يتمكن من استخراج الحكم، إذن: لا يعتبر عمله
اجتهاداً شرعياً يصح أن يؤخذ به.
جوابه:
لما قلنا بقبول اجتهاد ذلك الشخص بمسألة معينة قد عرف دقائقها
لم نقل ذلك مطلقاً، بل اشترطنا: أن يغلب على ظنه أنه قد أحاط
بجميع ما يتعلَّق بتلك المسألة من أدلة، أما الاحتمالات التي لا دليل
عليها فلا تؤثر على اجتهاده.
الدليل الثاني: أنه لو جاز تجزئة الاجتهاد للزم أن يقال: نصف
مجتهد، أو ثلثه، أو ربعه، ولم يقل بذلك أحد.
جوابه:
لا يلزم ذلك ولا يُسمَّى بنصف أو ثلث مجتهد، بل يسمى مجتهداً
في ذلك البعض، وهو اجتهاد تام فيما اجتهد فيه، وإن كان قاصراً
بالنظر إلى من فوقه من المجتهدين.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف معنوي؛ حيث إنه بناء على المذهب الثاني، فإن المجتهد
قسم واحد وهو: المجتهد العام العارف لكل مسألة من مسائل الفقه
بأدلتها غالباً، فلا يعتد بقول غيره من المجتهدين الذين يختصون
بمعرفة مسائل معينة.
أما بناء على المذهب الأول فإن المجتهد قسمان:
القسم الأول: مجتهد خاص وهو: الشخص الذي يجتهد بمسألة
معينة، وقد سبق بيان ذلك.
القسم الثاني: مجتهد عام، وهو: العارف لغالب مسائل الفقه
بأدلتها.
وكل واحد منهما يقبل اجتهاده، ويُعتد به، ولا فرق بينهما.