الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع إذا سأل العامي مجتهدين عن حكم حادثته فحكم أحدهما
بأنه يجوز فيها كذا، وحكم الآخر بأنه لا يجوز فيها كذا
وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم
فهل يعمل بحكم الأفضل، أو يتخير؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك
قول وحكم المفضول.
وهو مذهب بعض العلماء، وهو الحق؛ لدليلين:
الدليل الأول: قياس العامي على المجتهد، بيانه:
أنه إذا تعارض عند المجتهد دليلان: أحدها يحرم، والآخر
يجوز، فإن المجتهد يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه.
فكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.
أي: إن غلب على ظنه أن أحد المجتهدين أفضل من الآخر، فإنه
يتبع الأفضل، ويترك المفضول.
الدليل الثاني: أن العامي لا يشك في أن الصواب في أحد القولين،
وهذا شيء يحس به في قريرة نفسه، فإنه لا بد أن يجتهد في أن
يبعده عن هذا القول الخاطئ، ولا طريق له في ذلك إلا بأن يتبع
المجتهد الأفضل، ويترك المفضول.
المذهب الثاني: أن العامي يتخير بين الحكمين، فإن شاء أخذ
بقول الأفضل، وإن شاء أخذ بقول المفضول.
وهو مذهب كثير من العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن العامي لا يمكنه أن يعرف الأفضل منهما على
الحقيقة، بل قد يغتر بالظواهر، فيقدم المفضول، ويعتقد أنه هو
الأفضل، وذلك لأن معرفة أن هذا العالم أفضل من ذاك يحتاج إلى
معرفة أدلة كل واحد منهما على حكمه، وهذا ليس من شأن
العوام، ولا يمكنهم ذلك لو أرادوا، ولو جاز أن يعرف العامي أدلة
كل واحد من المجتهدين: لجاز للعامي أن ينظر في مسألته بنفسه
ابتداء، دون أن يرجع إلى أي مجتهد.
ثم إن زيادة الفضل لا تؤثر؛ لأن المفضول - أيضا - من أهل
الاجتهاد يُسأل ويفتي لو انفرد، فكذلك إذا كان معه غيره، ولا فرق.
جوابه:
أن العامي يعرف الأفضل بكل سهولة، حيث إنه يمكنه أن يعرف
ذلك بإحدى طرق:
الطريق الأول: الأخبار: كأن يخبره العدل الثقة بأن فلانا هو
أفضل علماء هذا العصر، أو يبلغه خبر عن طريق التواتر في ذلك.
الطريق الثاني: بالمشاهدة، كأن يرى فلانا من المجتهدين يذعن له
العلماء الآخرون، ويبجلونه، ويقدمونه عليهم، ويقبلون ما يقول.
الطريق الثالث: بالأمارات والقرائن، كأن يلاحظ عليه بعض
الأمور التي تجعله يحكم - بغلبة الظن - أن هذا هو الأفضل.
أما قولكم: " إن زيادة الفضل لا تؤثر "، فليس بصحيح؛ بل
إنها تؤثر في زيادة الاطمئنان على الحكم، وأنه بعيد عن الحكم
الخاطئ.
الدليل الثاني: إجماع الصحابة، حيث إنهم لا ينكرون على
العامة ترك النظر في أحوال العلماء، وأنهم لم يفرقوا بين الفاضل
والمفضول.
جوابه:
أن هذا الإجماع صحيح، ولكنه محمول على أنه لا يفاضل بين
المجتهدين قبل السؤال، فيكون هذا يصلح للاستدلال به على المذهب
الأول من المسألة السابقة في المبحث السادس.
بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه لو اختلف مجتهدان في القبْلة،
فإنه يقلد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبْلة عنده، وهذا بناء على
المذهب الأول.
أما على المذهب الثاني: فإنه يقلد من شاء منهما، ويتخير.
* * *